في ظلال المشروع الرباني القويم
(3) أصل البلاء في نشوء بدعتَي التكفير والإرجاء

 

بقلم أبي أسامة العراقي / التيار السني في العراق

تأمّلت في قول الله تعالى: { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا } (سورة البقرة 143)؛ ففهمت من مدلول الآية أن الشهادة الحقيّقية لأمتنا المسلمة على الناس، تقتضي منا أفرادا وجماعات أن نكون (وسطا) كما أراد لنا الله تعالى؛ لكنّ المشاهد اليوم تحوّل غالبية الأمة من الوسط إلى الطرفين.
ولدى التأمل في حال الأمة يتّضح جليا أن سبب ذلك الجنوح هو الخلل الحاصل في التوازن بين كفّتَي (الإيمان) و(النصرة)، اللذّين يتكوّن منهما ميزان الدين المرضيّ عند رب العالمين. ولطالما أتى (الإيمان) في القرآن والسنة مقرونا بالعمل الصالح (الذين آمنوا وعملوا الصالحات)، (جاء في خمسين موضعا من القرآن)، وأحيانا يُرفق بأعلى درجات العمل الصالح: (الهجرة) و(الجهاد)، كقوله تعالى:{ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللهِ } (سورة البقرة 218)، وأحيانا يقترن بالمسمّى العام الشامل: (النصرة)، كقوله تعالى: { وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ } (سورة آل عمران 81)، وقوله تعالى: { فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } (سورة الأَعراف 157، وقوله تعالى للمؤمنين: { إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا } (سورة التوبة 40).

المُفْرِطون في جانب ( الإيمان )
وقد نتج عن الخلل في ذلك التوازن آفتا الإفراط والتفريط، فالمُفرِطون في جانب (الإيمان) المُفرِّطون في جانب (النصرة) أُصيبوا بالأمراض الآتية:
1: إرهاق الأنفس في العبادات من صلاة وصيام وحجّ وعمرة وغيرها، كتعويض – فيما يبدو – لتقصيرهم في جانب النصرة، حتى تحوّلت حياتهم إلى نوع من الرهبانيّة المنهي عنها، لِما رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله لعثمان بن مظعون رضي الله عنه: (يَا عُثْمَانُ إِنَّ الرَّهْبَانِيَّةَ لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْنَا فَمَالَكَ فِيَّ أُسْوَةٌ؟ وَاللَّهِ إِنَّ أَخْشَاكُمْ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَأَحْفَظَكُمْ لحدوده لأَنا) رواه عبد الرزاق في مصنّفه.
2: وينتج عن ذلك الإفراط العبادي التعبُ والملل، فالنفس بطبيعتها تحب التنوّع في كلّ شيء، وما أروع تعبير النبي صلى الله عليه وسلم لمّا استأذنه رجل في (السياحة) فقال له: «إِنَّ سِيَاحَةَ أُمَّتِي الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى» رواه أبو داود وحسّنه الألباني.
3: الدخول في (الترف الفكري) من تتبّع المسائل الدقيقة في العقائد وفروعها، والفقه وفروعه؛ وأغلبه لا ينبني عليه علاج حقيقيّ لِما آلت إليه حال الأمة من ذلّ وهوان.
4: ولوج أبواب الجدل العقيم، والمعارك الفكرية الوهمية، في الأمور الفرعية التي لا تثمر في واقع الأمة إلا الشحناء والبغضاء وتنافر القلوب.
5: وأخيرا... يكون مآل أغلب هؤلاء – مع الأسف- الوقوع في بدعة الإرجاء وما شابهها من الفتن، حتى رأينا كثيرا منهم يدّعون لـ(المالكي) إمارة المؤمنين! فالإيمان القلبي – بزعمهم- لا يتناقض مع مولاة أعداء الدين إذا كانوا متغلّبين! ومنهم من نصّب نفسه كهنوتا للظالمين، يجهّز لهم الفتاوى المعلّبة في كلّ آن وحين!

المُفْرِطون في جانب ( النصرة )
في المقابل، نرى أن الذين أفرَطوا في (ادّعاء النصرة) على حساب التفريط في التزام مقتضيات (الإيمان) وتمثّل حقائقه؛ قد وقعوا بالمصائب الآتية:
1: إزهاق الأنفس في (جهاد) غير مسترشد بمشروع حقيقي متكامل، كانت نتائجه كارثيّة على أهل السنة في المنطقة، وأوضح مثال على ذلك: (المقاومة العراقية) التي استثمرتها إيران وهيمنت من بعدها على العراق، وما آل إليه حال (الثورة السورية) التي جاءت بأعداء الدين من كل حدب وصوب إلى بلاد المسلمين.
2: غلبة قسوة القلوب وتحجّر العقول على أحوال أغلبهم، فلا تجد فيهم قلوبا لطيفة ولا عقولا حصيفة؛ فقلوبهم أشدّ من الصخور، وعقولهم أخفّ من الطيور.
3: إضاعة الأوقات والأعمار في تفاصيل ما يسمّونه (فقه الجهاد والقتال)، من تنظير وتقعيد وتخصيص وتعميم، أمثال مسائل (التتريس)، و(دفع الصائل)، و(جهاد الدفع وجهاد الطلب)؛ وما إلى ذلك من مصطلحات أُفرغت من محتواها الحقيقيّ، لمّا أختلّ توازنها مع شقها الآخر: (الإيمان)؛ ولمّا ضلّت مسارَها الصحيح ضمن مشروع ربانيّ قويم، يقتفي خطى النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، ومنهجه في إقامة الدين.
4: التورّط تدريجياً في تكفير عموم الأمة السنيّة أولاً، ثمّ الابتلاء بتكفير بعضهم البعض، فغالبا ما تنشقّ الجماعة إلى شطرين، يتبادلان وصمة التكفير، ثم ينشطر الشقّان، وهكذا... في سلسلة لا تنتهي إلا لتبدأ من جديد.
5: وإذا كان العابدون التقليديّون بتركهم نصرة الدين، قد أعطوا تصوّراً عن المسلم وكأنّه عابدٌ يتسلّى بالدين؛ فإنّ هؤلاء التكفيريين ببطشهم وظلمهم للآخرين، قد منحوا أعداء الدين مبرّرا لوصف (المجاهد في سبيل الله) كسفّاك لدماء الآدميين.
من كلّ ما سبق نخلُص إلى حقيقة مهمّة: أنّ الأمة (الوسط) التي كان عليها الرعيل الأول بقيادة النبي صلى الله عليه وسلم ومن تبعهم بإحسان، قد حقّقوا التوازن بين طرفَي (الإيمان) و(النصرة)، وأنّ ذلك ما كان ليحصل لولا تبنّي المشروع الرباني الحكيم، والسير على نهج سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم؛ وهذا ما ينقُص أمتنا السنيّة في هذا الزمان، ويحقِّقُه لها – بإذن الله تعالى- مشروعُنا السنّيُّ القويم، ولله الأمر من قبل ومن بعد...ولا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم.


أبو أسامة العراقي

primi sui motori con e-max.it