في ظلال المشروع الرباني القويم

عبرٌ وأسرارٌ في قصّة تخلّف سيّدنا كعبٍ عن موكب الأبرار (1)

 

بقلم: أبي أسامة العراقي/ التيار السني في العراق

قصة تخلّف سيدنا كعب بن مالك الأنصاريّ - رضي الله عنه- عن غزوة تبوك (وهي في الصحيحين)؛ مليئةٌ بالحكم والمواقف المعبّرة الملهِمة، ونراها اليوم تتكرّر بأشكالٍ متنوّعة في دنيا الصالحين من أهلنا، ونسمع قصصاً مختلفة التفاصيل، متّحدة المضمون، تدلّ على الفشل في الاختبار، حينما يُؤثِر أهلُ الصلاح (متاع الدار الفانية) على (مقتضيات الفوز بالآخرة)، فيتخلّفون عن السير في ركاب مشروعنا الرباني السني القويم.

فإذا كانت تلك القصةُ المؤثّرة قد انتهت بتوبة الله تعالى على ذلك الإنسان الصادق الأمين؛ أفلا يجدُر بصالحي زماننا الاقتداء به والتوبة عن تخلّفهم عن ركب إخوانهم الصادقين؟ ثم التقدم إلى رحاب مشروعنا الرباني العظيم؟

سؤال نترك الإجابة عليه لمن يصدق الله تعالى، ويتّبع قوله سبحانه في التعقيب على هذه القصة البليغة: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ } (سورة التوبة 119).

سنختار من القصة إشاراتٍ ومواقفَ (نضعها بين قوسين للاختصار)، ممّا نتّعظ به جميعاً من تجربة هذا الصحابي الجليل، ونحن نجاهد لإعادة أمجاد أمتنا السنيّة العظيمة من جديد.

1: ( ... ولقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام، وما أحبّ أنّ لي بها مشهد بدر، وإنْ كانت بدرٌ أذكر في الناس منها):

هذا من كمال فقهه - رضي الله عنه-، وفهمه لمنازل الأعمال وتفاضُلِها؛ فإنّ ما حصل ليلة العقبة من اتفاق الأنصار مع النبي صلى الله عليه وسلم على حمايته، وفتح (يثرب) لدعوته، كان نقطةَ انطلاق هائلة، وقفزة نوعية حاسمة في مسار التمكين للدين، إذ وُضِعت اللبِنة الأولى في بناء( الجسد المدني) للمشروع الربانيّ؛ فتغيّرت بذلك موازين القوى لصالح المشروع المبارك، وتحصّلت له الفرصة التاريخية للتشكّل في دنيا الناس، والانتقال من عالم المُثل والقيم والأخلاق، إلى عالم الواقع المعاش المشهود. أما غزوة بدر- على ضخامة آثارها-، فإنها تبقى ثمرة واحدة من ثمار تلك الليلة ذاتِ الأثر غير المحدود.

2: (...لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلّفت عنه في تلك الغزوة...):

هذا الاعتراف الصريح من كمال صدقه في توبته - رضي الله عنه وأرضاه-. وننادي اليوم معاشر أهلنا ونقول: أين المؤمنون الصادقون؟ أين من يدّعون الصلاح وحب الدين وأهل الدين، وهم يجبنون عن مواجهة ذواتهم بمثل هذا الاعتراف الميمون؟... بل رأينا منهم – مع الأسف- من اطّلع على تفاصيل مشروعنا المبارك، واقتنع عقليّا بأنّه الحقُ المبين؛ وأنْ لا دواءَ لاستفحال الشيعة وإيران إلا باعتماد منهج يستأصل شأفتهم ويقضي على سرطانهم الملعون. ومع ذلك توقفوا، ولم يتقدموا خطوةً واحدة بالاتجاه الصحيح المعلوم؛ بل عادوا للحياة البعيدة كل البعد عن نصرة منهج سيد المرسلين؛ خادعين أنفسهم بما يظنّونه (فضائل الأعمال الصالحة)، وهم عن صهوة الجهاد الواجب في موكب النبي صلى الله عليه وسلم متخلّفون!!! نسأل الله تعالى أن يمنّ علينا وعليهم بتوبة صادقة مثل توبة سيدنا كعب، قبل فواتِ الأوان، وانقضاءِ الاجل المحتوم، والله غالبٌ على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

 

أبو أسامة العراقي

primi sui motori con e-max.it