تشيع بعض علماء الحديث

عبد الرزاق الصنعاني نموذجاً

عبد الرزاق الصنعاني (126 - 211هـ) من علماء الحديث، لقب بمحدث اليمن، له (الجامع الكبير) أو (المصنف) في الحديث، وكتاب في (تفسير القرآن).

اختلفت قاعدة البيانات في كتب (الجرح والتعديل) بشأنه من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار؛ فهو "راوية الإسلام" هنا، وهو أكذب من الواقدي هناك. وهذه إحدى معضلات الحديث؛ والسبب أن القواعد التي وضعت للتعامل معه قاصرة عن استيعاب مشكلاته. لهذا تجد عالم الحديث أو الباحث كثيراً ما يلجأ إلى عبور حقل الألغام قفزة واحدة ليعطي حكماً مبتسراً في حق أحد الرواة أو صحة إحدى الروايات، مستعملاً قاعدة مغضياً عن قاعدة أُخرى يعاير بها عالم آخر يمارس القفزة نفسها ليصل إلى حكم مغاير.

في نهاية المطاف أمسى الصنعاني مقبولاً عند جمهور المشتغلين بالحديث، عابرين حقل الألغام بطريقة ليس من السهل قبولها دون إصابات قاتلة.

لا يهمني كثيراً إن كان عبد الرزاق الصنعاني في طرف اليمين أو طرف الشمال. بل ما أتمناه أن يكون حقاً "راوية الإسلام" – كما وصفه به الإمام الذهبي – لولا أن هذا الوصف التعويمي ينام على قائمة مطوية من التجريح من قبل طائفة من جهابذة علماء الحديث، تسبب الإغضاء عن قراءتها جيداً بعقل حر منضبط في جعله قنطرة لأحاديث تهدم في بناء السنة وتؤسس لجدار الشيعة وتشيعهم السخيف.

ما يهمنا في المشروع السني هو روايات الصنعاني التي شاركت في صناعة التشيع، وتكوين ثقافة سنية هجينة تقبل الوجود التشيعي في ديارهم وصفوفهم ومصادرهم.

إننا في (التيار السني) نؤمن بعمق أن (المعيار السني) للأشياء هو الذي يحفظ الأمة المسلمة، ويُكسبها المناعة الذاتية التي تحصنها وتجعلها لا في مأمن من خطر الشيعة فحسب، وإنما تحولها من أمة خاملة مدافعة إلى أمة مواجهة ذات رسالة ربانية فاعلة، تَنهدُ لمشروع عظيم يقوض صرح التشيع في عقر داره، ويفتت دولة الشيطان في إيران فلا تقوم لها قائمة أبد الدهر.

تشيع الصنعاني وتضعيفه

عبد الرزاق مولى فارسي من موالي حمير. وتشيعه معروف عنه لا ينكره أحد.

روى البغدادي (الكفاية في علم الرواية، ص130) قال: أخبرني القاضي أبو عبد الله الصيمري ثنا علي بن الحسن الرازي ثنا محمد بن الحسين الزعفراني ثنا أحمد بن زهير قال: سمعت يحيى بن معين وقيل له: إن أحمد بن حنبل قال: إن عبيد الله بن موسى يُرَد حديثه للتشيع. فقال: كان - والله الذي لا إله إلا هو - عبد الرزاق أغلى في ذلك منه مئة ضعف. ولقد سمعت من عبد الرزاق أضعاف أضعاف ما سمعت من عبيد الله".

وممن ضعفه من العلماء أبو جعفر محمد بن عمرو العقيلي تلميذ البخاري؛ فقد أورد اسمه مع طائفة الضعفاء في كتابه (الضعفاء الكبير3/107) برقم (1082)، ونقل عن علماء (الجرح والتعديل) من الطعن في صدقه، وأخباره أعاجيب.

قال العقيلي: حدثنا أحمد بن محمود أبو الحسن الهروي قال: حدثنا أبو زرعة الرازي عبيد الله بن عبد الكريم قال: حدثنا عبد الله بن محمد المسندي قال: ودعت ابن عيينة قلت: أريد عبد الرزاق قال: أخاف أن يكون من الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا.

وقال: حدثنا محمد بن أحمد بن حماد، سمعت محمد بن عثمان الثقفي البصري قال: لما قدم العباس بن عبد العظيم من صنعاء من عند عبد الرزاق، وكان رحل إليه للحديث، أتيناه نسلم عليه فقال لنا ونحن جماعة عنده في البيت: ألستُ قد تجشمت الخروج إلى عبد الرزاق فدخلت إليه وأقمت عنده حتى سمعت منه ما أردت؟ والله الذي لا إله إلا هو إن عبد الرزاق كذاب ومحمد بن عمر الواقدي أصدق منه.

وقال: حدثنا عبد الله بن أحمد قال: سألت أبي قلت: عبد الرزاق كان يتشيع ويفرط في التشيع؟ قال: فأما أنا فلم أسمع منه في هذا شيئاً، ولكن كان رجلاً يعجبه أخبار الناس.

وقد مر بنا قريباً قول يحيى بن معين وقيل له: إن أحمد بن حنبل قال: إن عبيد الله بن موسى يُرَد حديثه للتشيع. فقال: كان والله الذي لا إله إلا هو عبد الرزاق أغلى في ذلك منه مائة ضعف. ولقد سمعت من عبد الرزاق أضعاف أضعاف ما سمعت من عبيد الله".

بمعنى أن الإمام أحمد خفي عليه من أمر عبد الرزاق ما لم يكن خافياً على يحيى بن معين، كما أن ابن معين خفي عليه من أمر عبيد الله بن موسى ما لم يكن خافياً على الإمام أحمد. ومن هنا يختلف الباحثون في التوثيق، فنحتاج إلى ضوابط أُخرى للأخذ والرد. لكن بعض الضوابط لا وجود لها في القواعد التي وضعت من قبل علماء الجرح والتعديل. وهي في حاجة إلى بحث من قبل مجمع علمي يعي المؤامرة الفارسية الشيعية ودور الموالي في نصرة قوميتهم أو تشيعهم، لتثبيتها وإضافتها. وإذ لم نجد حتى الآن مثل هذا المجمع فقد أخذنا – نحن مؤسسة التيار السني في العراق - هذه المهمة الثقيلة على عاتقنا أملاً بأن تخرج إلى الوجود لاحقاً إن شاء الله منظومة (الفقيه القائد) التي يكون هذا من أُولى مهامها.

موقف الصنعاني من الصحابة

أما موقف عبد الرزاق الصنعاني من الصحابة فمما قاله في سيدنا عمر بن الخطاب t ما رواه العقيلي (الضعفاء الكبير، 3/107) عنه فقال: سمعت علي بن عبد الله بن المبارك الصنعاني يقول: كان زيد بن المبارك لزم عبد الرزاق فأكثر عنه ثم خرق كتبه، ولزم محمد بن ثور. فقيل له في ذلك فقال: كنا عند عبد الرزاق فحدثنا بحديث معمر، عن الزهري، عن مالك بن أوس بن الحدثان الحديث الطويل، فلما قرأ قول عمر لعلي والعباس: فجئت أنت تطلب ميراثك من ابن أخيك، وجاء هذا يطلب ميراث امرأته من أبيها، قال عبد الرزاق: انظروا إلى الأنوك، يقول: تطلب أنت ميراثك من ابن أخيك ويطلب هذا ميراث امرأته من أبيها، ألا يقول: رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال زيد بن المبارك: فقمت فلم أعد إليه ولا أروي عنه حديثاً أبداً.

وقال العقيلي (الضعفاء الكبير، 3/107): حدثني أحمد بن زكير الحضرمي قال: حدثنا محمد بن إسحاق بن يزيد البصري قال: سمعت مخلداً الشعيري يقول: كنت عند عبد الرزاق فذكر رجل عنده معاوية فقال: لا تقذّر مجلسنا بذكر ولد أبي سفيان.

وموقفه من معاوية وأبيه يجعل رواياته التي تتعلق بسيدنا معاوية t غير موثوق بها. ومنها رواية مقتل عمار في صفين؛ فهي تصب في مجرى موقفه السيئ من معاوية.

إن طعن الصنعاني في سادات الصحابة يفرض علينا - أقل ما يفرض – تحاشي أحاديثه التي تسيء إليهم وكل ما ينحى منحى نصرة التشيع. أما الصواب الذي نعلمه فهو الطعن فيمن يطعن في الصحابة ولا كرامة له مهما بلغ. ولا حاجة لدين الله تعالى فيما يروى عن طريقه. وقد رأيت الكثيرين من علماء الحديث والمشتغلين به لهم ولع غريب بالتأول لصالح هذا وذاك. قال الذهبي (سير أعلام النبلاء:9/572): "هذه عظيمة، وما فهم قول أمير المؤمنين عمر، فإنك يا هذا لو سكتّ لكان أولى بك، فإن عمر إنما كان في مقام تبيين العمومة والبنوة، وإلا فعمر رضي الله عنه أعلم بحق المصطفى، وبتوقيره، وتعظيمه من كل متحذلق متنطع. بل الصواب أن نقول عنك: انظروا إلى هذا الأنوك الفاعل عفا الله عنه كيف يقول عن عمر هذا، ولا يقول: قال أمير المؤمنين الفاروق؟ وبكل حال، فنستغفر الله لنا ولعبد الرزاق، فإنه مأمون على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم صادق".إ.هـ.

ويقول الذهبي (تاريخ الإسلام، 5/374): "عبد الرزاق راوية الإسلام، وهو صدوق في نفسه. وحديثه محتج به في الصحاح. ولكن ما هو ممن إذا تفرد بشيء عُد صحيحاً غريباً. بل إذا تفرد بشيء عد منكراً". هذا مع ذكره أقوال العلماء في تشيعه وتجريحه. ومع نقله التجرؤ على الطعن بفاروق الأمة بهذا اللفظ (الأنوك)! نعم معنى الأنوك: الأحمق. لكن أيقال هذا في حق عملاق الإسلام وثاني الصحابة؟ لكنني أستطيع الزعم بأنه عدل من لفظ (الأحمق) إلى (الأنوك) إنما على طريقة الفرس التي تشبه طريقة اليهود في قولهم: (راعنا) بصورة أقرب إلى لفظ (الرعونة)؛ فلفظ (الأنوك) له ظلال من معنى مستوحش يخطر بالبال وهذا يكفي ويشبع خيال من أراد الطعن بأسلوب خفي. فكيف صار مع ذلك (راوية الإسلام)؟ إن هذا الجمع ليس من السهل قبوله!

أما الرواية عنه في (الصحاح) فهو – كما يستفاد من كلام الذهبي نفسه – فيما إذا جاء ما رواه من طريق آخر، أما ما تفرد به من شيء فهو معدود من المنكرات! وعلى هذا الأساس لا يصح أن يفهم من القول بأنه من رواة الصحاح.. أن يفهم على وجه الإطلاق.

أقول: لا يهمنا إن كان عبد الرزاق راوية الإسلام أم راوية الشيعة، ولا إن كان ثقة أم لم يكن. ولا إن كان يمكن تأول ما رواه لصالحه أم لا. إنما يهمنا ما يرويه مما يؤيد التشيع بجميع صنوفه فهذا نرده عليه، كما نرد في وجهه ما تلفظ به من ألفاظ عن الصحابة؛ فهو أولى بها. ونعلم علم اليقين أن الدين محفوظ قبل عبد الرزاق وقبل مصنفه وبعده؛ وما يضير الدين لو لم يخلقه الله تعالى، ولا يضيرنا أننا لم نعرف عنه ولا عما روى من شيء.

رواية الصنعاني في مقتل عمار بن ياسر

من روايات الصنعاني التي تؤيد التشيع ما رواه من قصة مكذوبة في مقتل سيدنا عمار.

ففي (مصنف عبد الرزاق:23/464) قال: أخبرنا عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاووس عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه أخبره قال: لما قتل عمار بن ياسر، دخل عمرو بن حزم على عمرو بن العاص فقال: قتل عمار، وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (تقتله الفئة الباغية)، فقام عمرو يُـرجِّع فزعاً حتى دخل على معاوية، فقال له معاوية: ما شأنك؟ فقال: قتل عمار. فقال له معاوية: قتل عمار فماذا؟ قال عمرو: سمعت رسول الله يقول صلى الله عليه وسلم: (تقتله الفئة الباغية)، فقال له معاوية: دحضت في قولك [في الحاشية: في الزوائد (في بولك)]، أنحن قتلناه؟ إنما قتله علي وأصحابه، جاءوا به حتى ألقوه تحت رماحنا، أو قال: بين سيوفنا.

والقصة لا تصح لأكثر من سبب منها:

- تشيعه وقوله السيئ في بعض الصحابة ومنهم معاوية، والقصة في ذم سيدنا معاوية ومن معه، وذلك في صميم التشيع.

- تصنيفه في الضعفاء من قبل بعض العلماء الأثبات، وقد نقل عن علماء (الجرح والتعديل) من الطعن في صدقه، وأخباره وتكذيبه، كما سبق، ما يكفي لرد رواياته التي تؤيد تشيعه، وتطعن فيمن يكرههم من الصحابة.

لقد وردت هذه الرواية المشتهرة بسندين مضروبين بالتشيع، عدا عللاً أخرى!

رغم ذلك لم يُتوقف عند هذه العلة الخطيرة مع أن علماء الحديث نصصوا على أن المبتدع لا تقبل روايته فيما يؤيد بدعته. لكن الضوء – كما يبدو – سُلط على ما يرويه المبتدع في مجال الفقه وما قاربه، أما ما تعلق من ذلك بالسياسة والمؤامرة على التاريخ والثقافة ولمز بعض الصحابة مثل معاوية وعمرو بن العاص والمغيرة ،أو من جاء من بعدهم مثل خلفاء الأمويين ورجالهم كالحجاج.. فمثل هذا يمر بسلاسة وإن كان راويه شيعياً.

 على أنني أجد تناقضاً بين قبول رواية المبتدع الصادق – كما يصفونه – في غير بدعته، وعدم قبول روايته المؤيدة لبدعته لاحتمال كذبه فيها؛ إذ يصعب أن يكون المرء صادقاً في حال وكاذباً في حال أخرى؛ فالذي يكذب في أمر مرشح لأن يكذب في غيره. هذا وأساليب تأييد البدعة متعددة، ومنها خفية لا يقدرها البعض كالذي ذكرناه سابقاً.

أرأيتم كيف فتحت بعض قواعد الحديث نوافذ التشيع على ثقافتنا، وأبواب تسلل الشيعة إلى مجتمعاتنا! وكيف هو خطير أثر المحدثين المتشيعين، الذين وثقهم البعض والتمسوا لطاماتهم المعاذير، في تقليد تشعر فيه كأن الأشخاص عندهم أهم من الدين، وإن كانوا لا يقصدون. لكن ما جدوى المقاصد إن كان العمل مصحوباً بالمفاسد؟!

22/4/2017

primi sui motori con e-max.it