الفاو

مدينة الفداء وبوابة النصر العظيم

 

 

في مثل هذا اليوم 17/نيسان سنة 1988 حرر العراقيون مدينة الفاو. وفي مثل هذا اليوم عاش الفرس يوماً آخر من أيام هزائمهم على أيدي (أولاد الملحة) أسود الرافدين. وانتصف العرب من العجم مرة أخرى. ونحن نستذكر هذا اليوم المشرق البارز في تأريخنا الحديث تبرز أمامنا جملة حقائق، أود أن أجعلها مادة الحفل الذي أريد إقامته بهذه الذكرى. 

الحقيقة الأولى: معركة الفاو بوابة النصر العظيم

كانت معركة تحرير الفاو أول حلقة في سلسلة الانتصارات المتلاحقة للعراق في الأشهر القليلة التي سبقت نهاية الحرب، التي تكللت بالنصر العظيم على إيران يوم (8/8/2008). تقابلها الهزائم المتتابعة لجيوش البغي الفارسي، التي صارت تتراجع داخل الحدود الإيرانية عشرات الكيلومترات.

فقد تم أولاً - بعد هذه المعركة الفاصلة، ومن خلال معارك شرسة استمرت ثلاثة أسابيع - تحرير كافة المناطق المحيطة بالبصرة. وبذلك تحقق هدف كبير هو إبعاد البصرة عن مرمى قصف المدفعية الإيرانية، الذي استمر طيلة سني الحرب. وبعد أن فرغت القوات العراقية من إنجاز هذا الهدف كان أمامها الهدف الثالث، الذي لا يقل أهمية عن الهدفين الأولين، ألا وهو تحرير جزر مجنون، التي تعتبر من أغنى المناطق التي تحتوي على احتياطات نفطية هائلة، وقد تمكنت القوات العراقية بعد معارك عنيفة من تحريرها من أيدي الإيرانيين، وإلحاق الهزيمة بالجيش الإيراني.

أين هي اليوم جزر مجنون؟ وبأيدي من؟!

 ثم انتقلت القوات العراقية - بعد تحرير جزر مجنون - إلى ملاحقة القوات الإيرانية، التي كانت قد احتلت فيما مضى مناطق على طول الحدود الممتدة بين البصرة في الجنوب ومندلي في القاطع الأوسط، واستمرت في توجيه الضربات الماحقة للقوات الإيرانية التي أخذت معنوياتها تتراجع يوماً بعد يوم، حتى تمكنت من طردها من تلك المناطق، ودفعها إلى داخل الحدود الإيرانية.

لم تكتفِ القوات العراقية بإزاحة القوات الإيرانية من الأراضي العراقية، وإنما طورت هجماتها، وأخذت تلاحق القوات الإيرانية إلى داخل حدودها، واستمر تقدم القوات العراقية في العمق الإيراني إلى مسافة (60) كم؛ ما جعل القوات الإيرانية في موقف صعب للغاية. وتنفس العراق الصعداء، واستمر في ضغطه على القوات الإيرانية لإجبارها على القبول بوقف الحرب التي عجزت كل الوساطات عن إقناع حكام إيران بوقفها.

أخذ العراقيون - بعد أن تسنى لهم دفع القوات الإيرانية إلى عمق أراضيهم - يضغطون على حكام إيران من أجل القبول بوقف الحرب، وذلك عن طريق تكثيف حرب الصواريخ لإحداث حالة من الانهيار النفسي لدى الإيرانيين. وفي ظل تلك الظروف صدر قرار مجلس الأمن رقم (579)، داعياً إلى وقف القتال بين الطرفين، وانسحاب القوات العسكرية إلى داخل حدودها الوطنية. ولما وجد حكام إيران أنهم قد أصبحوا عاجزين عن مواصلة الحرب، اضطر الخميني إلى إصدار أوامره بوقفها في (18 تموز 1988)، والقبول بقرار مجلس الأمن على مضض، وأعلن أنه يشعر، وهو يصدر أمره بوقف الحرب، بأنه يتجرع كأس السم! ليستمر جند العراق بمطاردة فلول قواته المهزومة في القواطع المختلفة، ليعلن العراق النصر النهائي في (8/8/1988).

وهكذا انتهت الحرب بين العراق وإيران. وكانت بداية النهاية لها هي معركة تحرير الفاو. التي دفع العراق ثمناً لها أكثر من (50000) خمسين ألف جندي من شبابه. ولذلك أطلق عليها الرئيس صدام حسين اسم (مدينة الفداء وبوابة النصر العظيم).

الحقيقة الثانية: معركة الفاو معركة العرب

نعم كان تحرير الفاو بسواعد أبناء العراق. ولكن العرب كانوا يسندون ظهورهم من خلال الدعم بالمال والسلاح والكلمة والموقف، وأنواع الدعم الأخرى. خصوصاً دول الخليج العربي، وكذلك الأردن الشقيق. وقد عبر الملك فهد بن عبد العزيز ملك المملكة العربية السعودية في زيارته للعراق بعيد انتهاء الحرب، والحفاوة الكبيرة التي استقبله بها الرئيس صدام حسين رئيس جمهورية العراق، والهدايا المتبادلة بينهما، ومنها سيف أهداه الرئيس صدام للملك فهد، عن هذه الحقيقة بوضوح. لقد كان الشعب العربي – لا سيما دول الجوار – يشعرون بعمق أن العراق يمثل الحزام الأمني لهم تجاه الخطر الشرقي؛ فلا بد من دعمه وإسناده، لدفع هذا الخطر الكبير. وقد وضحت الصورة اليوم بعد احتلال العراق، وتبين للجميع أهمية دور العراق والعراقيين في تحقيق الأمن الشرقي للأمة العربية. وأنهم حقيقة وفعلاً (حراس البوابة الشرقية).

الحقيقة الثالثة: الحرب خدعة

لقد جسدت معركة تحرير الفاو هذه الحقيقة (الحرب خدعة) أعظم تجسيد! وتبين أن العقل العراقي كان مستوعباً تماماً لهذه القاعدة العسكرية الكبرى، وقادراً على تنفيذها وأدائها على أكمل وجه. علماً أن الفرس هم أساتذة الخداع بين بني البشر! حتى قال الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه يوصي الجيوش المتوجهة لقتالهم: "احذروا الفرس؛ فإنهم غدرة مكرة".

كانت إيران في تلك الأيام تكثف من حشودها في شمال العراق، وتهاجم حلبجة ومناطق أخرى في الشمال في محاولات متكررة للتوغل باتجاه كركوك والسيطرة على آبار النفط والمنشآت النفطية فيه. فلم يكن الإيرانيون يتصورون أن معركة بهذا الحجم ستحدث في القاطع الجنوبي فالعراق الذي كان مشغولاً بالقتال الشرس في القاطع الشمالي لا يمكن أن يفكر في هذا الظرف بالهجوم جنوباً لتحرير الفاو. اعتمدت القيادة العراقية على هذه المفارقة. وعززت من رسوخها بأن كلفت الفرقة العاشرة بالمناورة المكشوفة في قاطع حلبجة؛ كي يتصور العدو أن العراقيين يقومون بتعزيز قطعاتهم في هذا القاطع. كما قام وزير الدفاع بزيارة تفقدية للقطعات العسكرية التي تقاتل في الشمال، بُثت تفاصيلها مصورة في تلفزيون بغداد.

أما القوات التي كانت أعدت لتحرير الفاو، فقد دفعت إلى المنطقة بصيغة الدفع التدريجي، على شكل مجموعات صغيرة؛ لكي لا تلفت أنظار العدو او انتباهه، وتتخذ لها مواضع في المواقع المعينة. وحدد الأول من رمضان يوم بداية الهجوم، وكانت كلمة السر هي "رمضان مبارك". وهي كلمة اعتيادية يتبادلها الناس في الأول من رمضان. وبلع الإيرانيون الطعم، لتبدأ المعركة على هذه الصورة المفاجئة، التي صعقت العدو، وجعلته يولي مذعوراً، ولم يصمد سوى ساعات معدودات، رغم أن الجغرافيا كانت إلى جانبه بحيث أن إزاحته من مواضعه المحصنة بهذه السرعة كانت تعد ضرباً من التخيلات والأحلام!

الحقيقة الرابعة: الجولة الأخيرة لنا على الفرس بإذن الله

وهكذا تحررت الفاو..!

وهكذا غنى العراقيون يومها: (حظك يالعاثر دهرابة .. واشجابك لابن ام عصابة).

لم تكن هذه الأنشودة فقاعة حماسية أطلقت يومها لتعبر عن حالة عاطفية عابرة. بل هي حقيقة متكررة. ولا يغرنكم ما يمر به العراق الجريح اليوم من تدهور وأذى تحالفت قوى عديدة لإلحاقه به مجتمعة، فالحقيقة الخالدة أن الأمور بخواتيمها، والجولة الأخيرة لنا على الفرس بإذن الله. فالفاو بقيت بأيديهم حوالي سنتين، وقد حصنوا مواضعهم فيها بأقوى التحصينات وأمنعها. في حديثي عنها في المقال السابق صورة عن الوضع الجغرافي الصعب أمام تقدم القوات العراقية باتجاه الهدف. لكن النهاية – كما هي في كل مرة – كانت لنا، لا لأهل الحظ العاثر، والطبع الغادر...

 وستكون لنا غداً بعون الله.

وإن غداً لناظره لقريب.

primi sui motori con e-max.it