الحجاج .... والمنجنيق

 

 

يقينا ان تاريخ الدولة الاموية كُتب بدءاً من عصر الدولة العباسية. وندرَ ان تليَ دولةٌ دولةً وأنصفتها في تاريخها، ولعل حسد الاقران من دواعي سياسة التسقيط والتشويه فردية وجماعية ومؤسسية.

واستئجار الأقلام ليس غريبا، وهذا ما تحملته الدولة الاموية مما ليس من حملها دولة وشخوصا، ومن أكثر الشخصيات التي نيل منها الحجاج رحمه الله فخطت ونفثت أقلام لم تنفد مدادها سما فيه وفي سيرته. ومن جاء بعد من الكاتبين قلد السابقين من غير موضوعية في النقل وفي تحكيم سلامة التحليل، وأعملوا الميول النفسية وأقحموها في البحث العلمي فمالوا وحافوا وما كان لهم الا ان نقلوا مما وجدوه وجاء به سابقوهم، لا بل اقتبسوا مما كتب من قبلهم بتسليم كأنه نص قطعي في ثبوته.

وشجع على انتشار هذه النقول الاعتماد على الموالي والمترجمين غير المتابَعين فيما يترجمونه وخصوصا من الفارسية الى العربية، وأغلب ظني انهم كانوا يحشون في الكتب من القصص الشعوبية وينسبونها الى أسماء إسلامية عربية وهو أخبث نوع في النحل.

عامل آخر شجع هذه الروايات التي كانت مادة كتب التاريخ، هو انتشار الحركات المخترقة للمسلمين حكاما ومجتمعا كالبرامكة والعلويين والمهالبة. وان ننسَ فلا ننسَ لسان الشعراء والقصاص الذين أثخنوا في تاريخ الامويين كذبا وتهم.

اننا في (التيار السني) شرعنا بدراسة تجديدية موضوعية رصينة تأخذ مفاصل قد خشنت وآذت ونأت بالأمة الى فهم امتد سقمه. وما زال في السنة من يضع العناوين العلمية امام اسمه وهو يوغل في الإساءة لا الى تلك الشخوص فحسب بل الى تاريخ امتنا المسلمة والى العرب. اسفا انهم كانوا صيدا سهلا للشعوبية.

الكعبة وأسطورة المنجنيق

معظم من أخذ روايات ضرب الكعبة بالمنجنيق في خلافة ابن الزبير اعتمدوا على البلاذري في أنساب الاشراف.

لَلأسف لم ينظر الناقلون ولم يعملوا البحث الرصين، فالبلاذري وان كان شاعرا وعالما بالأنساب لكن لابد من النظر الى ما يحتف بالبلاذري مما يدعو الى التشكيك العلمي بمنقولاته، ومنها:

أولا: البلاذري - كما اثبت ياقوت الحموي في معجم البلدان وابن حجر في لسان الميزان - كان يوسوس ويذهل، وانه كان يُشد بالمارستان (مصحة الامراض).

ثانيا: كان يترجم من الفارسية. وهذا خرق فاضح في التاريخ!

ثالثا: كان من ندماء المتوكل وأمراء بني العباس.

وكل من تكلم في الحادثة انما كان مصدره البلاذري. وهذا ما سبب انتشار النار في الهشيم، مهما كان من كتب من.

ولعل هذه آلية لمعرفة أس المشكلة في كثير من القصص والمرويات وعدم الايغال والتيه بين الكتب.

شيخ الإسلام ابن تيمية يفند الأسطورة

لا بأس أن أخصم اللغوَ الدائر حول القصة بما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية في (منهاج السنة النوية:4/577)؛ إذ قال:

ملوك المسلمين، من بني أمية وبني العباس ونوابهم، فلا ريب أن أحدا منهم لم يقصد إهانة الكعبة: لا نائب يزيد، ولا نائب عبد الملك الحجاج بن يوسف، ولا غيرهما. بل كل المسلمين كانوا معظمين للكعبة، وإنما كان مقصودهم حصار ابن الزبير. والضرب بالمنجنيق كان له لا للكعبة، ويزيد لم يهدم الكعبة، ولم يقصد إحراقها: لا هو ولا نوابه باتفاق المسلمين. ولكن ابن الزبير هدمها تعظيما لها، لقصد إعادتها وبنائها على الوجه الذي وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها، وكانت النار قد أصابت بعض ستائرها فتفجر بعض الحجارة، ثم إن عبد الملك أمر الحجاج بإعادتها إلى البناء الذي كانت عليه زمن الرسول. إ.هـ.

وقال في مكان آخر (4/583): من قال: إن أحداً من خلق الله قصد رمي الكعبة بمنجنيق أو عَذَرة فقد كذب، فإن هذا لم يكن لا في الجاهلية ولا في الإسلام. والذين كانوا كفارا لا يحترمون الكعبة، كأصحاب الفيل والقرامطة، لم يفعلوا هذا، فكيف بالمسلمين الذين كانوا يعظمون الكعبة؟!.

وأيضا فلو قدر - والعياذ بالله - أن أحدا يقصد إهانة الكعبة، وهو قادر على ذلك، لم يحتج إلى رميها بالمنجنيق، بل يمكن تخريبها بدون ذلك، كما تخرب في آخر الزمان إذا أراد الله أن يقيم القيامة فيخرب بيته، ويرفع كلامه من الأرض، فلا يبقى في المصاحف والقلوب قرآن، ويبعث ريحا طيبة فتقبض روح كل مؤمن ومؤمنة، ولا يبقى في الأرض خير بعد ذلك.

وتخريبها بأن يسلط عليها ذو السويقتين، كما في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة».

والمنجنيق إنما يرمى به ما لا يقدر عليه بدونه، كما «رمى النبي صلى الله عليه وسلم أهل الطائف بالمنجنيق»، لما دخلوا حصنهم وامتنعوا فيه. والذين حاصروا ابن الزبير لما استجار هو وأصحابه بالمسجد الحرام رموهم بالمنجنيق، حيث لم يقدروا عليهم بدونه. ولما قتل ابن الزبير دخلوا بعد هذا إلى المسجد الحرام فطافوا بالكعبة، وحج الحجاج بن يوسف ذلك العام بالناس، وأمره عبد الملك بن مروان أن لا يخالف ابن عمر في أمر الحج.

فلو كان قصدهم بالكعبة شرا لفعلوا ذلك بعد أن تمكنوا منها، كما أنهم لما تمكنوا من ابن الزبير قتلوه. إ. هـ.

 

 

الشيخ إدريس الرفاعي/ التيار السني في العراق

                                                                                                                                 

primi sui motori con e-max.it