من وراء إعدام نسخ البخاري

الخالية من رواية ( عمار تقتله الفئة الباغية ) ؟

حين بحثت في أمر رواية (عمار تقتله الفئة الباغية) - التي شاعت حتى صارت من المسَلّمات – لم يكن في بالي أنها تنام على ركام من العجائب، تُجبرك على أن تتساءل متعجباً: من وراء صناعة هذه الرواية؟!

وتمد يدك من بين الركام لا على التعيين فتَخرُج لك رواية مكملة وساندة لها، تتلخص في أن عمرو بن العاص وقد جاءه ابنه عبد الله، وفي رواية ثانية عمرو بن حزم، شعروا بالحرج عند قتل عمار في (صفين)؛ إذ تبين لهم أنهم بغاة وأن الحق ليس معهم، فقصدوا معاوية وجرى بينهم سجال في بعضه كلام فيه بذاءة ينسب إلى سيدنا معاوية.

جاءت هذه الرواية (المكملة الساندة) من طريقين: أحدهما عبد الرزاق الصنعاني. وقد تناولنا هذا الطريق في المقال السابق، وبينا ضعفه والمطبات القاتلة فيه. والثاني سليمان بن مهران الأعمش. وقد جاء دور بيان ضعفه ومطباته القاتلة.

رواية الأعمش في مقتل عمار بن ياسر

روى الأعمش عن عبد الرحمن بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث، سمع عبد الله بن عمرو بن العاص يقول لأبيه يوم صفين: يا أبه، أما سمعت رسول الله e يقول، وهم يبنون المسجد، والناس ينقلون لبنة لبنة، وعمار ينقل لبنتين لبنتين، وهو يوعك، فقال له رسول الله e: (إنك لحريص على الأجر، وإنك لمن أهل الجنة، وانك لتقتلك الفئة الباغية).

قال ابن حجر (فتح الباري، 3/308): خرجه يعقوب بن شيبة في (مسنده) بتمامه. وخرجه الإمام أحمد، والنسائي في (الخصائص) مختصراً، والحاكم. وفي إسناده اختلاف عن الأعمش.

والرواية ذُكرت في عدة مصادر منها (طبقات بن سعد) و(التاريخ الكبير) للبخاري معَلَّقاً.. كلها عن الأعمش. وصحح القصة الشيخ أحمد محمد شاكر في تحقيقه لمسند الإمام أحمد (حاشية المسند: 6/398).

ضعف رواية الأعمش

والقصة برواية الأعمش – كما هي برواية الصنعاني - لا تصح أيضاً لأربع علل: 

1- الأعمش مدلس شديد التدليس، وقد عنعن، أي قال: "عن فلان" ولم يصرح بالتحديث عمن روى عنه وهو عبد الرحمن بن أبي زياد.

2 - ورواية الأعمش عن عبد الرحمن بن أبي زياد في الأساس مرسلة.

3- وعبد الرحمن بن أبي زياد مولى لبعض بني هاشم، ضعفه البخاري وقال: فيه نظر([1]).

4- والأعمش شيعي أو فيه تشيع، وقد اختلف في درجة تشيعه حتى وصفه بعض العلماء بأنه سبئي، وحتى عده الشيعة من رجالهم. والرواية في خدمة التشيع.

وقفة عند سليمان بن مهران الأعمش وتشيعه

سليمان بن مهران الأعمش مولى فارسي صليبة أبوه من سبي الديلم (تهذيب الكمال:12/87)، مدلس يمارس أشد أنواع التدليس سوءاً وهو تدليس التسوية (حذف ضعيف أو أكثر بين ثقتين ثم وصل السند). والتدليس - بهذا الشكل - نوع من أنواع الاحتيال للتوصل إلى الكذب بطريقة تبدو ملمعة. ولا يبعد أن يكون هذه الدرجة من التدليس من آثار فارسيته. فالكذب سجية في الفارسي. لكن ربما لصدق تدينه نبت عنده الكذب على لون آخر، ليس هو الكذب الصريح.

قال صلاح الدين العلائي (جامع التحصيل في أحكام المراسيل، 1/100): قال أبو معاوية: كنت أحدث الأعمش عن الحسن بن عمارة عن الحكم عن مجاهد، فيجيء أصحاب الحديث بالعشي فيقولون: حدثنا الأعمش عن مجاهد بتلك الأحاديث. فأقول: أنا حدثته عن الحسن بن عمارة عن الحكم عن مجاهد والأعمش قد سمع من مجاهد ثم يراه يدلس عن ثلاثة عنه واحدهم متروك وهو الحسن بن عمارة!

وقال د. بشار (حاشية تهذيب الكمال:12/92): قال الذهبي في "الميزان": أحد الأئمة الثقات ما نقموا عليه إلا التدليس. وقال أيضاً: وهو يدلس، وربما دلس عن ضعيف ولا يدري به، فمتى قال: "حَدثَنا" فلا كلام، ومتى قال:"عن"، تطرق إليه احتمال التدليس إلا في شيوخ له أكثر عنهم كإبراهيم وابن أَبي وائل وأبي صالح السمان، فإن روايته عن هذا الصنف محمولة على الاتصال (2/الترجمة 3517). وَقَال ابن حجر: ثقة حافظ عارف بالقراءة ورع، لكنه يدلس. قال أبو محمد البندار: ويبحث في أمر تشيعه فقد وثقه الشيعة ورووا عنه.

أما تشيع الأعمش فقد قال د. بشار معروف (حاشية تهذيب الكمال:12/90-91) فيه: قَال يزيد بن زريع: حدثنا شعبة، عن سليمان الأعمش: وكان والله خربياً سبئياً. والله لولا أن شعبة حدث عنه ما رويت عنه حديثًا أبداً (العلل لأحمد: 1/366). قلت (القول لبشار): يريد لما هو عليه من التشيع، وهو فيه؛ لما نعرفه من توثيق كتب الشيعة له وعَدِّهم إياه من خواص أصحاب جعفر بن محمد المعروف بالصادق (انظر تفاصيل ذلك في معجم رجال الحديث للخوئي: 8/ الترجمة 5509).

ألا يستوقف الباحث للنظر قليلاً مجيء هذه الرواية المسيئة لسادات الصحابة عن رجلين كلاهما مولى، وكلاهما شيعي؟ ولمَ تأتي مثل هذه الروايات عادة عن موالي فرس؟ (الأعمش وابن زياد، وفي الطريق الآخر: الصنعاني وطاوس ومعمر.. كلهم موالي فرس. وهذا طبقاً لبحث مستعجل، ولو تأنيت أكثر لربما وجدت رواة آخرين في السندين من الموالي).

وعلى ماذا يدل عدم تركيز معظم العلماء السابقين على سبب اهتمام الموالي والشيعة ببث هذه الروايات في أوساط الأمة، واتخاذ هذا التصرف إشارة تستدعي إعادة النظر في تقويم أولئك الرواة؟ ولماذا يتركز جل اهتمام العلماء على الجوانب الفقهية والدينية البحتة بعيداً عن موضوع المؤامرة والدلالة السياسية للنصوص المروية؟

رواية مقحمة على ( صحيح البخاري )

قلت: حين بحثت في أمر رواية (عمار تقتله الفئة الباغية) - التي شاعت حتى صارت من المسَلّمات – لم يكن في بالي أنها تنام على ركام من العجائب، تُجبرك على أن تتساءل متعجباً: من وراء صناعة هذه الرواية؟!

أول هذه الأعاجيب أن هذه الزيادة "عمار تقتله الفئة الباغية" قال كثير من العلماء: إنها أقحمت على (صحيح البخاري) بعد إذ لم تكن فيه، منهم أبو مسعود الدمشقي (ت 401 هـ)، أبو بكر البيهقي (ت 458هـ)، ومحمد بن فتوح الحميدي (ت 488هـ) وعبد الحق الإشبيلي (ت 581هـ) وابن الأثير الجزري (ت 606هـ) وجمال الدين المزي (ت 742هـ) وشمس الدين الذهبي (ت 748هـ) وابن كثير (ت 774هـ)! وأشار إلى ذلك علماء آخرون مثل شيخ الإسلام ابن تيمية (ت 728هـ). فقد قال عن (صحيح البخاري) (منهاج السنة:4/415) كلمة تستحق التوقف إذ قال: لكن في كثير من النسخ لا يذكر الحديث بتمامه، بل فيها: (ويح عمار يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار).إ.هـ. وهذا عن الكفار الذين قتلوا أبويه رضي الله عنهم. علماً أن شيخ الإسلام يصححها. لكنه يثبت هذه المعلومة الخطيرة: كثير من نسخ البخاري في زمانه ليست فيها هذه الزيادة!

إن هذا يقودنا إلى سؤال يبحث عن جواب: أين اليوم تلك النسخ الكثيرة من (الصحيح) التي ذكرها شيخ الإسلام، الخالية من زيادة (عمار تقتلك الفئة الباغية)؟ كيف اختفت؟ من ظل يلاحقها حتى أعدمها؟ ومن صاحب المصلحة في إعدامها؟ ولماذا يُسكت عن هذه المعلومة الصادمة رغم أن السكوت عنها لا يستفيد منه إلا الشيعة؟

إن كثيراً من المعطيات العلمية والتاريخية والحوادث الراهنة تترك للمتبصر بصمات تكشف آثارها عن عمل مؤسسي متنوع جبار يجري من وراء ستار، يكمن خلف هذا الاضطراب والتناقض والشذوذ الذي يكاد ينطق بمن وراءه، لكن ثمت مسَلّمات رسخت مسبقاً في الخلفية اللاواعية لثقافتنا سهلت على القارئ ابتلاعها، حتى وإن شعر بغصة خفيفة سرعان ما يتناساها بتأثير من تلك الخلفية الخفية المغذية للثقافة التي سادت منذ قرون.

3/5/2017

[1]- الضعفاء الكبير، 2/332، العقيلي.

primi sui motori con e-max.it