الفرق بين الإقليم وتوسيع صلاحيات المحافظة

 

مقال كتبته قبل أربع سنين

في قراءة (ارتغابية) للواقع كان رافضة الفدرالية من سُنة (آخر زمن) يصرون على أن الشعب، أو الجمهور، (العراقي) [لا يقولون "السني" لأنهم وطنيون حد النخاع] ضد فكرة الأقاليم، وأنه أسقط خيار الفدرالية إلى الأبد، وأنهم مع الشعب في خياره هذا، وكل خيار يذهب إليه، في (حالة ديمقراطية) يحسد العراق عليها فيما لو تولى شؤونه هؤلاء. ثم لما قام السنة بانتفاضتهم [مرة أخرى أذكر بأنهم يستعيبون كلمة "السنة" فأطمئنهم بأنني وحدي دونهم أتحمل مسؤولية هذا الوصف (المعيب)!] أعلنوا مناصرتهم معلنين أنها ثورة الشعب العراقي، وأن الثائرين يمثلون (أطياف) هذا الشعب باتجاهاته الجغرافية الأربعة.

ولكن (الفرحة) لم تدم بهم طويلاً؛ ففي الجمعة الماضية جاءت الرياح بما لا يشتهون عندما أعلنت ساحات الاعتصام بما يشبه التصريح أنها مع خيار الإقليم، فثارت ثائرة هؤلاء (الرافضة)، في مشهد فقد التوازن تماماً يعولون وينوحون، معيدين إلى ذهني مشاهد افتقدتها – مع الأسف - منذ أكثر من ربع قرن يوم كنت طبيباً أذهب في بعض الأيام موفداً من مستشفى (اليرموك) في حي اليرموك السني الجميل إلى مستشفى (الچوادر) في حي الثورة الشيعي القذر، الذي تحول بعد الاحتلال – بقدرة قادر – إلى (مدينة الصدر) [لا والمنورة أيضاً!] فأرى مجاميع متكأكئة حول سدية يرقد فوقها ميت لهم يلطمون جميعاً برجالهم ونسائهم نائحين صائحين! وكنت أعجب كيف لرجل ينوح ويلطم! أليس هذا من اختصاص المرأة. ثم قلت لنفسي فيما بعد: لقد انتهك الرجل في هذه النُّجع (أشياء) أخرى خاصة جداً بالمرأة؛ فعلام العجب؟!  

وابتسمت هذه المرة وأنا أتخيل (العراق العظيم) (من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه) [لا تنسوا فتح الشين والجيم فعراقنا مفتوح شمالاً وجنوباً] منطرحاً على سدية الموت والرافضة الجدد، الوطنيون حد النخاع، متجمعون حوله معولين لاطمين، وكأنهم لم يعلموا بموته إلا الساعة.

تجاوز الأسى كل الحدود في بكائية (العراق العظيم)، الذي يبدو أنه ليس من شروط (عظمته) أن تحفظ ديناً ولا عرضاً ولا كرامة، ولا أن توفر على بذخانها أمناً ولا خبزاً. فكانت التهم والأكاذيب والتناقضات التي تلبس لبوس الدين حيناً والوطنية حيناً، وربما تجملت بالعلم حيناً آخر، تكال وبالمجان في مباراة تنافس فيها إسلاميون وعلمانيون في حلبة ما اطلع عليها عاقل إلا وولى منها فراراً وامتلأ منها رعباً!

واشتغلت ماكنة التجمعات التي يسمونها تشبعاً بالمؤتمرات، وتحركت مفاصل فضائيات، مثل (الأنبار) كانت مغلقة بابها في وجه الريح، نائية بنفسها عن (الشر) تغني له من بعيد. وظهر أشخاص لم أرهم من قبل على الشاشة. شدني واحد منهم بكلامه النميق ومنظره الأنيق، وكونه دكتوراً في القانون. قلت: لأرى المتخصصين بالقانون من رافضة الفدرالية. كان يتجمل بالموضوعية داعياً إلى العلم بالشيء أولاً ليكون الرفض أو القبول عن بينة، ويتمنى للثقافة القانونية التي يفتقدها النخبة والجمهور أن تنتشر حتى لا ينخدعوا بما يقال لهم. لكنه لم يتحمل الموضوعية طويلاً فتجاوزها لينعت دعاة الفدرالية بالجهل! واستشهد على ذلك بأنهم يصرون على الفدرالية رغم أن هناك بديلاً دستورياً هو (المحافظة غير المنتظمة بإقليم)، وقال: إنه لا فرق في صلاحيات النظامين لكن سياسيي المحافظات المنتفضة يجهلون القانون فلا يقومون بتحريك المواد القانونية الخاصة بذلك البديل.

قلت: سبحان الله! هل هذا سوء فهم، أم سوء قصد؟ حامل دكتوراه في القانون ويجهل الفرق بين الأمرين؟ قال لي أحد زملائه من حملة شهادة الدكتوراه في القانون: هذا مختص بالقانون التجاري. قلت: وإن. فليس الدستور طِلّسماً ليحتاج إلى مختص بفروع فروع القانون شرطاً لفهمه.

يا دكتور! هناك فرق كما بين السماء والأرض بين صلاحيات (المحافظة المنتظمة بإقليم) وصلاحيات (المحافظة غير المنتظمة بإقليم): فتلك صلاحياتها مفصلة بالدستور، محمية به؛ ما يعني أن سحبها أو إلغاءها لا يمكن أن يتم إلا بإلغاء الدستور، وهذا غير ممكن. بينما صلاحيات الثانية غير منصوص عليها دستورياً، إنما أحيلت إلى التشريع بقانون لاحق. وهذا يعني أن سحبها وإلغاءها لا يتمتع بحماية دستورية، فيكون ذلك أسهل على رئيس الوزراء من رفع يده وإنزالها على صدره في (بكائية الحسين)! فهل أنت تجهل هذا أم تتجاهله؟ و..... لمصلحة من؟  

قال لي: أحد أقربائه: هذا شيوعي و.....! قلت: لو اقتصر هذا التلبيس على المنخلعين من ربقة الدين لهان الأمر وتمكنا من عزلهم عن صفنا، وقلنا لهم: هنيئاً لكم وطن بلا دين. لكن هذا التخليط والتخبيط يتبناه مسلمون في هيئات تتستر بلافتات إسلامية تغطي بها ذلك الجسد المسجى بلا حراك. وطن ابتلع الدين والعرض والكرامة، وسرق من أهله الأمن والخبز، واحتل أرضهم وديارهم، وسلمها لأعدائهم في وضح النهار!

  

 

ولو أني ابتُليتُ بِعَبشَمِيٍّ
لهانَ عليَّ ما ألقى ولكنْ
  

 

خؤولتُهُ بنو عبدِ المَدانِ
تعالَوا وانظروا بمنِ ابتلاني


9/5/2013

ملحق دستوري للاطلاع

راجع المادة (114) و (115) من الدستور العراقي الحالي، و(الباب الخامس) في مادتيه (120، 121) بتفاصيلهما، لمعرفة صلاحيات الأقاليم المنصوص عليها. ثم المادة   (126) رابعاً ونصها: (لا يجوز اجراء اي تعديل على مواد الدستور من شأنه أن ينتقص من صلاحيات الاقاليم التي لا تكون داخلة ضمن الاختصاصات الحصرية للسلطات الاتحادية الا بموافقة السلطة التشريعية في الاقليم المعني وموافقة اغلبية سكانه باستفتاء عام). وقارن ذلك بالمادة (122) المتعلقة بـ(المحافظات التي لم تنتظم في إقليم)، والتي نص فقرتها ثانياً: (تمنح المحافظات التي لم تنتظم في اقليم الصلاحيات الادارية والمالية الواسعة، بما يمكنها من إدارة شؤونها على وفق مبدأ اللامركزية الادارية، وينظم ذلك بقانون)([1]). وذلك لثلاثة أسباب:

  1. لتتعرف بنفسك على الفرق بين صلاحيات الإقليم المنصوص عليها في الدستور أولاً، والمحمية به ثانياً، والتي لا يمكن لمجلس الوزراء ولا لمجلس النواب تعديلها إلا بتغيير الدستور نفسه بإجراءاته الصعبة المعروفة، والمنصوص عليها في المادة (126). وبين صلاحيات المحافظات الموكولة إلى قانون يشرع، يمكن تعديله بسهولة دونما حاجة لتغيير الدستور.
  2. لتدرك العلة التي من أجلها يلوح نوري المالكي كلما ضغط عليه بتوسيع صلاحيات المحافظات هرباً من الفدرالية أو الإقليم؛ لأنه يعلم أن (مطاطة) هذه الصلاحيات بيده يوسعها متى شاء ويضيقها متى أراد حسب مقتضيات اللعبة. فهل يجهل هذا مختص بالقانون، ثم لا يكتفي حتى يتهم معارضيه بالجهل!
  3. التفريق بين (اللامركزية الإدارية) التي تعني (المحافظات غير المنتظمة بإقليم)، وبين (اللامركزية السياسية) التي تعني الفدرالية أو الإقليم؛ حذراً من الأولى، وتمسكاً بالثانية، على رغم أنوف العملاء، ونهيق الجهلاء.

  

[1]- موقع مجلس النواب العراقي، دستور جمهورية العراق. 

primi sui motori con e-max.it