ليس من شرط التجديد الإتيان بجديد

 

 

كان أحد مشايخ الدين في مدينة الحلة يتكلم بحماس وهو يعرض على لجنة التوعية الدينية في دائرة الأوقاف أن تقوم بتوجيه دعوة رسمية إلى أحد الأساتذة المعروفين في بغداد ليتحدث في مسجده عن (العولمة). كان ذلك في نهايات عقد التسعينيات!

ما الذي يعالج موضوع (العولمة) من مشاكل أهل السنة في الحلة؟ وما مدى حاجتهم إليه؟ علماً أن الإتيان بمثل ذلك الأستاذ من بغداد إلى الحلة مُكْلف جهداً ووقتاً ومالاً. لا سيما مع إهمال أو تضييع هذا الشيخ ونظرائه في ذلك المكان الموضوعات الأساسية التي ينبغي أن يهتموا بها! لقد كان يكفي المصلين في مسجد ذلك الشيخ أن يتحدث هو لهم عن ذلك في بعض خطبه أو يعقد له محاضرة، أو يشرح لهم الموضوع في جلسة عامة أو خاصة. ويوفر ذلك الجهد للموضوعات التي تمس الواقع.

انظر إلى قوله تعالى: (يَسْأَلونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (البقرة:189). لقد نزل رداً على بعض الصحابة حين سألوا النبي u عن القمر كيف يبدو هلالاً ثم يكبر حتى يصير بدراً ثم يصغر حتى يعود هلالاً ؟ فبين لهم الله تعالى أن الأولى بهم أن يهتموا بتصحيح أوضاعهم ويلتفتوا إلى تقاليدهم المتخلفة التي ما زالوا عليها مثل التشاؤم حين الرجوع من السفر من دخول البيت من بابه، فيتسور أحدهم الجدار بدلاً من ذلك! أما تلك المسائل العلمية الكبيرة فهو غير مهيأ لإدراكها بسبب فقدانه لمقدماتها العلمية؛ فيكون البحث فيها نوعاً من الترف أو العبث العقلي الذي لا طائل من ورائه. ولو أجابهم القرآن العظيم إلى ما طلبوا لما استطاعوا فهم جوابه ولانشغلوا عن الواقع بجدل عقيم يضر أكثر مما ينفع. وهذا شبيه بدخول البيوت من غير أبوابها. هذا رغم كون الموضوع جديداً! وهكذا هو حال ذلك الشيخ في مثالنا آنف الذكر. إذن قد يكون الجديد مدعاة للجمود والتقهقر بدلاً من التجديد والتقدم.

لم يأت الشيخ محمد عبد الوهاب بجديد زاد فيه على بعض مفردات خطاب شيخ الإسلام ابن تيمية. لكنه كان مجدداً؛ حين بعث في الواقع الجديد ما يناسبه ويحتاجه من الخطاب القديم. وذلك داخل في قوله تعالى: (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الأَلْبَابِ) (الزمر:18).

وهذه من كبريات المشاكل الفكرية في عالمنا الديني؛ لأن أصحاب المؤسسة الدينية الذين يتولون قيادة الجمهور دينياً - وسياسياً في بعض الظروف والأحيان - غالبهم متخلفون علمياً وفكرياً. وأمثلهم طريقة من يجعل شغله الشاغل كسب عواطف الجمهور وشد انتباههم. وهذا يدعوه إلى محاولة الإتيان في كل مرة بجديد أو غريب بصرف النظر عن مساسه بحياتهم وواقعهم.

  • • المشكلة أن جمهور الناس مغرم بكل طريف وغريب وعاطفي حتى لو كان خيالياً أو خرافياً! فتراه يلهث وراء من يلبي هذه النزعة المريضة فيه. وهذا يجعل من الخطيب أو المحاضر بهلواناً لا هم له إلا شد انتباه الجمهور وإن كان ذلك على حساب حاجته، بل عقله وفكره! هذا حال الخيرة من الخطباء! فكيف بالبقية ممن لا همّ لهم إلا التمسك بالمنبر أو بالبيت التابع للمسجد مهما كان الثمن؟! هذا مع احتفاظنا باستثناء القليل النادر منهم.

وهكذا صار المنبر من أكبر أسباب الجمود الديني بدلاً من أن يكون السبب الأول في التجديد! رغم أن بعضه يطرح مسائل جديدة، لكنها لا تحرك الواقع المتجمد بسبب عدم أو ضعف مساسها به.

primi sui motori con e-max.it