12- موقفنا من العروبة

موقفنا

 

من العروبة

 

 

في بداية التعريف بالمشروع قلنا إن العروبة أحد عناصر المشروع؛ وعللنا ذلك بما يلي:

 

  • • لأن الله تعالى اختار العرب لحمل رسالته إلى الأمم
  • • ولأن حب العرب إيمان، وكرههم نفاق
  • • ولأن عدونا الأول يعادينا كعرب وليس كمسلمين فقط
  • • ولأن العراق مهدد في هويته وانتمائه العربي
  • • ولأن عروبتنا ليست عرقية عنصرية، بل تقوم على أساس أن الناس سواسية في أصل الخلقة، وفي نقطة الشروع. وعلى أساس أن من أحب العرب فهو منهم روحاً ووشيجة، فهو بهذا المعنى عربي. بل المجال أمامه مفتوح لأن يكون خيراً من عربي هو دونه في مقياس التقوى والعمل

الإسلام هو الإطار الحاكم

ولزيادة الأمر توضيحاً، وبعداً عن الإشكالات أقول: الإسلام هو الإطار الذي يحتوي ويحكم كل المبادئ التي نؤمن بها؛ وبهذا نفترق عن (القوميين) الذين جعلوا العروبة هي الإطار الحاكم، وأبعدوا الدين عن موقعه المرجعي الأعلى من المعادلة. كما أننا نفهم أن من حق كل إنسان أن يعتز بقوميته ويصل أبناء أمته ويحبهم أكثر من غيرهم؛ فتلك هي الفطرة التي فطر الناس عليها. وذلك هو حقه بحكم تلك الفطرة، بل الواجب عليه، ما لم يخرجه ذلك إلى تعصب، أو بغي على الآخرين. فمن حق الكردي أن يدافع عن قومه وكرديته، ومن حق التركي والفارسي، وحق كل الأمم والأوطان والشعوب.

 

أقوال بعض الأئمة في العرب والعربية (العروبة)

سوى أن للعربية فضلاً دلت شواهد الوحي عليه، ونوّه به علماء الأمة وأئمة المذاهب الإسلامية الكبرى. فإمام السنة أحمد بن حنبل في (الرد على الجهمية والزنادقة) يقول: "ونعرف للعرب حقها وفضلها وسابقتها، ونحبهم لحديث رسول الله: حب العرب إيمان وبغضهم نفاق. ولا نقول بقول الشعوبية وأراذل الموالي الذين لا يحبون العرب ولا يقرون بفضلهم".

ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية في (اقتضاء الصراط المستقيم): "والعرب أفضل في أنفسهم من العجم. إن اعتقاد أهل السنة والجماعة أن جنس العرب أفضل من جنس العجم. وليس فضل العرب بمجرد كون النبي صلى الله عليه وسلم منهم، بل هم في أنفسهم أفضل، لما اختُصوا به في عقولهم وألسنتهم وأخلاقهم وأعمالهم... ومحبتهم سبب قوة الإيمان".

ثم يورد قول الإمام أحمد السابق، ويقول عن قول الشعوبية: "إنه بدعة وخلاف. ومن فضل العجم على العرب فهو على شعبة من النفاق".

ويقول: "اسم العرب يطلق في الأصل على قوم جمعوا ثلاثة أصناف: أن لسانهم عربي، وأنهم من أولاد العرب، وأن مساكنهم كانت أرض العرب وهي جزيرة العرب... ثم مع انتقال المقاييس وتطورها صارت العربية عربية اللسان وعربية الأخلاق، تثبت لمن كان كذلك، وتنتفي عمن لم يكن كذلك وإن كان أصله هاشمياً".

يكشف القول السابق عن فكرة الفضل الذاتي للعرب، فالله تعالى اختارهم لتنزل النبوة وحمل الرسالة لأنهم أقدر الشعوب على فهمها عقيدة وفكراً، وتمثلها إيماناً وسلوكاً وعملاً، وحملها دعوة وخلقاً. فالاختيار مبني على أسباب ثابتة موجودة مسبقاً في داخل الذات العربية. وفي قوله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّه) (آل عمران:110) دليل على ذلك من حيث أن جودة الثمر نتاج بذر جيد في تربة طيبة ولا بد. فالبذر الجيد هو الرسالة النازلة، والتربة الطيبة هم العرب. وفي هذا يقول سبحانه: (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) (الأنعام:124).

إن العروبة مادة الإسلام، والإسلام روح العروبة. فالطعن في أي واحد منهما طعن في الآخر. وفصل أحدهما عن الآخر كفصل الروح عن الجسد. وفي القرآن شواهد كثيرة على ما نقول.

ومن طبيعة الفرس عموماً، والاستثناء وارد فهم ليسوا سواءً – وخلافاً لكل الشعوب المسلمة - يكرهون العرب كما يكرهون الإسلام والمسلمين، ويطعنون فيهم جميعاً. فالفرس لا يعادوننا لإسلامنا فحسب، ولكن لأننا عرب أيضاً. فإدخال العروبة في معادلة الصراع ضرورة لكي يعتدل ميزان القوى المتصارعة المختل في غياب هذا العنصر الفعال.

لقد آن الأوان لكي نتخلص من ردود الفعل السلبية ضد من تطرف في تبني القومية فجعل العروبة بديلاً عن الإسلام، فكان الرد أن أخرجت العروبة من ساحة الصراع.

وإذا كان الإسلام هو الروح وهو الأصل والأساس، فلا يضيره - بل يشده ويقويه - أن تأخذ العروبة موقعها في سلم الخطاب دون إفراط أو تفريط.

Add a comment

الأسباب الموضوعية لتبني العروبة

 

 

تميز الإمام أحمد، والحنابلة عموماً بالتأكيد على العروبة؛ بسبب نشأة المذهب في العراق القريب من إيران، واحتكاكه الشديد بالشعوبية، وظهورها في زمن نشأته أكثر مما كانت عليه أيام الإمام أبي حنيفة. وهي الأسباب نفسها التي تدفعنا إلى تبني العروبة في موقعها المناسب من معادلة المشروع.

أضف إلى ذلك أن العراق يراد له أن يسلخ عن هويته، ويفصل عن أمته، ويجرد من عروبته. وهناك عدو عنيد مكابر هو إيران، يناصب هذا القطر العداء على مر التواريخ والعصور، يريد أن يبتلعه بفارسيته، ويسحقه بشعوبيته، ويجتثه من جذوره، ويسلبه حقوقه في الهوية والانتماء. ثمة ظلم وخطر؛ فثمة قضية إذن.

وإيران تعتبر العراق جزءاً منها! تدفعها نفسية جمعية منحرفة، يغذيها إرث استعماري قديم قدم التاريخ. فهي كانت تغزوه دائماً، وتستوطنه ما قدرت على ذلك. وتقيم فيه المئات من السنين. كان آخرها قبل الفتح الإسلامي، وقد استمر إجمالاً ألفاً ومائة وخمساً وسبعين سنة (539 ق.م - 636 ب. م). وما من حضارة قامت في العراق إلا وكان تدميرها على يد شعوب إيران: وهذه هي المراكز الحضارية الستة في التاريخ التي قامت في العراق، وأماكنها وتاريخ تدميرها على يد إيران:

  • • أكد (2160 ق. م) وعاصمتها في المحمودية (جنوبي بغداد)
  • • وسومر (2006 ق. م) في المثنى (الجنوب)
  • • وآشور (612 ق. م) في نينوى (الشمال)
  • • وبابل (539 ق.م) في بابل (الوسط)
  • • والحضر (242 ب. م) في نينوى
  • • وبغداد (1258 ب.م ، و 2003 ب. م)

ومن إيران انطلقت الحركة الشعوبية الحاقدة ضد العرب، تتآمر في سبيل تشويه مآثرهم، وتحريف تاريخهم، والقضاء على ملكهم، وحضارتهم ودينهم. وشجعها الحكام الإيرانيون - وأولهم البويهيون - واحتضنوها، ودعموا دعاتها.

وظلت إيران تحلم بإعادة العراق إلى إمبراطوريتها، وضمه إليها، وتحن إلى سابق عهدها قبل الإسلام. وما الاحتلال البويهي الذي استمر قرناً ونيفاً إلا صورة من صور تحقيق ذلك الحلم. واحتل الصفويون بغداد مرتين.

إيران هي الدولة الوحيدة التي لم تعترف بالعراق عضواً في عصبة الأمم في عشرينيات القرن الماضي. وظلت مصرة على موقفها الغريب هذا، حتى أجبرتها السياسة - وتداخلاتها مع بريطانيا - ليتغير الموقف عام 1929. بينما كانت من أوائل الدول، التي اعترفت بكيان إسرائيل، كدولة مستقلة منذ عام ‏1951،‏ أي بعد نشأته بحوالي ثلاث سنوات فقط.

وقد استغلت إيران بريطانيا وخوفها من روسيا آنذاك، فتآمرت معها، وقامت باحتلال قطر الأحواز عام 1925 في مقابل صد الخطر الروسي. والحكام الإيرانيون ما فتئوا يصرحون من قديم الزمان بالعراق جزء من إيران. ومرة بعد مرة يطيش رأس المسؤول الإيراني بذلك الحلم؛ فيأخذ بالهذيان، وتظهر النوايا على صفحات اللسان. حتى جاء الخميني صاحب (الجمهورية الإسلامية) ليعلن وزير خارجيته (صادق قطب زادة) أن العراق جزء من إيران. وبسبب هذه التصريحات، وما جرت على الحدود من تحرشات واعتداءات وقعت الحرب التي استمرت ثماني سنين.

ولا تخفي إيران اليوم حلمها في ضم دول الخليج والعراق تحت جناحها! وقد ضمت غيره من قبل كالأحواز والجزر الإماراتية الثلاث، ومساحات شاسعة من أرض العراق الحدودية.

إن التحسس من العروبة لدى بعض (الإسلاميين) إنما هو من بقايا ردة الفعل من (القوميين) الذين جعلوا العروبة فوق كل اعتبار، حتى إن بعضهم اتخذها ديناً بديلاً عن الدين.

لقد اشتطت (القومية) في القرن الماضي، فأدى هذا بـ(الإسلاميين) إلى أن ينتقدوها، أو يذموها، ويردوا على أهلها تطرفهم وتجاوزهم. ومنهم من اشتط وتطرف في رده وذمه. ولكن كل شيء موكول إلى ظرفه وملابساته وزمنه.

لقد انتهت تلك الموجة ، أو انكسرت حدتها ، وعادت نسبة معتبرة من (القوميين) إلى جادة الصواب والوسطية. واليوم قد جاء زمن آخر، وطغت موجة أخرى. إذ تضاءلت الدعوة القومية البديلة، حتى خفت صوتها، ويكاد يختفى صداها. والقوى العالمية تريد تمزيق العرب، وما عادوا يتبنون تلك الدعوة في مقابل الإسلام. والفرس يطعنون في العرب والعروبة، وقد ابتلعوا الأحواز والجزر العربية وغيرها من ربوع بني يعرب. ويطمحون اليوم لابتلاع العراق. فليس من الدين والعقل والسياسة والحكمة أن نظل نردد مقولات هي نتاج ظرف قد تغير، ومماحكات زمن قد ولى وانقضى.

Add a comment
primi sui motori con e-max.it