9- نظرات في السياسة

نظرات في السياسة

 

على النسق نفسه في باب (القيادة) أقيد هذه الكلمات في باب (السياسة):

السياسة قبل القيادة، فأن تقود يعني أن تسوس.

والسياسة باختصار هي: فن حكم الناس وقيادة الجمهور. وتقوم في أساسها على الرفق ورعاية المصالح. والشد مطلوب في موضعه.

والسياسة أيضاً هي التعبير المرن عن المبدأ. فالثبات في العقائد والمبادئ، والمرونة في السياسات والمواقف. 

معادلات سياسية مهمة

السياسة والقوة

·     القوة أس السياسة: فسياسة بلا قوة مقامرة بأوراق مكشوفة.

·     الأغبياء والضعفاء ينتهون في عالم السياسة إلى أحد مصيرين: الفقر أو العمالة.

·     كن قوياً وقل وافعل ما شئت. وكن ضعيفاً وجامل ما شئت، فلن تكون إلا ضحية للأقوياء.

·     حتى تريد لا بد أن تكون، وحتى تكون لا بد أن تتكون، فتظهر بكيان واضح للعيان.. مؤثر في الميدان. ثم ادخل عالم السياسة.

·  القوة الشرعية قوتان ممتزجتان: قوة الإيمان وقوة الكيان. ولا تغني إحداهما عن الأُخرى. ولا يتأتى ذلك إلا بمنظومة قيادة يلتحم بها جمهور؛ فالفرد لا مكان له في سوق السياسة مهما أُوتي من قوة شخصية وإمكان وحجة وبيان.

·  قوتنا اليوم في إبراز هويتنا، وإعداد منظومة قيادتنا، في مشروع واضح الفكرة الجامعة، محدد الهدف البعيد، يراعي مجموعة الأهداف المرحلية، ويهتم باستثمار الموارد المتاحة، ويتخذ الآليات المناسبة للوصول إلى الكيان القادر على أن يريد فيكون؛ لأنه كان فأراد.

·     دخول عالم السياسة بلا مشروع يجعل صاحبه ضحية لمشاريع الآخرين.

السياسة والتاريخ

·     لا تاريخ في السياسة، وإنما تقوم السياسة على الجغرافية؛ لذلك قيل (جيوبوليتيك) ولم يقولوا (هستوبوليتيك).

·  الحالمون وحدهم يدخلون عالم السياسة وليس في أيديهم شيء سوى التاريخ: فعلنا، وكانوا وكنا. وهؤلاء دائماً يخرجون من الحلبة مفلسين، فيتعوضون عن الإفلاس في الجغرافيا تضخماً في مصرف التاريخ.

الجمهور

·  السؤال عن قابلية الجمهور للانقياد والعمل على صناعتها وتنميتها، لا تقل أهمية عن السؤال عن قدرة القائد على القيادة وصناعتها وتنميتها.

·     لا يكون القائد قائداً في جمهور غير قابل للانقياد.

·  المشروع المدني القائم على تدريب القادة، وتأهيل الجمهور، وربطه بالقيادة هو الطريق نحو قيادة الجمهور الواعي الذي يدرك قيمة الطاعة في المنشط والمكره.

·     الجمهور يكثر بالنصر، ويقل أو ينفض بالهزيمة.

·     الجمهور مزاجي سريع التقلب: فلا يخدعنك إقبال الجمهور؛ فهو سريع التقلب، ما لم يكن بيدك أعنة الترغيب، وأسنة الترهيب.

$1·     الجمهور عاطفي تثيره الكلمة، وتشده الصورة، ويجذبه المشهد، ويدفعه الحماس. فالعواطف ضرورة من ضرورات قيادة الجمهور إلى دائرة العقل.

·  الجمهور منخفض الوعي، ومستوى التفكير، لا يأبه للمنطق الخالي من العاطفة: فالجمهور لا يتغير بالحجة والدليل. إنما بالشعارات العامة المؤكدة المكررة.

·     الجمهور ينظر إلى يدك ومكانك أكثر من كلامك.

·     إدخال الجمهور في ميدان الصراع ضرورة من ضرورات النصر. وإلا فإن المعركة إذا اقتصرت على النخبة فأبشر بالخيبة.

Add a comment

السياسة الشرعية

·     الإسلام دين ودولة، ولا دولة بلا سياسة.

·     سياستنا لا تنفصل عن الأخلاق؛ لأنها شرعية مقيدة بحدود الدين وآدابه. وابتغاء المصلحة لا يبرر تحصيلها بأي سبيل.

·  العلمانية لا ترى من السياسة سوى جانبها المصلحي. وهذه هي السياسة القذرة. واشتباه الأمر على الصادقين من العلمانيين بحيث لم يروا في السياسة إلا جانبها السيئ، أوقعهم في عزل السياسة عن الدين تنزيهاً له وتعظيماً. وزاد الشبهة رسوخاً أمران: سلوك بعض الإسلاميين في عالم السياسة. وجهل العلمانيين بمبادئ السياسة الشرعية.

·     العلم العميق بشمولية الإسلام، والإيمان الوثيق برب الأنام، هما أصل السياسة الشرعية.

·  السياسة الشرعية هي رعاية الدنيا وسياستها بالدين. وهي – كذلك - رعاية شؤون الأمة داخلياً وخارجياً، وحفظ الدين هو أعظم هذه الشؤون.

·  تنطلق السياسة الشرعية من الدين في أصولها، ولا تتعارض مع الشرع في تفاصيلها. فالسياسة من العاديات أو المعاملات التي قال علماء الأصول فيها: (الأصل في العاديات الإباحة حتى يرد نص بالمنع. والأصل في العبادات المنع حتى يرد نص بالفعل).

·     المقاصد، وليست النصوص، هي أساس السياسة الشرعية وروحها. فمن أراد دخول السياسة فليدخلها من باب المقاصد.

·  فقه المقاصد أو المصالح هو الفقه الذي بات يعرف حديثاً بـ(فقه الأولويات والموازنات). والملخص في قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (ليس العاقل من عرف الخير من الشر، إنما العاقل من عرف خير الخيرين). ويمكن تفصيل هذا القول ليكون معرفة (شر الشرين، وخير الشرين، وشر الخيرين). وفي ذلك جاءت القواعد الأصولية وعلى رأسها قاعدة (درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة)، وقواعد أُخرى عظيمة في هذا الباب مثل (الضرورات تبيح المحظورات) و(لا ضرر ولا ضرار).

·  لا بد من ضبط المقاصد والمصالح بضوابط الشرع، فما كل مصلحة جازت عقلاً هي معتبرة شرعاً. وقواعد مثل (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب) و(ما لا يتم الباطل إلا به فهو باطل) و(الوسائل لها حكم المقاصد) ليست على إطلاقها. فالجلوس على مائدة الخمر لا يصح وسيلة لدعوة المخمورين. وفي ضوء ما قدمنا نفهم قول الفقيه الأصولي نجم الدين سليمان الطوفي: ولا يقال إن الشرع أعلم بمصالحهم - مصالح العباد - فلتؤخذ من أدلته، لأنا نقول: قد قررنا أن رعاية المصلحة من أدلة الشرع، وهي أقواها وأخصها، فلنقدمها في تحصيل المصالح، ثم إن هذا إنما يقال في العبادات، التي تُخفَى مصالحها عن مجاري العقول والعادات، أما مصلحة سياسة المكلفين في حقوقهم، فهي معلومة لهم بحكم العادة والعقل، فإذا رأينا دليل الشرع متقاعداً عن إفادتها، علمنا أنه أحالنا في تحصيلها على رعايتها.

·  لا سياسة بمعزل عن معرفة بالواقع أو البيئة الداخلية والخارجية اعتماداً على المعلومات الصحيحة والبيانات والإحصاءات. فالسياسة ليست فقهاً بالنصوص، وإنما معرفة بالواقع وكيفية التعاطي معه في ضوء الشرع اعتماداً على فقه المقاصد طبقاً للضوابط.

·  لا يشترط في القائد أن يكون الأعبد والأورع، بعد أن يكون عاملاً بالواجبات متجنباً فعل الموبقات. إنما يشترط فيه أن يكون الأكفأ في فن السياسة والقيادة، ولا تقبل منه الحدود الدنيا في هذا الفن.

·  لو خيرنا بين رجلين: أحدهما أعبد الناس، لكنه ضعيف في فن السياسة، والآخر دونه في العبادة لكنه أكفأ سياسةً وأقدر على القيادة وجب علينا اختيار الثاني؛ لأن علاقته بالأمة تحددها الكفاءة السياسية والقيادية أكثر من الناحية العبادية. إن قوة القائد وضعفه للأمة أو عليها. أما عبادته فله وحده.

واجبات الحاكم

·  غاية ما يراد من الحاكم بعد صيانة الدين وتحكيم شريعة رب العالمين، أمران: توفير الرزق ووسائله وفرص الكسب للشعب. ثم تحقيق الأمن والقيام في الناس بالعدل، مع حماية كيان الدولة بالفعل. أي رعاية الموجود وحماية الحدود.

·  أما ما مطلوب من مؤسستنا الآن: فتوفير المنظومة الناجحة التي من خلالها يعبر السنة عن دينهم: إيماناً ونصرةً، عبادةً وقضيةً. وتكون أساساً لبناء دولتنا السنية العراقية، صعداً في خدمة الأمة والمشاركة في إعادة كيانها. 

صناعة الأصدقاء وتفريق الأعداء

·     الحب أساس الوحدة والجماعة، ولكن القوة تبنيها، ثم تكون سياجها الأمين.

·  صناعة الأصدقاء، حتى من الأعداء، فن لا غنى للسياسي الناجح عنه. لكن بعض السياسيين بارع في فن صناعة الأعداء، حتى من الأصدقاء!

·     تفريق الأعداء من أولويات السياسة؛ السياسي لا يدع أعداءه يجتمعون عليه.

السياسة الخارجية

·     المصلحة أم السياسة، ولا أب لها.

·     الإنسانية، الأخوة، الدين، الجوار: كلمات لا وجود لها في قاموس السياسة.

·     المصالح المتبادلة أساس السياسة مع الدول.

·     الدول ليست جمعيات خيرية، بل هي مؤسسات ربحية بكل معنى الكلمة، لا تعطي ما لم تأخذ.

·     ليس في عالم السياسة أن تأخذ بلا مقابل، حتى مع العدو. الساذَجون وحدهم من يقول: كيف تفعل هذا، وفيه مصلحة لعدوك؟ 

·     السياسة الناجحة أن تجعل الآخرين يرون مصلحتهم في تحقيق مصلحتك.

·     أنجح المشاريع هو ذلك المشروع الذي تجتمع عليه مصالح الدول. فإذا كان هذا في مصلحتك فبادر لاقتناصه ما لم يكن مانع شرعي.

·     السياسي الناجح من عمل على استثمار التوازنات الدولية لتحقيق مصلحته الداخلية.

·  نحتاج إلى تعريف صحيح للعميل من أجل أن نحسن قراءة الواقع. فمهام الحكم تجعل الحاكم في مواجهة العالم. وهذا يلجئه إلى المناورة واتباع (سياسة التوازن) بين متطلبات الشريعة ومطالب الشعب من جهة، وضغوط القوى العالمية من جهة أُخرى.

·     "فقه المقاصد" القائم على معرفة "فقه الأولويات" و"فقه الموازنات"، يحقق للحاكم المسلم (سياسة التوازن) ضمن حدود الشرع.  

Add a comment
primi sui motori con e-max.it