6- الإيمان والتنمية الإيمانية

تمهيد

 

2155111818119

جاء في تعريف مؤسستنا ومشروعنا عند الكلام عن (الهوية) أن مؤسستنا مؤسسة ربانية، ومشروعنا مشروع رباني. وهذا يعني اعتماد (الإيمان): عقيدةً وتزكيةً وسلوكاً، مبدأً أساسياً يحتل المرتبة العليا الأولى في سلم أساسيات مشروعنا، وترسيخه في نفوس القادة والدعاة وحملة القضية، ونشره في حاضرتهم الدعوية وصولاً إلى جعله ظاهرة اجتماعية.. أول مهام هذه المؤسسة وكل مؤسسة ربانية. ولا غرابة؛ فالإيمان أصل الدين وروحه، ومظهره وجوهره.

ولتحقيق هذه الغاية نحتاج إلى إفراد موضوع الإيمان بفقرة خاصة إلى جانب بقية فقرات منهجنا. نركز فيها على عشرة أمور هي:

  1. 1- نحن دعوة ربانية قبل أن نكون قضية سياسية.
  2. 2- تعريف الإيمان تعريفاً سهلاً ميسراً يعتمد على صريح القرآن الكريم وصحيح السنة، دون تطويل أو تعقيد أو خوض في طرق المتكلمين.
  3. 3- الجمع بين ركنَي الإيمان والنصرة، بلا فصل يجعل الإيمان معزولاً أو مشلولاً عن تحريك الروح والنماء في مفاصل الحياة، أو يجعل مبدأ النصرة معلولاً لا يستقيم على الصراط القويم.
  4. 4- اعتماد مبدأ التنمية الذاتية للإيمان. أي كيف ينمي المسلم إيمانه ذاتياً، ويرعاه بنفسه شخصياً، ويزكيه دون الاعتماد - كحاجة أساسية - على حث الآخرين وموعظتهم وتأثيرهم؛ وذلك من خلال إطلاق طاقة النظر والتدبر ثم طاقة الشعور والتأثر في آيات الأكوان من ناحية، وآيات القرآن من ناحية ثانية، ورعايتها حتى تصل إلى غايتها من الإيمان وعمل الأركان.
  5. 5- الإيمان بالقدر؛ فإن هذا الموضوع في حاجة إلى تجلية خاصة تتناسب ومشاكل العصر، وبصورة سهلة قدر الإمكان. إضافة إلى أهميته كما قال ابن عباس رضي الله عنهما: ((الْقَدَرُ نِظَامُ التَّوْحِيدِ، فَمَنْ وَحَّدَ اللَّهَ تَعَالَى وَآمَنَ بِالْقَدَرِ، فَهِيَ الْعُرْوَةُ الْوُثْقَى الَّتِي لا انْفِصَامَ لَهَا. وَمَنْ وَحَّدَ اللَّهَ تَعَالَى وَكَذَّبَ بِالْقَدَرِ، فَإِنَّ تَكْذِيبَهُ بِالْقَدَرِ نَقْضٌ لِلتَّوْحِيدِ)!
  6. 6- تحريك عناصر الإيمان وتفعيلها في مفاصل المؤسسة لبنائها ورصها وتماسكها أولاً، ولحمايتها من عوامل الهدم الداخلي ثانياً. فالإيمان ليس قوة هائمة في فضاء، وإنما طاقة فاعلة في بناء، يشكل الأفراد المؤمنون لبناته الصالحة، ولكن مجتمعين لا متفرقين.
  7. 7-  متممات الإيمان:

أ‌.     أن نجعل من مجالسنا مجالس موعظة وذكر، كما هي مجالس يقظة وفكر سواء بسواء، بحيث لا ينفصل هذا عن ذاك. وأن نحدز من الانزلاق شيئاً فشيئاً إلى الانشغال بالتفكير والحركة الخارجية في رحاب الأفق، على حساب الخشوع والحركة الداخلية في خبايا النفس.

ب‌.إشاعة مفهوم في كل عصر صحابة. فهذا أمر يكاد يغيب غياباً عاماً عن مناهج التربية الإيمانية. وإحضاره أمام عين السالك إلى الله تعالى يمنحه ثقة عالية بنفسه، وهمة ونشاطاً إلى عمله، ويزيد في طموحه، ويجعله متحفزاً لمنافسة السابقين ترقياً في مدارج السالكين. على العكس من المنهج الشائع.

ت‌. تجديد الكلمات الإيمانية بما يتناسب والحال، لتغذية الإيمان وتنشيطه بصورة أفضل وأكثر فاعلية في الأنفس والآفاق.

ث‌. التنبيه إلى أهمية مبدأ ساعة وساعة الذي سنه النبي صلى الله عليه وسلم، للتعبير التلقائي عن طبيعة النفس البشرية واحتياجاتها، والترويح الذي تستدعيه الفطرة كسراً لحدة حركة الحياة، وتخفيفاً عن ثقل مسؤوليتها، وأداء لحق النفس والأهل والرفيق. ولكن بالضوابط الشرعية، والمحسنات الذوقية قدر المستطاع.

في ضوء هذه المقاصد العشرة يمكننا أن نشير إلى المعالم التالية تحقيقاً لتلك المقاصد العالية:

Add a comment

( 1 )

 

دعوة ربانية قبل أن تكون قضية سياسية

 

215511181819

 

مؤسستنا موصوفة بأنها مؤسسة ربانية، ومشروعنا مشروع رباني. فنحن دعوة ربانية قبل أن نكون قضية سياسية؛ وهذا يعني اعتماد (الإيمان) أولاً..

- عقيدةً

- وتزكيةً

- وسلوكاً

والربانية في فهمنا المنبثق عن القرآن الكريم تعني شيئين: التزكية، والعمل للقضية.

 

الربانية والتزكية

أما التزكية فتفهم من معنى الرباني: لغة ونسبة.

أما اللغة.. ففي (لسان العرب) ما يكفي ويشفي، وهذا ملخص منه: قال ابن منظور: قيل: الرَّبَّانِـيُّ الذي يَعْبُد الرَّبَّ، زِيدت الأَلف والنون للمبالغة في النسب. وقال سيبويه: زادوا أَلفاً ونوناً في الرَّبَّاني إِذا أَرادوا تخصيصاً بعِلْم الرَّبِّ دون غيره، كأَن معناه: صاحِبُ عِلم بالرَّبِّ دون غيره من العُلوم؛ وهو كما يقال: رجل شَعْرانِـيٌّ، ولِحْيانِـيٌّ، ورَقَبانِـيٌّ إِذا خُصَّ بكثرة الشعر، وطول اللِّحْيَة، وغِلَظِ الرَّقبةِ؛ فإِذا نسبوا إِلى الشَّعر قالوا: شَعْرِيٌّ، وإِلى الرَّقبةِ قالوا: رَقَبِـيٌّ، وإِلى اللِّحْيةِ: لِـحْيِـيٌّ.

الرَّبِّـيُّ: منسوب إِلى الرَّبِّ. والرَّبَّانِـيُّ: الموصوف بعلم الرَّبِّ. قال ابن الأَثير: هو منسوب إِلى الرَّبِّ، بزيادة الأَلف والنون للمبالغة؛ قال وقيل: هو من الرَّبِّ، بمعنى التربيةِ، كانوا يُرَبُّونَ الـمُتَعَلِّمينَ بِصغار العُلوم، قبلَ كبارِها. والرَّبَّانِـيُّ: العالم الرَّاسِخُ في العِلم والدين، أَو الذي يَطْلُب بِعلْمِه وجهَ اللّهِ.

الرَّبَّانيُّ: الـمُتَـأَلِّه، العارِفُ باللّه تعالى.

قال الأَخفش: الرِّبيون منسوبون إِلى الرَّبِّ. قال أَبو العباس: ينبغي أَن تفتح الراءُ، على قوله، قال: وهو على قول الفرّاء من الرَّبَّةِ، وهي الجماعة. وقال الزجاج: رِبِّـيُّون، بكسر الراء وضمّها، وهم الجماعة الكثيرة. وقيل: الربيون العلماء الأَتقياءُ الصُّـبُر؛ وكلا القولين حَسَنٌ جميلٌ. وقرأَ ابن عباس: رَبِّـيُّون، بفتح الراءِ.

والتأمل في المعنى اللغوي يكفي وحده لفتح آفاق علمية وروحية للمتأمل في العلاقة بينه وبين (الربانية).

وأما النسبة.. ففي التفكر في شرف إضافة العبد إلى الرب يطيش العقل، ويطير القلب، وتتحرر النفس، وتحلق الروح، وينبعث الشوق، وينخلع هذا الكيان الطيني من وهدته ليصبح حراً طليقاً من جاذبية فلك العنصر المادي إلى رحاب العلو النوراني. فمن أنا حتى ينسبني الرب الجليل الجميل إلى نفسه؟! ويضيفني إلى ذاته؟! ويكرمني هذا الإكرام؟! سبحانه هو الذي خلق الإنسان من علق! وهو الذي أكرمه فجعل منه إنساناً يمسك بالقلم عالماً ومعلماً! ثم زاده فألحقه به ونسبه إليه فكان (ربانياً)، بهذه الصيغة الباذخة الشامخة. ولو كان (رَبياً) لكفى به تكريماً وتشريفاً، فكيف وقد رفعه هذه الرفعة الجليلة، وصاغه هذه الصياغة الجميلة.. فكان (ربانياً) لا (رَبياً) وحسب!

هل يقرأ مسلم حاضر القلب هذه المعاني ولا يسأل نفسه ويستفهم غيره: كيف أكون مسلماً (ربانياً)؟ ما الذي عليّ أن أفعله؟ وكيف أحافظ على هذا النسب الشريف، واللقب المنيف؟ إذن إليك الجواب..

 

الربانية والقضية

هذا المفهوم الجليل نلمسه من اقتران (الربانية) حيث وردت في النص الإلهي ببيان مهمة (الرباني) ودوره أو وظيفته في الحياة. وهي على أربعة أقسام:

  1. 1- تعليم الكتاب ودراسته: (كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ) (آل عمران:79).
  2. 2- تحكيم شرع الله: (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ) (المائدة:44).
  3. 3- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: (لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ) (المائدة:63).
  4. 4- الجهاد أو القتال في سبيل الله: (وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ) (آل عمران:146).

والقضية تأتي بعد الربانية في المرتبة، وإن كانت لا تنفصل عنها. لكنها كالبناء بعد الأساس. والسياسة جزء من مفهوم (القضية)، كما تشير إليها الآيات آنفة الذكر. وكما يدل المفهوم بالتضمن واللزوم. فهي من هذه الناحية أيضاً تأتي بعد الربانية تبعاً للقضية.

هذه هي (الربانية) في منهجنا.. تزكية وقضية، إيمان ونصرة، زاد وجهاد. لا ينفصل أحدهما عن الآخر.

Add a comment

حـ. أعظم التدبر والتفكر هو في أسمائه تعالى وصفاته وأفعاله

 

 

أعظم ما ينمي الإيمان في قلب العبد التعرف على الرب سبحانه من خلال النظر في أسمائه وصفاته الواردة في آيات القرآن، ومن خلال النظر في عجيب أفعاله المتجلية في عظيم خلقه، والاستدلال بالمخلوق على صفات الخالق.

قف عند هذه الآية: (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) (الأنعام:59). وتأمل!

 

د. ثق بقدرتك وقدرات الآخرين

وإذ كلف الله تعالى جميع عباده بالتدبر والتفكر، فهذا يستلزم أن ذلك مقدور لهم جميعاً؛ فالله لا يأمر بشيء هو خارج نطاق القدرة. لكن ثمت فرق بين أن تفكر وتتدبر لنفسك، وبين أن تُصَدِّر ذلك علماً لغيرك، فهذا من شأن العلماء المختصين، وذلك واجب على كل المسلمين. وأظن الخلط بين الأمرين أحد أسباب ضعف التدبر. والعلاج يكون بتشجيع الجميع على التمعن في الآيات وإثارة العقل باتجاه فهمها واستنباط أسرارها.

عملياً يتم ذلك بعقد حلقات قرآنية يطلب فيها من كل واحد من الحاضرين أن يقول رأيه في معنى الآية ومتعلقاته. وسيجد من ذلك عجائب وأسراراً لا تتهيأ له بالقراءة، ومن أشخاص يبدون في نظره عاديين، وليسوا هم بأهل اختصاص!

قال جلال الدين السيوطي: من الآيات ما أشكلت مناسبتها لما قبلها: من ذلك قوله تعالى في سورة القيامة: (لا تحرك به لسانك لتعجل به) (القيامة:16) الآيات فإن وجه مناسبتها لأول السورة وآخرها عسر جداً، فإن السورة كلها في أحوال القيامة حتى زعم بعض الرافضة أنه سقط من السورة شيء، وحتى ذهب القفال فيما حكاه الفخر الرازي أنها نزلت في الإنسان المذكور قبل في قوله: (ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر) (القيامة:13). قال: يعرض عليه كتابه فإذا أخذ في القراءة تلجلج خوفاً فأسرع في القراءة، فيقال له: لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا أن نجمع عملك وأن نقرأ عليك فإذا قرأناه عليك فاتبع قرآنه بالإقرار بأنك فعلت ثم إن علينا بيان أمر الإنسان وما يتعلق بعقوبته.. انتهى. وهذا يخالف ما ثبت في الصحيح أنها نزلت في تحريك النبي e لسانه حالة نزول الوحي عليه([1]).

لكن هذا الأمر الذي تعسر على العلماء، ومنهم السيوطي نفسه، ولم يجدوا له جواباً شافياً، نطقت به صبية لي لم تتجاوز عامها الرابع عشر!

كان ذلك بعد مدة من قراءتي لقول السيوطي وعجزي عن إدراك المناسبة المطلوبة. وفجأة ومن دون تفكير طفا المعنى المناسب على ذاكرتي وكأنني ألمسه بيدي! كنت أصلي صلاة الصبح بالعائلة، فقرأت بهم سورة (القيامة)، فاكتشفت أن (الجمع) هو المعنى الرابط بين الآيات. التفتّ بعد انتهاء الصلاة لأخبرهم بهذه المفارقة. فإذا ابنة لي تقول: الأمر سهل. هناك معنى واحد تدور حوله الآيات هو الجمع المذكور مع العظام، ومع الشمس والقمر، ومع القرآن في صدر النبي صلى الله عليه وسلم. فالذي يقدر على إحياء الإنسان وجمع عظامه بعد الموت، وجمع الشمس والقمر عند الخسوف، قادر على جمع القرآن في صدر النبي دون نسيان بلا حاجة لتحريك اللسان وترديد الكلام! فهذه صبية اهتدت في لحظة إلى ما عسر تحصيله على أفذاذ العلماء في قرون!

 

من لطائف التأمل

- تأملت في سر قراءة (آية الكرسي) بعد كل صلاة! فعجبت كيف لحاكم يفعل ذلك ويتيه على الناس بكرسيه أو يتكبر عليهم بملكه، وفوقه رب (وسع كرسيه السموات والأرض)!

- وفي يوم من الأيام وقد انتهيت من قراءة كتاب ممتع، فأحزنني أن كلماته وصفحاته الممتعة قد انتهت، وشعرت كأن الكتاب قد مات، وليس بيني وبينه إلا أن أضعه كالميت في تابوت الرف. كنت أتفكر في هذا وأقول مع نفسي: كل كتاب تنتهي حياته عند آخر صفحة من صفحاته، ويموت هناك. ثم ذكرت القرآن العظيم فتضايقت من تلك الفكرة، قلت: لو كانت صحيحة لشملت القرآن أيضاً، بَيْدَ أن القرآن حي لا يموت. فهل الفكرة مجرد حديث نفس أو خاطرة خاطئة؟ كلا فكل كتاب يموت إلا القرآن. وأكر على الفكرة مرة ثانية وثالثة، إنها قوية؛ فكيف؟! وفي لحظة توهج خاطفة اكتشفت سراً من أسرار القرآن!

لقد انتهى هذا الكتاب العظيم بالاستعاذة. أليس كذلك؟ والاستعاذة تعني الشروع في قراءة القرآن: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) (النحل:98)! وإذن أنت حين تقرأ سورة (الناس) فكأنك تستعيذ من الشيطان لتبدأ قراءة القرآن من جديد، وليس لتنتهي وتتوقف عن القراءة. إنها بداية إذن وليست نهاية.

هنا قفز إلى ذهني قول النبي e: (أفضل الأعمال الحال المرتحل)([2]). وهو الذي لا ينتهي من قراءة أو ختمة حتى يرتحل فيحل في أُخرى. قال ابن الجزري في [النشر في القراءات العشر]: وقد روى الحافظ أبو عمرو بإسناد صحيح عن الأعمش عن إبراهيم قال: كانوا يستحبون إذا ختموا القرآن أن يقرأوا من أوله آيات. وهذا صريح في صحة ما اختاره القراء وذهب إليه السلف. انتهى. وحمدت الله جل جلاله على أن هداني إلى سر من أسرار كتابه، وفهم دقيق لكلام خيرة أحبابه.

ولقد وجدت أفضل طريقة للتدبر هي ما جمعت بين ثلاثة وسائل: الاطلاع على تفسير العلماء، وحث الفكر باتجاه التأمل، مع نقاش الجلساء والأصدقاء.

 

هـ. اسأل وناقش

وكثير من لطائف التفسير وأسرار القرآن العظيم استفدتها من المجالس والنقاشات الخاصة، وبالتفكر والتدبر الذاتي.

تساءلت عن سر انقسام سورة (آل عمران) بين الحديث عن النصارى وضلالاتهم، وبين الحديث عن معركة (أُحد)؟ فبادرني تلميذ لي – وكان جالساً معي في السيارة وهي تتهادى بنا في الريف – قائلاً: بنيت السورة على الأمر باتباع المحكم والنهي عن اتباع المتشابه ولو كان قرآناً نازلاً من الله: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ) (آل عمران:7)! وكلا الفريقين خسر بسبب اتباع المتشابه وترك المحكم: النصارى خسروا دينهم حين تركوا محكم الإنجيل وكلام المسيح عليه السلام، واتبعوا متشابه الصليب متخذين من الحكايات التي نسجت حوله ذريعة لتأليهه دون الله. والثلة التي على التل في (أُحد) خسروا معركتهم حين تركوا محكم وصية النبي صلى الله عليه وسلم لهم وأمره الجازم بعدم النزول من التل سواء أبيد المسلمون عن آخرهم أو انتصروا على عدوهم حتى يأتيهم الأمر منه، واتبعوا المتشابه طمعاً في الغنائم فخسروا بذلك المعركة. وهكذا تجد بقية مشاهد السورة كذكر فرعون الذي يضل الناس بمتشابه السحر، وكفر الناس اتباعاً لزينة الدنيا وشهواتها، وهي كالسحر خيال في خيال. فقلت له: "هات يدك"، فمدها نحوي وهو لا يدري ماذا أريد بها. فأخذتها بيدي بقوة وأهويت عليها وقبلتها!

 


[1]- الإتقان في علوم القرآن (2/221-222)، السيوطي، دار الكتاب العربي، 1419/1999.

[2]- رواه الترمذي وقال: غريب، ورواه البيهقي وسكت عنه، وضعفه بعض العلماء وحسنه بعضهم وقطع بصحته آخرون.

Add a comment

( 2 )

 

الإيمان

 

                              1. تعريف الإيمان                                       2. بين الإيمان والعقيدة

 

 

الإيمان في اعتقادنا قول وعمل، يزيد وينقص. قول بالقلب واللسان، وعمل بالجوارح والأركان. وأركانه ستة كما جاءت في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، وهي: (الإيمان بالله وملئكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره).

أما قول القلب فاعتقاده وتصديقه، وأما قول اللسان فذكره ولفظه. وذلك لا يَصْدُق حتى يشهد له البدن بالعمل.

وأما زيادته فبالعلم والتدبر والطاعة. ونقصانه فبالجهل والغفلة والمعصية.

يقول تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) (الأنفال:2-4). فهذه الآية تحصر تعريف المؤمنين بمن اكتمل لهم عمل القلب بعمل الجوارح.

ويقول أيضاً: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) (الحجرات:15). وفيه أن المسلم لا يبلغ عمله به إلى أن يكون مؤمناً حتى يكون مجاهداً. فالجهاد هو الحد الفاصل بين الإسلام والإيمان.

والمقصود بالإيمان هنا ليس أصله الذي به يصدق على المرء اسم المسلم ويصح به العمل، إنما الإيمان الذي يؤهل المسلم لدخول الجنة كما قال تعالى: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) (آل عمران:142). وقال: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ) (البقرة:214).

علماً أن الجهاد أبواب كثيرة: فتارة بالكلمة والتبليغ والإعلام، وتارة بالإنفاق وبذل المال، وثالثة بالمنصب والجاه، ورابعة بالقتال والسلاح... وهكذا. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له)([1]). بشرط أن يكون ذلك كله في خدمة القضية من جوانبها المتعددة ضمن منظومة تجعل من هذا التنوع حالة تكاملية في سبيل الوصول إلى الهدف المنشود. إلا إذا فقدت المنظومة وعجز الفرد عن إنشائها فيكون عمله حسب طاقته: علماً وقدرة.

 

بين الإيمان والعقيدة

(الإيمان) هو كلمة الرب سبحانه التي اختارها ليخاطب بها كيان عبده كله: عقلاً وعقيدة وفكراً، وقلباً وشعوراً ووجلاً، وبدناً وسلوكاً وعملاً.

كلمة تتجه إلى العقل فتصلح من فكره وعقيدته، وإلى القلب فتصلح من شعوره وانفعاله وعاطفته، وإلى الجوارح فتصلح من عملها وسلوك صاحبها. اقرأ – مثلاً - قوله تعالى: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) (الزمر:67). كيف عرضت الآية لإصلاح الفكر والعقيدة، وكيف خاطبت العقل من خلال القلب الذي يكاد ينخلع ويتصدع وهو يقرأ ويستشعر عظمة الله جل في علاه عبر هذه الصورة الرائعة الجليلة المهيبة! التي ترسمها الآية وهي في صدد معالجة عقيدة الشرك والتحذير منها، لا سيما وقد قال - سبحانه - قبلها مباشرة: (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ*بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ) (الزمر:66،65).

ويتبع الرسول صلى الله عليه وسلم الأسلوب نفسه في عرضه للعقيدة. انظر إليه كيف يتجه إلى العقل فيثبت العقيدة، وإلى القلب ليحدث الانفعال ويورث العمل بخطاب واحد! روى الشيخان عن جرير بن عبد الله البجلي قال: كنا جلوساً عند النبي صلى الله عليه وسلم فنظر إلى القمر ليلة يعني البدر فقال: (إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا) ثم قرأ (وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ)([2]).

بهذا الأسلوب وصل الخطاب إلى مرماه المطلوب من التغيير الذي جاء الإسلام من أجله. فحصل التغيير في العقل أي الفكر والعقيدة، كما حصل في القلب أي الشعور والعاطفة، وكذلك البدن أي السلوك والعمل.. أو الإيمان بتعبير آخر.

ولما كان مصطلح (العقيدة) لا يتسع للتعبير عن المجالات الثلاثة معاً، وكان الاقتصار عليه يؤدي إلى نتائج سلبية خطيرة تتلخص في انشطار العلم عن العمل، كان لا بد للوحي من أن يعدل إلى مصطلح آخر يتسع لهما جميعاً؛ فكان مصطلح (الإيمان).

إن مصطلح (العقيدة) مصطلح فكري بحت يتعلق بما استقر في العقل من رأي أو فكر، ولا علاقة له بما ينجم عنه في القلب من انفعال أو عمل. إنه لفظ يعبر عن تصديق القلب وقوله وليس عن انفعاله وفعله. وهذه – فيما أرى - هي النقطة المهمة الحساسة التي جعلت نصوص الوحي تعرض عن استعمال هذا اللفظ وتجوزه إلى غيره.

عملياً علينا أن نستعمل كلمة (الإيمان) و (التوحيد) أكثر من استعمال كلمة (العقيدة) حذراً من الوقوع في ما يؤدي إليه التركيز عليها من انشطار العلم عن العمل، فنكون أمة أقوال لا أمة فعال([3]).وأن لا نجنح إلى مصطلح (العقيدة) إلا عند الحاجة إليه، وأهمها التفريق بين ما نحن عليه من عقيدة سليمة وما عليه الفرق الأخرى من أخطاء أو ضلال.

 


[1]- رواه البخاري عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

[2]- رواه أبو داود والترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح.

[3]- راجع خاتمة كتابي (التوحيد والشرك في ضوء القرآن الكريم).

Add a comment

2. إطلاق طاقة الشعور والتأثر من خلال القرآن الكريم

 

215511889

ثمت خطوات متسلسلة في مدارج الوصول إلى الشعور والتأثر بتلاوة القرآن الكريم. وعلى قدر توفر هذه القوى في القلب يكون تحصيل الشعور كماً ونوعاً. وهي: توجه الإرادة إلى الخشوع والانتفاع. ثم تخلية القلب والسعي في علاجه. ثم توفير بيئة الإيمان لزرع القرآن. وأخيراً يأتي دور التدبر والقراءة المتأنية.

وذلك من معنى قوله تعالى: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ) (ق:37): فالقلب قلبان: قلب جاهز، وقلب يتجهز: بالإنصات وتفريغ الذهن من الشواغل.

التدبر مع الإرادة المنبعثة من قلب خالٍ من العوارض: شبهات وشهوات، هو الذي يطلق طاقة الشعور في ذلك القلب فيعتريه الوجل إذا ذكر الله، وازداد إيماناً بتلاوة القرآن، وانطلقت بقية قواه الكامنة – وأولها التوكل – ففاضت على الجوارح عبادة وطاعة وإخباتاً: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) (الأنفال: 2-4).

وفيما يلي بيان لذلك:

 

أ. إرادة الانتفاع

يقول تعالى: (كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (آل عمران:86). لكنه مع هذا الحكم، الذي يبدو في ظاهره تيئيساً من هداية أمثال هؤلاء، يستثني سبحانه فيقول: (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (آل عمران:89). فمهما بلغ الإنسان من تردٍّ في مهاوي الظلم، يمكنه الخلاص بالإقلاع عنه والتوبة منه متى ما أراد ذلك. ودون الإرادة لا يكون شيء. ولكن الإرادة بداية، تحتاج إلى خطوات تكملها. وهي:

 

ب. تخلية القلْب من القَـبْل

ودون التخلية لا تكون تحلية. ولم أجد كقوله تعالى: (ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ) (البقرة:2) مرشداً لكيفية القراءة النافعة! فالقرآن بذاته هدى، ولكن لصنف خاص من القراء فقط، أولئك هم (المتقون). وهم الذين يقرأون القرآن بنية الانتفاع. وبقلب قابل للانصياع، وهو الخالي مما يفسد أثر التلاوة في محلها القابل لها. فالتقوى لا تكون قبل أن يفرغ العبد قلبَه مما قبلَه.

وهو سوابق الأمراض: شكاً وشبهة، وهوى وشهوة؛ فالعطر لا يزيد الجسم المحمل بالدرن إلا عفونة. وكما قال اللطيف الخبير: (قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آَذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ) (فصلت:44). وقال: (يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ * الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) (البقرة:27،26).

فإذا فرغت قلبك لقراءة كتابه سبحانه، لم يبق إلا أن تقرأه تحقيقاً لمجاهدة نفسك أولاً.. ولجهاد عدوك ثانياً.

 

جـ. توفير بيئة الإيمان لزرع القرآن ( تعلمنا الإيمان قبل القرآن )

فإذا أخليت قلبك من دغل الشبهات ودغش الشهوات، فقد هيأت البيئة الحاضنة للقرآن، ألا وهي الإيمان. فالقرآن نزل للفهم والتأثر والعمل. وما لم تقرأه بهذه النية، وتدعمه بتلك الإرادة لن تنتفع كثيراً به. وقد علم الصحابة y هذه التِّقنية العظيمة الباهرة فعملوا بها وعلموها للأجيال اللاحقة. فعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال حدثنا رسول الله e: (إن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال ثم نزل القرآن فعلموا من القرآن وعلموا من السنة)([1]). قال ابن تيمية: والأمانة هي الإيمان، أنزلها في أصل قلوب الرجال.

ويقول سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنه: (تعلمنا الإيمان ثم تعلمنا القرآن فازددنا إيماناً، وأنتم تتعلمون القرآن ثم تتعلمون الإيمان). وعنه أيضاً: (لقد عشنا برهة من دهرنا وأحدنا يُؤتى الإيمان قبل القرآن، وتنزل السورة على محمد صلى الله عليه و سلم فيتعلمَ حلالها و حرامها، وآمرها و زاجرها ، وما ينبغي أن يقف عنده منها كما تعلمون أنتم اليوم القرآنَ. ثم لقد رأيتُ اليوم رجالاً يؤتي أحدهم القرآن قبل الإيمان فيقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته ما يدري ما آمره ولا زاجره ولا ما ينبغي أن يقف عنده منه، فينثره نثر الدقل)([2]).

ويقول جندب بن عبد الله رضي الله عنه قال: (كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ونحن فتيان حزاورة، فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن ثم تعلمنا القرآن فازددنا به إيماناً فَإِنَّكُمُ الْيَوْمَ تَعَلَّمُونَ الْقُرْآنَ قَبْلَ الْإِيمَانِ)([3]).

وهذا المعنى قريب من قول أمنا عائشة رضي الله عنها: «إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل، فيها ذكر الجنة والنار. حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام. ولو نزل أول شيء: لا تشربوا الخمر لقالوا: لا ندع الخمر أبداً، ولو نزل: لا تزنوا لقالوا: لا ندع الزنا أبداً. لقد نزل بمكة على محمد e وإني لجارية ألعب: (بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر). وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده»([4]).

فما نراه في المساجد ومعاهد العلم الشرعي وجامعاته من الدأب على حفظ رسوم الكتاب وحشو رؤوس الطلبة بالنصوص دون تغذية قلوبهم بالفصوص هو أحد أسباب الضعف في أوساط المتدينين قبل غيرهم. وبروز ظاهرة الشيوخ الذين يغلب عليهم القول دون الفعل، حتى قال أحد الشيوخ الربانيين: إن فقهاء الشريعة أحق الناس بقوله تعالى: (لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ) (الصف:2)!

وقد اطلعت على جملة من تفاسير العلماء لهذا القول الجليل: (تعلمنا الإيمان ثم تعلمنا القرآن فازددنا إيماناً)، فوجدتها تدور على الأسئلة الثلاثة التالية: (ماذا؟ ولماذا؟ وكيف؟).

فإذا أجبت عن هذه الأسئلة كان القرآن الكريم محركاً لمكامن الإيمان فيك، ووسيلة لبلوغ درجة الإحسان منك.

أما ماذا؟ فأن تعلم ماذا تحوز بين يديك؟ وما الذي تقرأ؟! إنه كلام الله جلّ في علاه، أنزله من فوق سمواته، يخاطبك به أنت العبد الصغير القليل! فمن أنت حتى تكون أهلاً لهذه الكرامة؟! أهلاً لأن (تقرأ)! وتقرأ ماذا؟

هلا ذكرت أصلك، ومن أي مادة خلقت؟ وإلى أي شيء تخلقت؟ لقد كنت ذرة تراب، تحولت نطفةً تخلقت علقةً! أتدري ما العلقة؟ دودة تائهة في مياه البرك الراكدة، وحبة دم عالقة بجدار رحم في ظلمة هامدة! فمن أنت لولا كرامة (الأكرم) الذي تكرم عليك بها فنقلك من هذه الدركة الواطئة إلى تلك الدرجة السامية إنساناً قادراً على تلقي العلم من الله، يمسك بالقلم ليكتب ما علمه الله!

هل تخيلت مدى النقلة؟! وهل أدركت عظم الكرامة التي منّ الله بها على علقة حتى صارت إنساناً يجلس بين يدي كتاب الله تعالى أهلاً لقراءته وتدبره وكتابة ما يجود به الرب عليه من فيوضات العلم وأسرار المعرفة؟! هل علمت الآن ماذا؟

وهذا يدخل في قانون رباني لطيف هو (التكامل)، الذي يعني ترابط الكلمات الربانية والأوامر الشرعية، وانتظامها في سلك كلي يجمعها وإن تفرقت - ظاهراً – أجزاؤها، وكثرت تفاصيلها. سيأتي الكلام عنه لاحقاً.

وأما لماذا؟ فلماذا تقرأ؟ ما الغاية من القراءة؟ ولأي شيء أنزل هذا الذي تقرأ؟

إنه للتدبر والتفكر والتأثر، ثم للعمل به: مجاهدةً للنفس أولاً.. وجهاداً للعدو ثانياً، كما قال منزله سبحانه: (فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا) (الفرقان:52).

 

د. القراءة المتدبرة

فإذا علمت ماذا ولماذا، فتعال معاً نتعلم كيف؟ كيف نقرأه القراءة الربانية الخاشعة الواعية؟ وذلك بالقراءة المتأنية المتدبرة، وليس بالهذرمة السريعة المتعجلة، وكأني بصاحبها داخل تحت طائلة قوله تعالى: (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ) (التكاثر:2،1)! وروى الحاكم في المستدرك عن القاسم بن عوف قال: سمعتُ عبد الله بن عمر يقول: "لقد عشنا برهة من دهرنا وأحدنا يُؤتى الإيمان قبل القرآن، وتنزل السورة على محمد صلى الله عليه وسلم فيتعلم حلالها و حرامها، وآمرها وزاجرها، وما ينبغي أن يقف عنده منها كما تعلمون أنتم اليوم القرآنَ، ثم لقد رأيتُ اليوم رجالاً يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان فيقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته ما يدري ما آمره و لا زاجره ولا ما ينبغي أن يقف عنده منه، فينثره نثر الدقل([5])".

إذن فقه المقصود بكلامه سبحانه مقدم على عدد مرات قرآنه. وكما أُثر عن ابْنِ عُمَرَ أيضاً أنه قَالَ: لَقَدْ عِشْنَا بُرْهَةً مِنْ الدَّهْرِ وَإِنَّ أَحَدَنَا يُؤْتَى الْإِيمَانَ قَبْلَ الْقُرْآنِ, وَفِي لَفْظٍ: إنَّا كُنَّا صُدُورَ هَذِهِ الْأُمَّةِ, وَكَانَ الرَّجُلُ مِنْ خِيَارِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ وَصَالِحِيهِمْ مَا يُقِيمُ إلَّا سُورَةً مِنْ الْقُرْآنِ أَوْ شِبْهَ ذَلِكَ, وَكَانَ الْقُرْآنُ ثَقِيلًا عَلَيْهِمْ وَرُزِقُوا عِلْمًا بِهِ وَعَمَلًا, وَإِنَّ آخِرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَخِفُّ عَلَيْهِمْ الْقُرْآنُ حَتَّى يَقْرَأَهُ الصَّبِيُّ وَالْعَجَمِيُّ لَا يَعْلَمُونَ مِنْهُ شَيْئًاً).

ومن أعظم طرق القراءة نفعاً أن تقرأ القرآن الكريم قراءة موضوعية تحاول بها معرفة الربط بين السورة والسورة والآية والآية ومحور السورة وعلاقة الآيات به، طبقاً لما صار يعرف بـ(التفسير الموضوعي). فالنظر إلى الكون والأشياء والمعاني جزئياً غيره حين تنظر إليها كلياً؛ ففي الحالة الأولى ترى المعاني ومفردات الجمال موزعة، وهنا ترى صورة جميلة مكتملة، وتكتشف معاني وأسراراً فاعلة؛ لأن اجتماع الأشياء يؤدي إلى كمالها فتتكامل معنوياً وحسياً وجمالياً، وبترابطها تولد علاقات وقوانين جديدة أعمق وأجمل وأكثر فاعلية. وسيأتي مزيد بحث لهذا عند الكلام عن (النظر في آيات الأكوان)؛ لأنه داخل في إطار قانون كوني رائع نسميه (قانون الكلية).

 


[1]- متفق عليه.

[2]- أخرجه الحاكم والبيهقي بسند صحيح.

[3]- رواه الطبراني في (الكبير)، والبخاري في (التاريخ الكبير) والخلال في (السنة)، وغيرهم. وصححه الألباني وغيره. والحزاورة جمع حَزْوَر وهو الغلام إذا قارب البلوغ.

[4]- متفق عليه.

[5]- الدَّقَل: رديء التمر ويابسه.

Add a comment

( 3 )

 

الإيمان والنصرة

 

 

يقول تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آَتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ * فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ(آل عمران:82،81). فالدين الحق ما جمع بين ركنين: الإيمان والنصرة. ولهذا قال سبحانه بعدها: (أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ) (آل عمران:83) ثم قال: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (آل عمران:85). ويقول تعالى في موضع آخر: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) (الحجرات:15)؛ فالإيمان هو الإيمان بالله ورسوله مع اليقين، والنصرة هي الجهاد بالمال والنفس. ولا يكون المرء صادقاً في دعواه الإيمان ما لم يجمع بين الإيمان والجهاد أو الإيمان والنصرة. ولهذا سفه الله تعالى دعوى الأعراب الإيمان فقال قبلها مباشرة: (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (الحجرات:14). ثم قال منكراً عليهم بشدة: (قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (الحجرات:16). وفي الآيات دليل على أن من كان كذلك فليس بكافر، وإنما هو مسلم لم يرتق إلى مرتبة الإيمان؛ ولولا ذلك ما قبلت أعمال الأعراب: (وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا).

والجمع بين الإيمان والنصرة هو الدين الذي يصلح به شأن الدنيا والآخرة. وبه لا بغيره تقوم دولة الإسلام، ويعز أهلها، وتقمع دولة الكفر ويذل أهلها. والفصل بينهما هو الذي سلب من شيخ الدين قابلية القيادة، وحرمه من التحقق بصفة القائد؛ فإن من أخذ الدين (إيماناً) ولم يأخذه (نصرة) لا يجد نفسه في حاجة إلى معاناة العمل الذي ينهض بالمجتمع. وذلك هو الشطر الأصعب من الدين، الذي يستدعي التفكير العميق لوضع الفكرة وتعيين الهوية وتحديد الأهداف ورسم الخطط وتهيئة الموارد وإعداد العاملين وتحشيد الأتباع وكسب المؤيدين.

لهذا يجنح معظم المتدينين - وعلى رأسهم الخطباء - إلى الاهتمام بشطر (الإيمان)، ومن جانبه السهل المتيسر. وهذا في الأعم الأغلب لا يحتاج لأكثر من المواعظ والكلام؛ فكانوا يقولون ما لا يفعلون! بل كانوا – إلا من رحم - أولى الناس بقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ) (الصف:3،2)! والسبب أنهم اقتسموا الدين وقسموه فولوا وجوههم شطر (الإيمان) وأداروا ظهورهم لشطر (النصرة). ثم كروا على ما تبقى فشطروه صنفين، أخذوا منهما ما لا يزعج الطرف الشيعي؛ فأخذوا من التوحيد – مثلاً – عمومياته، وتغاضوا عن إنكار شركهم وأباطيلهم، والنكير على طقوسهم وعباداتهم، وخرسوا فلم يتهموهم قط بما يحصل للسنة من فظائع. وغاية ما يقولونه – عند الاضطرار – أن يرموا بمسؤولية ذلك على المليشيات وأمثالها.

كم شهدت ساحات الاعتصام طوال سنة 2013 من خطبة عصماء وخطيب مِصقَع! تدوي تكبيراتهم في ذلك اليباب كأنها قذائف المدافع! يعدون الوعود وينثرون البشارات. وإذا تحققت من حقيقة هذه الخطب المدوية فإنك لا تجد لقائلها بعد أن يغادر المنصة من خطة عمل وجهد يبذل بناء عليها يحقق ما قاله أو يتناسب معه. لقد عودتهم المناهج العلمية العرجاء أن يقولوا ولا يفعلوا؛ لأنها فصلت بين الإيمان والنصرة، بين الإيمان والجهاد.

Add a comment

ثانياً : النظر في آيات الأكوان

 

 

مع النظر في آيات القرآن (وهو الكتاب المسطور) يحتاج المؤمن إلى النظر والتمعن في آيات الأكوان (وهو الكتاب المنظور)، وكما أننا بحاجة إلى تعلم الكيفية التي بها ننتفع من تلك الآيات، فنحن بحاجة أيضاً إلى تعلم الكيفية التي بها ننتفع من هذه الآيات.

 

1. إطلاق طاقة التفكر والتدبر في آيات الأكوان

إن النظر المجرد إلى عجائب الخلق يقود الناظر إلى ربوبية الخالق وعظمتها، وأنه لا بد وراء هذا الخلق من خالق يستحق الحمد والثناء والعبادة والدعاء قلباً ولساناً وبدناً وكياناً.

لكننا في حاجة إلى ما هو أبعد من ذلك كي نحقق إسلامنا. النظر الرابط بين آيات الأكوان وآيات القرآن؛ فبهذه ينتقل الإنسان من دائرة الإيمان العام إلى دائرة الإيمان الخاص الذي هو الإسلام، وبه دون سواه تكون النجاة من النار.

لقد توفر – بفضل العلماء والباحثين – تحت أيدينا من هذه الكشوفات الكثير الكثير، بحيث لا يمكن لأحد أن يطلع على بعضها وتبقى في نفسه فضلة من شك في أن هذا الكتاب منزل من عند الله!ومن أعظم ما يحقق هذا الربط هو النظر في كشوفات العلم الحديث، التي تضمّنها القرآن بصورة لا تقبل الشك.

تأمل البرزخ الذي ذكره القرآن بين كل بحر وبحر، وكيف ثبت وجوده علمياً بصورة قطعية، مع أنه خفي لا يمكن إدراكه بالبصر أو الوسائل المتوفرة. فيستحيل على بشر في زمن تنزل القرآن أن يعلم عن شيء غير منظور يفصل بين بحر وبحر بحيث يحفظ لكل بحر خصاصه دون أن يبغي واحد على آخر فيغير من تلك الخصائص لصالحه! فليس عجيباً أن يؤمن بسبب ذلك عالم البحار الفرنسي الشهير جاك كوستو!

ومن أشهر العلماء الذين اهتموا بهذا الموضوع الشيخ اليماني عبد المجيد الزنداني. استمعت قبل ربع قرن إلى محاضرة له مصورة عن الإعجاز العلمي في قوله تبارك وتعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ) (الحج:73). إذ حاول علماء الغرب أن يخلقوا خلية حية من خلال العمل على المادة الوراثية المعروفة بالـ(DNA)، فوجدوا أن أفضل حيوان تتم دراسته وإجراء التجارب عليه هو ذبابة الفاكهة، فكانت المحاولة أن يجربوا تخليق أصل ذبابة الفاكهة. والنتيجة أنهم أعلنوا عجزهم التام بسبب أنهم لم يتجاوزوا عتبة صنع مادة كيميائية ميتة، وتوقفوا عند هذا الحد؛ لأنهم وجودوا أن الحياة شيء آخر فوق المادة!

وهنا علق الشيخ الزنداني قائلاً: فمن أخبر محمداً صلى الله عليه وسلم أن التجربة ستجري على الذباب؟!!! فتاقت نفسي في تلك اللحظة إلى السجود على الأرض إعجاباً وتعظيماً! نعم.. (مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) (الحج74).

 

جوانب إعجاز القرآن

التعرف على جوانب إعجاز القرآن الكريم، أو بعضها، يمنح المسلم اليقين الذي هو أساس الإيمان والاطمئنان. ومن أطيب ثماره الثبات في المحن والشدائد، مع الأجر العظيم، وزيادة الهدى على الصراط المستقيم، كما قال تعالى: (وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا * وَإِذًا لَآَتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا * وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا* ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا) (النساء:66-70).

وجوانب الإعجاز متعددة يصعب إحصاؤها، وعلى قدر علم المسلم وسعة عقله يمكنه استيعاب هذه الجوانب والاستفادة منها.

القرآن الكريم نفسه بنفسه معجز: معجز في لغته وصياغاته، وفي نسجه وترتيبه، ومعجز في علمه ومضمونه، وحججه وبراهينه. كما أنه معجز في لوازمه ومتعلقاته، وأهمها الآثار العظيمة التي ظهرت في المجتمع على مستوى الجزيرة وما حولها والعالم كله.

خذ مثلاً جمع القرآن في قلب النبي صلى الله عليه وسلم. فمن المعلوم صعوبة حفظ القرآن وشدة تفلته من قلب حافظه دون تعهده المستمر بالقراءة والمراجعة، فكيف تم ذلك لشخص منهي أصلاً عن مراجعته وتحريك لسانه به؟ فضلاً عن استغناء القرآن عن المراجعة للتصحيح والتعديل الذي من المستحيل استغناء أي كتاب عنه؛ إذ لم يوجد ولن يوجد كتاب تكون نسخته الأولى هي الأخيرة مع توفر عنصر الأرقى والأكمل المطلق! لهذا قرن الله تعالى معجزة الجمع هذه بمعجزة جمع العظام للإحياء، ومعجزة جمع الشمس والقمر للخسوف. فقال سبحانه: (أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ * بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ) (القيامة:3،4)، وقال عن الثانية: (وَخَسَفَ الْقَمَرُ * وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ) (القيامة:8،9)، وقال عن الثالثة: (لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ) (القيامة:16-18). إن معجزة جمع القرآن في قلب النبي صلى الله عليه وسلم ظهرت في وقت تنزله مع استحالتها لغيره. ومعجزة معرفة حدوث الخسوف باجتماع الشمس والقمر مع الأرض في خط واحد ظهرت بعد ذلك بعدة قرون، فلم يبق إلا جمع عظام الموتى وقيامهم من الموت للحساب، فهل من دليل على تحققها مستقبلاً؟ والجواب أن الذي وعد بمعجزة الحفظ فتحققت، وأخبر بالكيفية العلمية لحدوث ظاهرة الخسوف فثبتت، هو نفسه الذي أخبر بإحياء الموتى. فتحقق معجزتين من قبله دليل قطعي على تحقق المعجزة الثالثة!

القرآن العظيم إذن معجز بذاته لذاته، ويثبت نفسه بنفسه.

التحديات من أعظم جوانب الإعجاز، وأولها وروداً في القرآن الكريم، وهذه إشارة إلى أهميتها وتقدمها، تحدي العرب بأن يأتوا بسورة واحدة من مثل سور القرآن! سورة ولو بقدر سورة (الكوثر)، لكنهم عجزوا! فقال سبحانه: (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ) (البقرة:24،23).

الإخبار بالغيب جانب آخر، ومنه أمور غيبية بعيدة التصديق وعد القرآن بوقوعها، مثل غلبة الروم على الفرس في بضع سنين، وقد راهن رجال قريش أبا بكر الصديق على مئة ناقة! وهذا دليل واضح على استبعادهم الجازم أن يكون مثل هذا في مثل هذه الفترة الزمنية القصيرة، بعد غلبة فارس للروم غلبة وصلوا بها إلى القسطنطينية. وراهنهم الصديق فكسب الرهان إيماناً بقوله جل جلاله: (الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (الروم:1-6). ويستحيل على عاقل أن يعد بهذا جازماً فيعرض دعواه إلى خطر التكذيب لولا أن الوعد نازل من العليم الخبير!

ومن إخبارات الغيب العجيبة إخبار القرآن الكريم بعدم وقوع أمور من السهل جداً أن تقع لا سيما مع التحدي بعدم ذلك، ومع ذلك لم يجرؤ أحد من المكذبين على الاستجابة للتحدي بمثله. هذا والاستجابة في متناول اليد وسهلة جداً، ونتيجتها إثبات كذب الدعوى بكل وضوح وزوال القضية من أساسها. فهل هناك شيء يغري أكثر من هذا؟ ولكن جبن الجميع بلا استثاء عن التحدي. من ذلك ما جاء في قوله تعالى مخاطباً اليهود: (قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ) (الجمعة:7،6)! من يستطيع الجزم كهذا الجزم غير الله جلّ في علاه؟!

وشبيه به الجزم بعدم إيمان مجموعة من الكفار كأبي لهب وامرأته وأبي جهل والوليد، والشهادةلهمبالناروسوءالمصير. والسكوت عن آخرين آمنوا بأخرة – كأبي سفيان وخالد بن الوليد - آذوا الإسلام والمسلمين أكثر من بعض أولئك! ولولا أن الأمر نازل من السماء ما كان ذلك كذلك بهذه الدقة من الفصل بين الفريقين، بل لحصل الخلط فكانت الفضيحة!

Add a comment

( 4 )

 

التنمية الذاتية للإيمان

 

2155118189

يعتمد جمهور الناس: عامةً ونخبة في معرفة دينهم وتزكية أنفسهم على إمام المسجد وخطيبه في أغلب الأحوال، لا سيما يوم الجمعة إذ يؤدون صلاتها ويستمعون إلى خطبتها. وقلما يحظى المصلون بخطيب مِصقع يلامس بكلماته القلوب فتجلُ بذكر الله وتخشع، ويزداد بتلاوة آياته إيمانهم فيربو ويتجدد، وتنشط جوارحهم وأبدانهم للعمل. وإن حصلوا في بعض الأحيان على مثل هذا الخطيب الذي يهز القلوب وينفض ما علق فيها من درن، فإنما هي موعظة ساعة، سرعان ما تدرج في أكفان الحياة ومعاناتها.

وهذا أحد أسباب ضعف الإيمان في المجتمع.

 

بدل أن تمنحني وردة علمني كيف أغرس شجرتها

إيمان جمهورنا إذن يستورد من الخارج بالتلقين والحث، وليس من الداخل بالحوار الفاعل بين الوحي والأفق والنفس. بينما الحكمة تقول: بدل أن تمنحني وردة علمني كيف أغرس شجرتها. وفي طلب المؤمنين الهداية من الله في آخر سورة (الفاتحة): (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) (الفاتحة:6)، وجوابه تعالى لهم في أول سورة (البقرة) قائلاً: (ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ) (البقرة:2) إشارة إلى أن الهداية لا تمنح من الخارج منحة حتى لو كان المانح هو الله الذي هو على كل شيء قدير! ما لم تصنع من الداخل صناعة قوامها العبد الراجي والكتاب الهادي، فدونكم هذا الكتاب فخذوا بما فيه هدىً للمتقين العاملين لا لغيرهم.

كيف يمكن أن ينمي المسلم إيمانه ذاتياً، ويرعاه بنفسه، ويزكيه دون الاعتماد بصورة أساسية على حث الآخرين وموعظتهم وتأثيرهم؟

فيما يلي بعض الوسائل التي جربناها فوجدناها نافعة بإذن الله تعالى:

 

أولاً : النظر في آيات القرآن

 

1. إطلاق طاقة التدبر والتفكر

 

21551181819

أمر الله تعالى عباده بتدبر معاني القرآن الكريم فقال: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) (ص:29). وهذا الخطاب يستغرق كل مسلم دون استثناء إلا الأبله والمجنون وأمثالهم. ولهذا عمّ بالذم المعرضين عن التدبر والمعطلين لآلة التفكر في آيات القرآن فقال: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) (محمد:24)، وقال: (وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا) (الفرقان:73)، ثم قال بعدها مباشرة: (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا) (الفرقان:74). فصاحب العقل التقبلي الجامد والفهم التقليدي الراكد لا يكون قائداً لا في بيته ولا مجتمعه. إنما ذلك الرِّبِّي الذي يقرأ كتابه قراءة ربانية تحقق قوله تعالى الذي هو أول كلمة طرقت سمع النبي e: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) (العلق:1). اقرأ.. ولكن باسم ربك.. وتحسس كلمة (اسم) من حيث لفظها وجرْسها! أولها (همز) هو أول حروف المعاني ولكنههمز وصل يصلك بربك. وآخرها (ميم) تجمع له شفتيك كما تفعل حين تقول (اللهمَّ) فتجمع به كل أسماء الربوبية. ووسطها (سين) تطرد به كل وساوس الشياطين!

إذن كانت القراءة الربانية حاضرة مع القرآن منذ أول لحظة.. منذ أول لفظة! فما هي معالم هذه القراءة؟

 

أ. الافتقار إلى مدد القهار

أول وأعظم ما يستعان به على تدبر كتاب الله تعالى اللجوء إليه، والانطراح بين يديه، وطرح بساط الافتقار إليه، ودعاؤه والإلحاح في طلب العلم وفتح مغاليق الفهم.

ويتم ذلك بشيئين: دعاء وعمل.

وفي سورة الفاتحة صورة رائعة لذلك؛ فلما دعا العبد ربه: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (الفاتحة:6)، جاءت الاستجابة مباشرة: (ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ) (البقرة:2): "اهدنا، هدى". أي من أراد الهداية فهذا الكتاب دونكموه.. اقرأوه وافقهوه، واعملوا به.

وفي صراط الذين أنعم الله عليهم بيان وائتساء. فهذا شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله – على سيلان ذهنه وسعة علمه وجلالة قدره - يقول ربما طالعت على الآية الواحدة نحو مئة تفسير ثم أسأل الله الفهم وأقول: يا معلم آدم وإبراهيم علمني. وكنت أذهب إلى المساجد المهجورة ونحوها وأمرغ وجهي في التراب وأسأل الله تعالى وأقول: يا معلم إبراهيم علمني، يا مفهم سليمان فهمني.

يقول تلميذه ابن القيم: وكان شيخنا كثير الدعاء بذلك. وكان إذا أشكلت عليه المسائل يقول: يا مُعَلِّم إبراهيم عَلِّمْنِي، ويُكْثِر الاستعانة بذلك اقتداءً بمعاذ بن جبل t، حيث قال لِمَالِك بن يَخامر السكسكي عند موته، وقد رآه يبكي، فقال: والله ما أبكي على دُنيا كنت أُصِيبها منك، ولكن أبكي على العلم والإيمان اللذين كنت أتعلمهما منك. فقال معاذ بن جبل t: إن العلم والإيمان مكانهما مَن ابتغاهما وَجدهما؛ اطْلُب العِلْم عند أربعة: عند عويمر أبي الدرداء، وعند عبد الله بن مسعود، وأبي موسى الأشعري، وذَكَر الرابع، فإن عَجِز عنه هؤلاء فسائر أهل الأرض عنه أعْجَز، فعليك بِمُعَلِّم إبراهيم صلوات الله عليه.

 

ب. قراءة ربانية تجمع بين العلم والعبادة والقضية

لنبدأ مع رحلة الوحي من أولها.

كانت سورة (العلق) أول سورة تطرق سمع النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت أول كلمة فيها هي كلمة (اقرَأْ)! بينما كانت (اسْجُدْ وَاقْتَرِبْ) آخر كلمة فيها. وبين (اقرَأْ) و (اسْجُدْ) توسطت (أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّى)؛ فلم يتم الانتقال من القراءة والعلم إلى السجود والعبادة إلا عبر الاهتمام بالعدو، وبهذا الهم تولد القضية.

والقراءة (بِاسْمِ رَبِّكَ)، فهي قراءة ربانية تجمع بين أمرين: الخشوع والوعي. فهي من ناحية متعلقة بجناب الرب جل في علاه تلهج باسمه (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ)، ومن ناحية تتجول في رحاب الكون تتفكر في آيات مبدعه (الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ)، وتكر على خبايا النفس تتعرف على جوانب قوتها وضعفها (كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى)، ثم ترجع أخيراً إلى ربها: (إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى)، تستعين به على عدوها (الَّذِي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّى)! وتؤمن بأن عاقبته سيئة (كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعَنْ بِالنَّاصِيَةِ)، وتختم جولتها بطاعة ربها والاستمداد منه وحده، مستعلية على طاعة عدوه، لتنتهي بالسجود بين يديه متقربة إليه (كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ).

إن القراءة الربانية لا تؤتي أُكلها من العلم بالتفكر وزيادته بالتدبر وثمرته بالخشوع وغايته بالعمل إلا للعاملين المجاهدين، الذين يعانون تصاريف الحياة في سبيل قضية ربانية سامية. فيكتشفون دوماً معاني جديدة للآيات فاعلة مؤثرة تتعشق حاجاتهم، وتلامس أطراف مشاعرهم لتنزل معها نحو الأعماق، فتلهج الألسن بالدعاء، وتتحرك القلوب للالتجاء، وتتندى العيون بالخشوع، وتبرق بالأمل المطمئن بالإيواء إلى ركن شديد. وإن ابتعاد الناس عن العمل بمستحقات القضية خوفاً من تبعاتها، وجنوحهم إلى الأعمال الفردية رغبة في سلامتها أحد الأسباب الكبرى في تحول قراءتهم للقرآن العظيم إلى قراءة تقوم على التكاثر والهذرمة، غايتها عدد المرات التي يختم المسلم فيها القرآن أكثر من التوقف للتفكر والتدبر من أجل زيادة العلم وإحسان العمل. ومن جرّب عرف!

 

قراءة تبدأ بالعلم وتثني بالخلُق وتتوسط بالعبادة وتتكلل القضية

عندما تتفكر في سر تسلسل السور الأربع الأول نزولاً في القرآن الكريم: (العلق ثم القلم ثم المزمِّل ثم المدثِّر) يمكنك الوصول إلى ما يلي:

إذا اعتبرنا أن تربية الوحي للإنسان وإعداده للخلافة الربانية قد بدأت من العلم فأمرته بالقراءة في سورة (العلق)، فإن مسيرة هذه التربية كانت خطوتها الثانية تعظيم الخُلُق في سورة (القلم) بعد التأكيد على سمو منزلة العلم حين أقسم بالقلم فقال سبحانه: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (القلم:4). ثم ذكر نواقض وخوارم الخلق في جولة سريعة استغرقت (8) آيات ابتدأت بقوله تعالى: (فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ) (القلم:8) وانتهت بقوله: (إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ) (القلم:15).

الخلُق إذن هو المطلوب الثاني في عملية التربية الربانية قبل الانتقال إلى المطلوب الثالث، ألا وهو العبادة بالصلاة وتلاوة القرآن في سورة (المزمل): (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا) (المزمل:1-4).

لماذا كل هذا: العلم والخلق والعبادة؟ هل من أمر آخر تنتهي عنده كل هذه الأمور؟ أم لا شيء بعد ذلك؟ فالعبادة المجردة هي المطلوب النهائي؟

ويأتي الجواب من النص نفسه: (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا) (المزمل:5)، والآية جملة سببية للجملة السابقة لها؛ فالجملة بعد الجملة إما تفسيرية أو سببية. أي افعل هذا كله استعداداً لأمر ثقيل سنلقيه عليك لما يحن وقت إلقائه بعد، فهيئ نفسك بالعلم والخلق والعبادة لاستقباله!

وتأتي السورة الرابعة لتفصح عن هذا القول الثقيل، وثقل القول إنما هو بثقل ما فيه من أمر، وعاقبته من نصر، وجزائه من أجر، فقال تعالى: (يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ) (المدثر:2). هنا انتقل العبد العالم العابد ذو الخلق العظيم من مجال العلاقة بين العبد والرب إلى العلاقة بين العبد والخَلْق، فصار يكابد هم مجتمع عليه أن يقوم بإنذاره وتخويفه من المصير السيئ الذي يتربص به. أي صار يحمل هم قضية، وذلك هو الجهاد الذي يبدأ بالإنذار وينتهي بالقتال. فاكتملت الدائرة وتمت العبادة بمعناها الشامل. وزال الإشكال الذي يمكن أن يرد على قولنا بأن العبادة ليست هي نهاية المراحل، إنما ذلك هو الجهاد الذي هو ذروة سنام الإسلام، مع أن الله تعالى يقول: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (الذاريات:56). إذ العبادة لا تتم إلا بالجهاد، وما قبله عدة وزاد.

Add a comment

2. إطلاق طاقة الشعور والتأثر بالأشياء

 

 

الشعور بالشيء زائد على وجوده. وبعدم الشعور يتساوى وجود الأشياء وعدمها.

كم من نعمة يَسبح العبد بنعيمها لا حسَّ لها في ذاته، ولا أثر في واقعه؛ بسبب من عدم الشعور بها! وكم ممن يردد ويقول: ما الذي أعطاني الله؟ وهو غارق في عطاياه!

الإحساس أساس النعمة، فلا نعمة بلا إحساس، كما أنه لا بناء بلا أساس.

ها أنت في طريق تكتنفه المروج والأشجار، وتتخلله الأنهار والأوراد والثمار، وتصدح في فضائه الطيور والعصافير. وتنظر فتجد من معك غارقين في نقاش، أو مطرقين لا يأبهون بهذا (الكرنفال) الذي أقامت الطبيعة بأمر ربها سرادقه لهم، فكأنها وكأنهم رسول ودود لا يواجهه قومه بسوى الإعراض والجحود!

صحيح أن تكرر الأشياء على الحس يؤدي إلى حالة من الإدمان تضعف حاسية تذوقها، والإحساس المستمر بجاذبيتها وسحر جمالها. لكن العمل على تجديد الشعور بوجودها وشحذ الإحساس بجمالها يعالج تلك الحالة، كما تُشحذ السكين بالمِسَن فتعود كما كانت.

 

الوردة و .. الكلمة !

ويختلف الناس في التفاعل مع محركات الإحساس.

لو سألتني لقلت لك: لذتي من الوجود اثنتان، هما عندي أجمل ما فيه: الوردة والكلمة. سبحان الخالق! لا أكاد أشبع من رِياهما، ولا ينقضي عجبي منهما ومن نجواهما!

كم يثيرني الورد فيخلب لبي بأشكاله وألوانه! وتغزوني الكلمة فتسلب قلبي بصورها وتعابيرها! حتى إنني لأذكر الجنة فلا أرى إلا روضاً من الورود على امتداد الوجود. وأتخيل الحوراء فلا يسبق لذهني سوى منظر وردة حمراء أو بيضاء! وكثيراً ما طرَّيتُ عطوره بأشجان ناظري، وطرّبتُ أوراقه بمكنونات محاجري.

وما من مرة رأيت الورد إلا وكدت أُصرع..! وإلا سرحت بخيالي فأخذني إلى الجنة، فرأيت قصوراً تتلألأ، ورياضاً تتماوج فيها الورود على مد البصر! ولم أسمع كلمة مشحونة بالصورة والمعاني والشجن إلا كدت أصرخ أو أُصعق، ولكن الحياء يمنعني فيخرسني ويمسكني. وفي الحال ينتقل بي الخيال إلى الجنة، فأتمتم مشتاقاً مبهوراً.

تأملوا هذه التشكيلة الرائعة من المعاني والصور كيف أُودعت هذه الكلمة التي قالها الإمام البنا رحمه الله وكتبها بذوب قلبه وعصارة فكره: "ألجموا نزوات العواطف بنظرات العقول، وأنيروا أشعة العقول بلهب العواطف. وألزموا الخيال صدق الحقيقة والواقع، واكتشفوا الحقائق في أضواء الخيال الزاهية البراقة. ولا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة. ولا تصادموا نواميس الكون فإنها غلابة. ولكن غالبوها واستخدموها وحولوا تيارها واستعينوا ببعضها على بعض، وترقبوا ساعة النصر وما هي منكم ببعيد"!

ما هذه الروعة؟!

والناس أشكال وأذواق. فهذا يثيره الليل البهيم، وذلك يسحره القمر الباسم. وآخر يفتنه الفجر بشفقه، ورابع يهيم بالغروب وغسقه. ومصادر الجمال ومثيرات الشعور لا تنتهي: الطير والشجر، والبحر والنهر. وهناك السحب والغيوم في الأعالي، لا سيما لحظات تدفق الودق من خلاله، واندلاق البرَد من سلاله، والأشجار ترتعش من القُر، والنخيل ترتعد وسط الريح، والبحر يموج، والشراع يلوّح من بعيد يعلو ويهبط، والطير أوت إلى أعشاشها (كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ) (النور:41).

 

21551889

 

أنت شيء فتنبه

يقول تعالى: (وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ) (الذاريات:20،21). ويقول: (سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) (فصلت:53). فانظر إلى ما أسبغ الله عليك من نعم، وما جعل في نفسك من آيات وحكم. كم فيك من عناصر الجمال ظاهرة وباطنة، مادية ومعنوية؛ بل لا أبالغ إذا قلت: أنت أجمل ما في الكون! استشعر ذلك واشكره وزكه ونمه. وكن جميلاً في مظهرك فذلك شيء يحبه الله جل في علاه. وفي منطقك وتعبيرك: لساناً جسداً.

والشعور مطلوب من الجانب الآخر، وهو جانب الخلل، فينظر إلى جوانب الاختلال في النفس كما ينظر إلى جوانب الكمال والجمال: فجمود العين، وقساوة القلب، واسترسال الجوارح بالمعاصي، واستصغار محقرات الذنوب، يحتاج من العبد إلى التفات قبل الفوات، وإلا كانت الهلكة. كما أسرع أبونا آدم u بالإياب إلى الجناب، ولم يضيع الفرصة بالجدل وشطط القول بعد سوء العمل.

ومما يروى في كتب الرقائق أن أحد أحبار بني إسرائيل دعا ربه فقال: يا رب كم أعصيك ولا تعاقبني! فأوحى الله إلى نبي من الأنبياء أن يقول له: "كم أعاقبك وأنت لا تدري، أليس قد حرمتك لذيذ مناجاتي"؟!

يقول ابن عطاء السكندراني: "من جهلِ المريد أن يسيء الأدب؛ فتؤخر العقوبة عنه، فيقول: لو كان هذا سوء أدب لقطع الإمداد، وأوجب الإبعاد. فقد يقطع المدد عنه من حيث لا يشعر، ولو لم يكن إلا منع المزيد. وقد يقام مقام البعد وهو لا يدري، ولو لم يكن إلا أن يخليك وما تريد".

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (إِنَّ العَبْدَ إِذَا أَخْطَأَ خَطِيئَةً نُكِتَتْ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، فَإِذَا هُوَ نَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ وَتَابَ صُقِلَ قَلْبُهُ، وَإِنْ عَادَ زِيدَ فِيهَا حَتَّى تَعْلُوَ قَلْبَهُ، وَهُوَ الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ "كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ")([1]).

والمخلصون يحذرون اللمم كما يحذرون الذنوب الكبار، ولا يتبعون خطوات الشيطان كي لا يقتربوا من لهب الخطايا، ولا يستصغرون من المعاصي شيئًا. فقد روى الترمذي عن سَهْل بْن سَعْد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ فَإِنَّمَا مَثَلُ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ كَمَثَلِ قَوْمٍ نَزَلُوا بَطْنَ وَادٍ فَجَاءَ ذَا بِعُودٍ وَجَاءَ ذَا بِعُودٍ حَتَّى جَمَعُوا مَا أَنْضَجُوا بِهِ خُبْزَهُمْ, وَإِنَّ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ مَتَى يُؤْخَذُ بِهَا صَاحِبُهَا تُهْلِكُهُ)([2]).

ويقول الفضيل بن عياض: "بقدر ما يصغر الذنب عندك يعظم عند الله، وبقدر ما يعظم عندك يصغر عند الله".

ويقول أنس بن مالك رضي الله عنه: "إنكم لتعملون أعمالاً هي أدق في أعينكم من الشعر، كنا نعدها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهلكات".

ويقول هلال بن سعد: "لا تنظر إلى صغر الخطيئة، ولكن انظر إلى مَنْ عصيت".

ولما حضرت ابن المنكدر الوفاة بكى، فقيل له: ما يبكيك؟!، قال: "والله ما أبكي لذنبٍ أعلم أني أتيته، ولكن أخاف أني أتيت شيئًا حسبته هينًا وهو عند الله عظيم".

 


[1]- رواه الترمذي وغيره وقال: حسن صحيح، وحسنه الألباني.

[2]- قال ابن حجر: أَخْرَجَهُ أَحْمَد بِسَنَدٍ حَسَنٍ, وَنَحْوه عِنْد أَحْمَد وَالطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيث اِبْن مَسْعُود, وَعِنْد النَّسَائِيِّ وَابْن مَاجَهْ عَنْ عَائِشَة أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهَا: (يَا عَائِشَة إِيَّاكِ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوب فَإِنَّ لَهَا مِنْ اللَّه طَالِبًا) وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّان.

Add a comment

مجموعات فرعية

primi sui motori con e-max.it