8- نظرات في القيادة

نظرات في القيادة

 

هذه خطوط عريضة، ونظرات مختصرة عميقة، مستفادة من الخبرة الذاتية، بما فيها من تجربة وتأمل، وقراءة واطلاع وتدبر. وددت تقييدها كمعالم ظاهرة، وعناوين بارزة في أدبيات القيادة. تاركاً تفاصيل الموضوع للقسم الثاني من المشروع، وهو البرنامج. منطلقاً من القاعدة التالية:

  • • أزمتنا أزمة هوية، وأزمة قيادة. فأمة بلا هوية واضحة أمة غائبة.. وأمة بلا قيادة ناجحة أمة خائبة.

القيادة

 

تعريف القيادة والإدارة

  • • القيادة هي القابلية على حشد الطاقات وجذب الأتباع وتحريكهم باتجاه الهدف.
  • • والإدارة تنفيذ تفاصيل العمل.
  • • تهتم القيادة بالكليات (اختيار العمل الصحيح)، بينما تهتم الإدارة بالجزئيات والتفاصيل (اختيار الطريقة الصحيحة للعمل)([1]).
  • • القيادة تركز على العاطفة؛ فالقائد يشحذ الهمم ويحفز القوى ويجذب الأتباع ويحشدهم، بينما الإدارة تركز على المنطق؛ فالمدير يخطط وينفذ وينظم ويوجه ويراقب ويشرف([2]).
  • • تشترك الإدارة مع القيادة في تحديد الهدف والتخطيط والتنظيم والتوجيه والرقابة والإشراف([3]).
  • • لو شبهنا المشروع بسفينة مبحرة في محيط، فالقائد هو الربان الذي يمسك بدفتها، ويحدد هدفها وخط سيرها، والمدير هو الذي يقوم بتنفيذ تفاصيل الأوامر التي تحافظ على سير وحركة السفينة وصيانتها، وتوفير لوازم العيش والراحة لركابها.
  • • القيادة عملية بناء وإعداد شامل تبدأ بالعقيدة والفكر، والنفس والجسد، وتنعكس على السلوك والعمل، وتظهر آثارها في الأنفس وتشرق في الآفاق.
  • قد تكون القيادة فطرية، وهذه تتمثل في قلة من الناس لا تتجاوز الواحد أو الاثنين في المئة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما الناس كالإبل المئة لا تكاد تجد فيها راحلة)([4]). كما أن قلة من الناس لا تصلح للقيادة بحال. وهذا التصنيف يفتح المجال واسعاً للتفاؤل وبذل الجهد لإعداد الجمهور من أجل استخلاص الصالحين منهم للقيادة، ورفد المشروع على الدوام بمزيد من القيادات. وهذا من معاني كون القيادة عملية بناء. ينسحب ذلك على القيادات الفطرية أيضاً، فهي ليست بمنأى عن الحاجة للتهذيب والترصين والنقاش في الوسائل والأساليب، والبحث الدائم عن الفكرة المبدعة التي تنتج العمل الأوفق والأكثر إنتاجاً والأسرع حركة باتجاه الهدف.

 

مهام القيادة

- إثارة الهمم وتحريكها، والتحكم في حجم ومدى الحركة الناتجة، والسير بها نحو الهدف الكبير أو العام.

- حسن توزيع المهام وتقسيم الأدوار على منظومة القيادة والإدارة.

- غرس الثقة والأمل في النفوس.

- إعداد القادة: بالبحث المستمر عن العناصر القيادية، واكتشافها، وتهيئتها لرفد المؤسسة بأجيال لا تنقطع من قادة المستقبل.

- تحديد هوية المؤسسة بناء على العقيدة أو الفكرة الأساسية من جهة، والتحدي الموجود في الواقع من جهة أُخرى.

- وضع المشروع، بما فيه من تحديد الهدف الكبير والأهداف المرحلية والجزئية، والوسائل والآليات الموصلة، ورسم الخطة، وتهيئة الموارد المادية وكيفية استثمارها. وتطوير القيادات وتنمية القدرات.

- كتابة النظام الداخلي، وتشكيل هيكل القيادة الهرمي، ورسم السياسات العامة وتمثيل المؤسسة أمام الدول والمحافل والجهات الأُخرى في الداخل والخارج.

 

المؤسسة الإدارية

-     يغلب على المؤسسات المتواجدة في الساحة اليوم أنها مؤسسات (إدارية) تقتصر وظيفتها على تسيير الأمور وتمشية الأعمال المشبوحة على خشبة الجدول.

-     اختفت من الساحة، أو كادت، تلك المؤسسات (القيادية) التي تفكر وتطور وتبدع وتتبع مبدأ (التغيير المستمر حفاظاً على الاستمرار الثابت).

 

المنهج القيادي والمنهج الإداري و ... المنهج الارتجالي

المنهج القيادي هو نظر كلي، يتجه إلى الجزئيات من خلال الكليات ليربطها بها، ويستخلصمنكل حركة أو ظاهرة جزئية قانوناً كلياً يحل به إشكالاتها وينمي به طاقاتها. وهذايحتاج منا إلى بيان المنهجية التي بها تُستنبط الأفكار، وتدريب مشاريع القادة عليها. فالمنهج لا يكتمل ولا يثمر دون تعليم المنهجية الكلية للأتباع، وكيف تستنبط الأفكار بالأنظار، وتستخلص الكليات من الجزئيات. انظر – مثلاً بسيطاً - إلى ما فعلته إيران بالأحواز والعراق وسوريا ولبنان واليمن، وتهديداتها لباقي الأقطار: كصورة متكاملة لا مجزأة، تستنتج خطاً كلياً لسير مخطط فارسي إمبراطوري غايته ابتلاع المنطقة. يعتمد هذا المخطط في سيره محوراً نظرياً مزدوجاً يقوم على الهوية الشيعية للاستهلاك الداخلي، ودعوى محاربة الإرهاب للاستهلاك الخارجي. ويعتمد في تنفيذه عملياً على شيعة المنطقة كلها. كما تظهر بوضوح صورة قضية عابرة للأقطار هي (القضية السنية) في مقابل (القضية الشيعية)، وأن الهوية الصحيحة للمعركة هي (الهوية السنية العربية الإسلامية) في مقابل (الهوية الشيعية الفارسية المجوسية). وبذلك يتم اكتشاف زيف (الهوية الوطنية) في الأقطار ذات التركيبة الشيعية السنية، وهشاشتها للصمود أمام المخطط الشيعي، بل وخطورتها!

بذلك نتمكن من (التصنيع) المستمر للجيل القائد داخل المؤسسة. ونحول بين المؤسسة وهيمنة المنهج الإداري عليها، الذي ينظر إلى الكليات من خلال الجزئيات لينفذها طبقاً إليها، أو الانزلاق نحو هوة المنهاج الارتجالي الذي ينظر إلى الجزئيات كخرزات منفصلة عن نظامها أو سلكها.

 

خطورة تحول المؤسسة القيادية إلى منظومة إدارية

القائد من يرجع كل جزئية إلى قانونها الكلي، كي يشمل به جزئيات أُخرى في الواقع، ويكتشف قوانين جديدة للحياة يضيفها إلى رصيده، ويصحح بها قوانين سابقة جزئياً أو كلياً أثبتت التجربة الميدانية حاجتها إلى التصحيح.

والمدير من نظر إلى القانون الكلي ليُفَعّل الجزئيات طبقاً إليه.

ولا قيادة بلا إدارة كما أنه لا إدارة بلا قيادة. فالتلازم بين القيادة والإدارة شرط النجاح.

لكن هنا سراً خافياً لا ينتبه إليه بسهولة، وهو أن القيادة ما لم تنجح في إيجاد إدارة تبقى ظاهرة صوتية، مثلها كمثل منشار بلا أسنان. بينما الإدارة يمكنها العمل والإنتاج بدون قيادة تستحق عنوان القيادة. فيكون لها وجود اجتماعي ذو أثر يجتذب إليها كثيراً من الأتباع اقتناعاً أو انتفاعاً، دون أن يشعروا أن هذا الوجود تقليدي جامد يكرر نفسه في وسط بيئة متغيرة. وعندما تتحول المؤسسة القيادية إلى مؤسسة إدارية تخبو الفكرة النابضة فتضيع البوصلة الموجهة وتنحرف الحركة الناهضة عن الهدف المرسوم.

جميع مؤسساتنا التي تريد الخلاص للسنة، أو تزعم ذلك، مؤسسات إدارية لا نبض فيها ولا روح، إما بفعل طول الأمد أو أنها ولدت وهي فاقدة للطاقة القيادية من الأصل: سواء منها الفكرية والسياسية والقتالية. نعم تؤدي خدمة للمجتمع، ولكن إما خدمة تقليدية كمثل بائع فاكهة داخل سفينة متدهورة في طريقها إلى الحضيض. وإما خدمة ضررها النهائي أكبر من نفعها.

والحل بالعمل على الإنقاذ من خارج السفينة.

أما حال باقي أهل السنة فعملهم عبارة عن ضرب في فراغ.. لا قيادة ولا إدارة. عمل بلا قضية، أو قضية بلا هدف ولا هوية، أو ليست هي القضية الأولى أو المركزية (القضية السنية).

فكثير من سنة العراق - مع أن الشيعة يحتلون أرضهم، ويمسخون دينهم، وينتهكون أعراضهم، ويحرمونهم حقهم في الحياة والفكر والحرية.. ومع كل هذا البلاء - ما زالوا يتوهمون أن قضيتهم الأولى تحرير فلسطين!

لقد عقم الفكر العربي والإسلامي أن يكتشف أن لكل قطر قضيته المركزية، وأنه لا قضية مركزية واحدة ما دامت الأمة متفرقة أقطاراً، وليست موحدة تحت أي نظام للوحدة.

 

معادلة الاستمرارية والتغيير

تقوم معادلة الاستمرارية والتغيير على الأسس التالية:

  • • كل شيء يتغير بمرور الزمن وتعاقب الحدث.
  • • كل وجود يبغي الاستمرار رغم التغير.
  • • كل مؤسسة في حاجة إلى مرونة تحقق الاستمرار والتطور من جهة، والثبات والمحافظة على الهوية الأصلية للمؤسسة من جهة ثانية.
  • • لا بد من التغيير المستمر حفاظاً على الاستمرار الثابت.
  • • الاستمرار والتطور يحتاج إلى التكيف مع المتغير، بتبني سياسة التوازن بين التغيير والاستمرارية*.

سياسة التوازن

  • • من مهام القيادة تبني سياسة التوازن مراعاة لمعادلة الاستمرارية والتغيير.

تقوم سياسة التوازن على الأسس التالية:

أ. العمل المستمر للحصول على المعلومات المستجدة الموثقة*.

ب. السؤال عن أسباب التغيير.

جـ. التعويض المستمر عن النقص في الموارد البشرية والاقتصادية، مع اتباع سياسة التدرج في ذلك التعويض.

د. تقدير ومكافأة العاملين (المبدعين)، والذين يحافظون على تقدم وتحسن مستوى أدائهم*.

هـ. التخلي عن كل ما اعتبر ثابتاً ثم صار مصدراً للضرر، فليس هذا بثابت. إنما هو قيد يعتقل به الإنسان نفسه بنفسه.

 


[1]- مهارات القيادة وصفات القائد، ص6، إعداد أحمد بن عبد المحسن العساف. ملف (وورد) تنزيل من شبكة المعلومات.

[2]- المصدر نفسه، بتصرف.

[3]- المصدر نفسه، بتصرف.

[4]- متفق عليه عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. تذكر بعض مصادر علم الأدارة أن 2٪ من الناس يمتلكون القدرة على القيادة بالفطرة، و2٪ لا يصلحون للقيادة بحال. وأن 96٪ يمكن تدريبهم ليصبحوا قادة.

Add a comment

القائد



القائد الحقيقي هو ذلك الشخص الذي امتلك القدرة أو القابلية على ثلاثة أمور، ولا يغني اثنان منهما عن الثالث:
1.     التأثيرِ في الجمهور
2.     وتحريكِه
3.     وتوجيهه والتحكم بحركته نحو الهدف.
 وما لم يكن القائد مجدداً: يشخص مواطن الخلل، ويضع لها العلاج المناسب، ومبدعاً: يتعامل مع التحديات والأشياء مادية ومعنوية بصيغ مبتكرة تختزل الوقت والجهد، فهو قائد وكيل لا أصيل.



من صفات القائد
•    كل قائد رمز وكل قائد زعيم، ولكن ما كل رمز أو زعيم يصلح للقيادة. ومشكلتنا في الرموز، وعلتنا في الزعماء الذين لا يجيدون القيادة. هؤلاء لا يكتشف الجمهور عجزهم إلا بعد فوات كثير من الأوان، ودفع الثمن مضاعفاً.
•    القائد منتج للأفكار، ويحسن طرح البدائل.
•    الإبداع قرين القائد، أي التفكير والعمل بطريقة غير تقليدية.
•    القائد يدرك بعمق أهمية التجديد لنجاح مشروعه، وبلوغ أهدافه. وليس التجديد الإتيان بجديد بقدر ما هو مناسبة القال والأفعال لمقتضى الحال والمآل. مع معرفة أن المتغير يكاد يكون هو الثابت الوحيد في حياة الإنسان.
•    القائد يحسن الاستماع كما يحسن الكلام. وليس الثرثار بقائد.
•    ومن أهم صفات القائد حفظ السر. فأدب المعلومة أن تعطى على قدر الحاجة، لا على قدر الثقة. كما أنه يحفظ أسرار من هم في دائرة مسؤوليته، ويتعامل معها بحكمة ومسؤولية. هذا والسر أبوابه كثيرة.
•    القائد واعد.. فهو متفائل يخترق نظره حجب ظلام الحاضر إلى أنوار المستقبل من خلال رؤية عناصر النجاح المتوفرة، وهو يصوغ منها مشروعاً رائداً قابلاً للتحقيق.
•    القائد حالم، لكنه واقعي. أو كما قيل: رأسه بين النجوم، لكن قدميه على الأرض.
•    القائد يكبر دائماً؛ فإذا كبر التابع، وبقي (القائد) يراوح في مكانه؛ فلا يلومن غير نفسه. ومن سبقته الأحداث سبقه الأحداث.
•    المؤسسة أو الجماعة التي لا تكبر مع صغارها، صغيرة لا تسع الكبار.
•    إذا تمكنت من قيادة السنة، كنت على قيادة العراق أقدر.

 


وعي القائد
•    القائد رائد: يسبق الحدث بوعيه، فيستشرفه ويعد العدة له. أما الجمهور فعادة ما يعي بعد وقوع الحدث.
•    ليس وعي القائد تنبؤاً بالغيب، وإنما هو استنتاج من ناتج، ونظر في العواقب قياساً على معطيات الواقع*.
•    مع وقوع المتوقع، ينبغي حساب تلك الأشياء المهمة التي تحققت ولم تكن من ضمن التوقعات. فمن طبيعة الإنسان أن يذكر الأشياء التي له، ويتناسى تلك التي عليه. إن الأشياء المهمة والمميزة دائماً ما تكون نتيجة تغيرات في القيم، والمفاهيم والأهداف. وهذه يمكن حسابها بحساب المتغيرات التي تطرأ بالفعل وتحدث في المجتمع، بواسطة دراسة وتحليل البيئة من الملاحظة العميقة، والدراسات الإحصائية للسكان، والمفاهيم الخاصة بهم. واستحضار العوامل الخارجية المؤثرة في المتغيرات ونتائجها الداخلية*.
•    الوعي بـ(قرار رجعي) غير معتبر في قانون القيادة. فمن وجدتم وعيه لا يتأتّى إلا متأخراً، فلا يصلح للقيادة وإن كان زعيماً مقدماً.
•    الزعامات التقليدية، أو المؤدلجة، أو التي تسيرها حاكمية المجموع: منظومة أم جمهوراً، لا تفيق بالحدث، ولا تتعلم منه، وإنما هي من ذات (الوعي المتأثر بالموجة). فمتى ما وعى وتعلم الجمهور بالحدث، وتحول هذا الوعي إلى موجة جماهيرية، بدأت تلك الزعامات بالتسلل لركوبها. فتصور مدى البلاء الحاصل من زعامات متخلفة حتى عن الجمهور الذي تقوده! وهذه إحدى صور مأساتنا.

القائد والماضي(1)
•    القائد هو ذلك الإنسان(2) القادم من المستقبل، ليقود الحاضر إلى المستقبل الزاهر. وليس القائد هو ذلك الكائن القادم من الماضي ليجر الحاضر إليه.
•    المجتمع في حالة تغير مستمر؛ فهو في حاجة مستمرة إلى تجديد في الاستجابة لهذه المتغيرات.
•    على القائد أن يكون مستعداً على الدوام للتخلي عن الماضي الذي لم يعد مصدراً للمنفعة* فكيف بما أمسى مضرة جامعة.
•    إذا لم يكن القائد قادراً على الانسلاخ من ذلك الماضي بنوعيه، وهجره غير مأسوف عليه، فلن يكون قادراً على صنع المستقبل.
•    القائد هو من يقوم في الحال باستغلال الموارد البشرية والمادية المتوفرة بما يتناسب ومتغيرات الحاضر*.
•    آلية الانسلاخ يجب أن تتم بشكل هادئ وهادف ومنظم، وإلا حصل ما لا يحمد عقباه، وقد يعصف الأمر بالمؤسسة*.



[1]- بعض هذه القواعد مستلة بتصرف من كتاب (أفكار دراكر اليومية في الإدارة)، لبيتر إف دراكر. وقد ميزتها بهذه العلامة (*).

[2]- استعملت كلمة (إنسانيندرج تحته الرجل والمرأة أيضاً.

800x600

القائد

القائد الحقيقي هو ذلك الشخص الذي امتلك القدرة أو القابلية على ثلاثة أمور، ولا يغني اثنان منهما عن الثالث:

1.   التأثيرِ في الجمهور

2.   وتحريكِه

3.   وتوجيهه والتحكم بحركته نحو الهدف.

 وما لم يكن القائد مجدداً: يشخص مواطن الخلل، ويضع لها العلاج المناسب، ومبدعاً: يتعامل مع التحديات والأشياء مادية ومعنوية بصيغ مبتكرة تختزل الوقت والجهد، فهو قائد وكيل لا أصيل.

من صفات القائد

·     كل قائد رمز وكل قائد زعيم، ولكن ما كل رمز أو زعيم يصلح للقيادة. ومشكلتنا في الرموز، وعلتنا في الزعماء الذين لا يجيدون القيادة. هؤلاء لا يكتشف الجمهور عجزهم إلا بعد فوات كثير من الأوان، ودفع الثمن مضاعفاً.

·     القائد منتج للأفكار، ويحسن طرح البدائل.

·     الإبداع قرين القائد، أي التفكير والعمل بطريقة غير تقليدية.

·     القائد يدرك بعمق أهمية التجديد لنجاح مشروعه، وبلوغ أهدافه. وليس التجديد الإتيان بجديد بقدر ما هو مناسبة القال والأفعال لمقتضى الحال والمآل. مع معرفة أن المتغير يكاد يكون هو الثابت الوحيد في حياة الإنسان.

·     القائد يحسن الاستماع كما يحسن الكلام. وليس الثرثار بقائد.

·     ومن أهم صفات القائد حفظ السر. فأدب المعلومة أن تعطى على قدر الحاجة، لا على قدر الثقة. كما أنه يحفظ أسرار من هم في دائرة مسؤوليته، ويتعامل معها بحكمة ومسؤولية. هذا والسر أبوابه كثيرة.

·     القائد واعد.. فهو متفائل يخترق نظره حجب ظلام الحاضر إلى أنوار المستقبل من خلال رؤية عناصر النجاح المتوفرة، وهو يصوغ منها مشروعاً رائداً قابلاً للتحقيق.

·     القائد حالم، لكنه واقعي. أو كما قيل: رأسه بين النجوم، لكن قدميه على الأرض.

·     القائد يكبر دائماً؛ فإذا كبر التابع، وبقي (القائد) يراوح في مكانه؛ فلا يلومن غير نفسه. ومن سبقته الأحداث سبقه الأحداث.

·     المؤسسة أو الجماعة التي لا تكبر مع صغارها، صغيرة لا تسع الكبار.

·     إذا تمكنت من قيادة السنة، كنت على قيادة العراق أقدر.

وعي القائد

·     القائد رائد: يسبق الحدث بوعيه، فيستشرفه ويعد العدة له. أما الجمهور فعادة ما يعي بعد وقوع الحدث.

·     ليس وعي القائد تنبؤاً بالغيب، وإنما هو استنتاج من ناتج، ونظر في العواقب قياساً على معطيات الواقع*.

·     مع وقوع المتوقع، ينبغي حساب تلك الأشياء المهمة التي تحققت ولم تكن من ضمن التوقعات. فمن طبيعة الإنسان أن يذكر الأشياء التي له، ويتناسى تلك التي عليه. إن الأشياء المهمة والمميزة دائماً ما تكون نتيجة تغيرات في القيم، والمفاهيم والأهداف. وهذه يمكن حسابها بحساب المتغيرات التي تطرأ بالفعل وتحدث في المجتمع، بواسطة دراسة وتحليل البيئة من الملاحظة العميقة، والدراسات الإحصائية للسكان، والمفاهيم الخاصة بهم. واستحضار العوامل الخارجية المؤثرة في المتغيرات ونتائجها الداخلية*.

·     الوعي بـ(قرار رجعي) غير معتبر في قانون القيادة. فمن وجدتم وعيه لا يتأتّى إلا متأخراً، فلا يصلح للقيادة وإن كان زعيماً مقدماً.

·     الزعامات التقليدية، أو المؤدلجة، أو التي تسيرها حاكمية المجموع: منظومة أم جمهوراً، لا تفيق بالحدث، ولا تتعلم منه، وإنما هي من ذات (الوعي المتأثر بالموجة). فمتى ما وعى وتعلم الجمهور بالحدث، وتحول هذا الوعي إلى موجة جماهيرية، بدأت تلك الزعامات بالتسلل لركوبها. فتصور مدى البلاء الحاصل من زعامات متخلفة حتى عن الجمهور الذي تقوده! وهذه إحدى صور مأساتنا.

القائد والماضي([1])

·     القائد هو ذلك الإنسان([2]) القادم من المستقبل، ليقود الحاضر إلى المستقبل الزاهر. وليس القائد هو ذلك الكائن القادم من الماضي ليجر الحاضر إليه.

·     المجتمع في حالة تغير مستمر؛ فهو في حاجة مستمرة إلى تجديد في الاستجابة لهذه المتغيرات.

·     على القائد أن يكون مستعداً على الدوام للتخلي عن الماضي الذي لم يعد مصدراً للمنفعة* فكيف بما أمسى مضرة جامعة.

·     إذا لم يكن القائد قادراً على الانسلاخ من ذلك الماضي بنوعيه، وهجره غير مأسوف عليه، فلن يكون قادراً على صنع المستقبل.

·     القائد هو من يقوم في الحال باستغلال الموارد البشرية والمادية المتوفرة بما يتناسب ومتغيرات الحاضر*.

·     آلية الانسلاخ يجب أن تتم بشكل هادئ وهادف ومنظم، وإلا حصل ما لا يحمد عقباه، وقد يعصف الأمر بالمؤسسة*.



[1]- بعض هذه القواعد مستلة بتصرف من كتاب (أفكار دراكر اليومية في الإدارة)، لبيتر إف دراكر. وقد ميزتها بهذه العلامة (*).

[2]- استعملت كلمة (إنسان) ليندرج تحته الرجل والمرأة أيضاً.

Normal 0 false false false EN-US X-NONE AR-SA MicrosoftInternetExplorer4
Add a comment

عقبات

في طريق القائد

 

 

تبرز أمام القائد ثلاث عقبات مطلوب منه اقتحامها وتجاوزها بنجاح: (رؤية العمل، والعائلة، والوظيفة). وإذا كانت المسؤولية على قدر العنوان فما نقوله هنا يتعلق بـ"القائد الأصيل"، الذي لا تنهض المؤسسات التجديدية إلا بهذا الطراز من القادة الذين هو منهم.

 

1. رؤية العمل

أما رؤية العمل فالمقصود بها أن ينظر العامل إلى حجم عمله فيجده كبيراً يزيد على ما هو مطلوب منه – كما يتهيأ له - بحيث ينتج عن هذه الرؤية حالات مرضية قد تفسد أصل العمل وتذهب به (كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ) (إبراهيم:18). وهذا مخالف للأصل؛ فمن أذكار المسلم في الصباح والمساء فيما رواه البخاري عن شداد بن أوس (رضي الله عنه) ما سماه النبي (صلى الله عليه وسلم) (سيد الاستغفار) وفيه (أَبوءُ لَكَ بِنِعْمتِكَ علَيّ، وأَبُوءُ بذَنْبي). ومعنى « أَبُوءُ » - كما في لسان العرب - أُقِرُّ وأحتملُ وأَرجع. ومن معانيه العدل والتكافؤ والمساواة. فهو اعتراف بأنه ليس من العبد إلا الفقر والذنب، وليس إلا نعمة الله تعالى عليه تحيط به من كل جانب؛ فما عمل من عمل فهو بتيسير الله فضلاً منه ونعمة، وإن قصّر فمن نفسه يقر بذنبه راجعاً به إلى ربه محتملاً إياه يسأله أن يعفو عنه فضلاً، ويطلب منه أن لا يعاقبه عدلاً. وكأن حقيقة العلاقة فيها كفتان: كفة ليس فيها إلا الفضل، وكفة ليس فيها إلا الذنب!

فكيف يرى عبد عمله وهو يستحضر هذه المعادلة؟

وليس معنى هذا إعدام الرؤية من الأصل، وإنما ضرورة انتفاء ما يصاحبها من حالات مرضية أخطرها:

 

أولاً: المنُّ بالعمل في نفسه أو على أعضاء منظومته. فإن المن بالعمل دليل رؤيته واستكثاره. وهذا من أول ما نهى الله تعالى عنه نبيه (صلى الله عليه وسلم) لحظة أن كلفه بتبليغ رسالته فقال: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ * وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ *فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ * فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ * عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ) (المدثر:1-10).

فقد جمعت هذه التوجيهات مؤهلات الداعي (وهو القائد) النفسية، التي من دونها لا يمكنه تحمل مسؤولية النذارة أو أداء مهام الرسالة:

1. تعظيم الله سبحانه وتكبيره فيتصاغر لدى المؤمن كل كبير عملاً كان أم غيره.

2. طهارة الثوب والاهتمام بالمظهر الذي يجذب المدعوين، ولا يكون عاملاً مضافاً من عوامل تنفيرهم، وهذا يستلزم طهارة الباطن من باب أولى؛ فذلك موضع نظر الخلق، وهذا موضع نظر الرب.

3. هجر الذنوب المعبر عنها بالرجز، وهو لغة في الرجس، أو هو العذاب النازل بسبب الذنوب؛ فعبر بالمسبَّب وأراد السبب. وذلك طهارة الباطن.

4. عدم المنّ بالعمل استكثاراً له؛ فمن استكثر فقد منّ. وكيف يستكثر من يُكبّر!

5. الصبر لله.

6. ثم النظر في المآل وهو يوم القيامة.

 

ثانياً: الضيق بالنصيحة، والانزعاج من النقد. وهذا مؤشر خطير على وجود بذور الشرك الخفي؛ فعلى صاحبه الإسراع بنبشها قبل هبشها.

 

ثالثاً: التطاول الخفي أو العلني على أقرانه.

 

رابعاً: التذمر من إرهاق العمل لا بطريقة العرض الهادف والنقاش الهادئ، وطلب الإعفاء من بعض الأعمال الزائدة، وإنما بطريقة الشكوى وتحميل أقرانه أو مسؤوله تبعية انشغاله وإجهاده، وربما ذكر تقصيره في حق نفسه وأهله نتيجة استغراقه. لا سيما إن كان ما يعمله يعمله باختياره، ولم يلزمه أحد بأدائه.

من أراد أن يكون (أول المسلمين) فليعط الأولية استحقاقها:

 

 

دَبَبْتَ لِلْمَجْدِ وَالسَّاعُونَ قَدْ بَلَغُوا         جَهْدَ النُّفُوسِ وَأَلْقَوْا دُونَه الأُزُرَا

فَكَابَدُوا الْمَجْدَ حَتَّى مَلَّ أَكْثَرُهُمْ      وَعَانَقَ الْمَجْدَ مَنْ أَوْفَى وَمَنْ صَبَرَا

لا تَحْسَبِ الْمَجْدَ تَمْرًا أَنْتَ آكِلُهُ     لَنْ تَبْلُغَ الْمَجْــدَ حَتَّــى تَلْعَقَ الصَّبِـرَا

 

خامساً: تفسير تفوق غيره في العطاء دون ظهور بادرة تذمر منه بتمتعه بأسباب خارجية، لا إلى مزايا ذاتية تعينه على ذلك. وهذا مخالف لقوله تعالى: (هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ) (آل عمران:165) وما في بابه من الآيات. يعود سبب هذا التفسير إلى جذور نفسية قد يكون أساسها صحيحاً وهو الثقة بالنفس والاعتداد بها والتبرم بتفوق الغير عليها ما دام دافعاً لصاحبه إلى التنافس المحمود. لكن حين يتضخم هذا الأساس في غفلة من صاحبه يتحول إلى طغيان خفي، وإهمال لردم الفجوات ومعالجة للعلل الداخلية.

هناك حالة يوجه فيها النقد إلى رأس المؤسسة بطريقة غير مقبولة، منها ما يكون مستنده دعوى تمتعه بمزايا خارجية كالنفوذ أو العلاقات أو المال، يرجع إليها سر تفوقه الذي ينبغي أن يكون من مميزات رأس المجموع؛ وهذه – كما يبدو – عبارة عن دفاع سلبيمبطن عن الذات ناشئ عن رغبة خفية في التقليل من شأن الجميع لا لذات التقليل نفسه – ربما - وإنما رغبة في التوصل إلى الدفاع عن تقصير الذات وإرضائها بنوع من الشعور بالتفوق، وإظهار ذلك للآخرين. وكأن عقله الباطن يهجس له قائلاً: لولا تلك التسهيلات والأسباب الخارجية ما زاد عليك رئيسك، ولو جُرد مما حرمت منه لكان دونك. فكيف بمن دونه في المرتبة!

في خريف/2008 كنت أدرس حالة شخصهو من أقل العاملين معي إنتاجاً، وأبطأُهم عملاً، وأكثرهم كلفة، وأشدهم تذمراً وشكوى تسببت في مشاكل جمة أثرت على آخرين معه. فتوصلت بعد التفكر والنقاش إلى أننا أمام حالة تقصير وصلت إلى درجة القعود من شخص يبدو أنها أقلقته وأزعجته، لكنه يصعب عليه أن يواجه نفسه بما هي عليه من حالة لا يرضاها، ثم هو - لسبب ما - لا يريد التخلص مما هو فيه بالطريقة السليمة. هنا يأتي دور الحيل النفسية للعقل الباطن من أجل التخلص من الضغط الداخلي الذي سببته له هذه الحالة؛ فلم يجد خيراً من (إسقاط) ما هو فيه على غيره على العاملين معه وسيلة يتخفف بها من القلق والإنزعاج. ثم لا أفضل من أن يكون رأس المؤسسة هو أول من يتوجه إليه بهذا (الإسقاط)؛ لأن هذا يجلب له غاية الراحة، ويمنحه العذر الكافي لتبرير تقصيره وقعوده؛ فإذا كان القدوة هو العلة الأساسية لما يعاني منه ويلام عليه؛ فلا يمكن لنفسه - بعد ذلك - أن تؤنبه، ولا لأحد أن يلومه على تقصيره؛ لأن ما هو فيه سيبدو تحصيل حاصل، ومن باب أولى.

وتأملت في العلاج فوجدت وصفته في أمرين:

1. إرشاد العامل وتشجيعه على طرح معاناته أو اعتراضه بالصورة المقبولة بعيداً عن التشنج.

2. تحديد المهام تجنباً للإرهاق؛ فقد يكون الشاكي على حق، ولا عجب ولا بأس ما كانت شكواه لماماً وأسلوبه تماماً. فمن زاد طوعاً لا كرهاً في عمله، فلا يُحملنَّ أصحابه مسؤولية عبء هو اختاره لله بنفسه، وليكن هِجِّيراه: (وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ) دون ضيق، أو يتخفف منه بالطلب الرفيق. وليستحضر خصال القائد الرسالي في أول سورة (المدثر). وإنما يكلف المرء على قدر عنوانه.

ودون ذلك ربما وصل المرء إلى أخطر الحالات وهي:

 

سادساً: الانقطاع عن العمل بالكلية. وربما زاد فهجر سربه هجراً غير جميل، وسلق صحبه بلسان طويل صقيل. وحسبنا الله ونعم الوكيل.

 

2. العائلة

تأتي الزوجة على رأس العائلة في عملية التعويق؛ فكثير من النساء تكون بعيدة عن أجواء العمل القيادي بحكم ظروفها، وتأثير الثقافة الشائعة. وربما كانت الزوجة رقيقة الدين، تغلِّب الدنيا على الآخرة؛ فبدلاً من أن تكون عوناً لزوجها على دينه وقضيته تكون عبئاً عليه وعائقاً في سبيله. وهذا غالباً ما يؤدي إلى ضعف في تقييم الموقف؛ فينتج التذمر من طول غياب الزوج عن البيت. وقد يكون التذمر طبعاً لدى بعض النساء فتكثر منه حتى تسوء العلاقة البيتية فيتأثر الزوج بنسب متفاوتة، إن لم يقتنع تمام الاقتناع بما تقول له وتهجس به إليه، فيتباطأ، وقد يتوقف فينقطع عما كان عليه من قبل من عمل يمثل البطاقة الأرجح في ميزان الحسنات، والخطوة الأفسح في سلّم الدرجات. وفي ذلك يقول سبحانه:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (التغابن:14-16): قال ابن كثير في تفسيره ما مختصره: بمعنى أنه يلتهي به عن العمل الصالح كقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون). وقال مجاهد: يحمل الرجل على قطيعة الرحم أو معصية ربه فلا يستطيع الرجل مع حبه إلا أن يطيعه. وذكر في سبب نزول الآيات عن ابن عباس قال: هؤلاء رجال أسلموا من مكة فأرادوا أن يأتوا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فأبى أزواجهم وأولادهم أن يدعوهم. فلما أتوا رسول الله رأوا الناس قد فقهوا في الدين فهمّوا أن يعاقبوهم، فأنزل الله تعالى هذه الاَية (وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم)([1]). إ.هـ.

فذكر فتنة العائلة (الزوجة والولد) إلى جانب فتنة الوظيفة (مثلة بالمال) وحذر منهما معاً. ثم وضع العلاج المناسب لها، وهو من مركّب من ثلاثة عناصر:

1. الأمر بحسن التعامل مع العائلة وذلك بالعفو والصفح والمغفرة.

2. حث الزوج أهله على العمل في السبيل نفسه الذي يسير هو فيه. وذلك من مفردات عموم التقوى المنوه عنها في قوله: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ). ويؤيد هذا قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا) (التحريم:6)؛ فوقاية الأهل من التقوى المأمور بها.

2. الإرشاد إلى أن يتقي المرء ربه قدر استطاعته، ولا يحمل نفسه فوق طاقته، فيقصر في حقها وحق عائلته. وليكن نشاط القائد خاضعاً لقاعدة (ساعة وساعة)، التي ذكرناها في فقرة (الإيمان والتنمية الإيمانية).

فإذا فعل الرجل هذا ثم استمرت العائلة على ما هي عليه، فهو على مفترق خيارين: أن يبتغي أي حل آخر ليحافظ على مستواه ويترقى في مسراه. أو أن يستمر في تأثره وتعثره فلا يحسبن نفسه من ذلك الطراز من القادة، الذي تتجدد به الحياة، وتنتصر الدعوات.

 

3. الوظيفة أو العمل

قد يبدأ الشاب حياته داعياً نشيطاً، يؤمن بأن الحياة الحقيقية هي ما كان صاحبها يعيشها لأداء رسالة. وينتهي قائداً في مؤسسة قبل أن تثقله الوظيفة بأعبائها، أو يكرثه العمل من أجل الكسب بمطالبه. حتى إذا ابتلي ببعض ذلك أو كله بدأ بالتباطؤ شيئاً فشيئاً والتنصل عن مسؤوليات هو تحملها، وهي التي أهلته للقيادة. وربما كان الكسب من أجل كماليات الحياة والتأثل منها، لا من أجل ضرورياتها وحاجياتها. فيؤثر العاجل على الآجل مع رغبته في تصدر العمل القيادي، وينسى أن جدارته التي كان عليها هي التي رشحته للصدارة. وهو اليوم يتطلب صدارة بلا جدارة؛ وهذا لا يكون. وإلى ذلك الإشارة بقوله سبحانه: (إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ) (التغابن:15). وهي حالة خطيرة تنشأ من الغفلة إذا طال أمدها، حذر الله تعالى منها الصحابة رضي الله عنهم فكيف بغيرهم! فقال: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) (الحديد:16).

ما نحتاجه ركناً للمؤسسة وشرطاً لدوام حيويتها وقدرتها على التجدد والإبداع المستمر هو وجود ما يكفي من طراز "القائد الأصيل"، ووضع الضوابط لعدم صعود "القائد الوكيل" إلى رأس المؤسسة. هذا هو الذي يحافظ على قيادية المؤسسة وعدم تحولها إلى مجرد إدارة مهمتها التنفيذ دون القدرة على التوجيه والتعديل.

 


[1]- وكذا رواه الترمذي، وقال: حسن صحيح.

Add a comment

طُرُز القادة

 

 

القائد رائد.
يرسم المعنى اللغوي لكلمة (الرائد) - كما جاء في (لسان العرب) لابن منظور: "وأَصل الرائد الذي يتقدّم القوم يُبْصِر لهم الكلأَ ومساقط الغيث" – صورة حسية معبرة للرائد في معرفته وخبرته، وفي تقدمه على قومه وقيادته.
فالقائد رائد: يسبق الحدث بوعيه فيستشرفه، ويتقدم القوم بدلالته فيعد العدة له ويقودهم بسبقه وتميزه. فالريادة أجمل وأقوى مزايا القائد الجاذبة للأتباع بنوعيهم: النخبة والجمهور.
وأهم الأسس التي تستند إليها الريادة: الدراية ونقصد بها: السيولة الفكرية، المطعمة بالإبداع، والمعرفة المتوهجة بكيفية "تخليق الفكرة". ثم الحركة الناشطة المسددة لاستثمار هذه القوى في تكوين المؤسسة وقيادتها بشقيها: البشري والمادي.
لا ينفصل ذلك عن إرادة قوية دافعة وثقة بالنفس عالية يغذيها التفاؤل والأمل. هذه الإرادة هي أهم عناصر القوة الذاتية الدافعة إلى المثابرة والإصرار على مواصلة العمل من أجل ما يؤمن به. مع حالة عشقية تربط بينه وبين القضية. كما أنها دافعة للغير نحو الالتفاف حول المؤسسة والعمل في ميدانها.
يخطط وينفذ.. يبني مشروعه على فكرة ينطلق منها، وله رؤية واضحة ذات هدف محدد يحققها. مرن التفكير، متجدد لا يعتريه الجمود، يدرس ويرصد ويعدل في أفكاره وخططه وبرامجه ويطورها باستمرار.
يتمتع بشعور مرهف تجاه قضيته، هو كالروح بالنسبة لحركته الدافقة في سبيلها؛ فالعمل المجرد مَهَمَّة الأجراء والموظفين لا أصحاب الرسالة وورثة المرسلين. ويتصف بإحساس عالٍ بالمسؤولية وهو يؤدي واجبه في تقديم مستحقاتها.. يبذل من وقته وجهده بلا تذمر، ويمنح من ذلك بلا منٍّ ولا أذى (بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) (الحجرات:17). كل هذا يتم ضمن منظومة قيادية نسقية الأداء.

 

دراية .. إرادة .. ريادة .. إدارة
ولا تكتمل الريادة والدراية والإرادة إلا بالإدارة. أربع كلمات ذات مبنى صرفي واحد! كأنها تقول: نحن تكوين واحد، نشأ من أصل واحد، ويهدف إلى غاية واحدة لن تتحقق إلا بهذا التكوين الواحد.
دراية لافتة، وإرادة دافعة، وريادة جاذبة، وإدارة نافذة.. رباعية متلازمة في تكوين شخصية القائد الأصيل.
وبتفاوت نسب ظهور آثار هذه القوى في خلطة التركيب التي تتكون منها شخصية القائد تنتج لنا طرُز أو أنواع متعددة من القيادات. أهمها ثلاثة:
1.    القائد (أو القائد الأصيل): وهو الذي تغلب عليه آثار الدراية والإرادة والريادة، وتتجه الإدارة عنده إلى الخطوط العامة أكثر من التفاصيل.
2.    المدير (القائد الوكيل): وهو الذي تغلب عليه آثار الإدارة بصورتها التفصيلية التنفيذية. ولا غنى للقائد الأصيل ولا للمؤسسة عن المدير؛ فالحاجة إليه ضرورية منفذاً للبرامج ومتابعاً للأنشطة.
3.    القائد النوعي: وهو الذي تغلب عليه آثار الدراية والريادة بشقها المعرفي الخبروي أكثر من شقها البشري التعبوي. فيكون له تأثيره الجذري في تطوير المؤسسة نوعاً، وهذا له تداعياته الإيجابية في نقلها إلى الأمام كماً، فيتغير مسارها من حيث الاتجاه ومن حيث الحركة. واختلافه الجوهري عن (القائد) أو (القائد الأصيل) من حيث القدرة على تحريك الجمهور وتوجيهه. ومثاله: خبير في علم الإدارة يقوم بتطوير المؤسسة وتنمية مهارات وخبرة أفرادها بطريقة إبداعية متميزة فيها روح القائد وتوهجها ونماؤها. أو شخص يجيد فن العلاقات مع الدول والمؤسسات الخارجية، أو مع القيادات والنخب والمؤسسات والفئات الداخلية؛ فيعود نفعه وتأثيره على المؤسسة بما يوازي أو يقارب تأثير القائد الأصيل.   
ومن الممكن تطوير (القائد الوكيل) و(القائد النوعي) إلى طراز (القائد الأصيل). وقد لا يمكن لسبب ذاتي أو خارجي. ولا بأس فقد قال الله تعالى: (وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا) (الزخرف:32). وقال نبيه (صلى الله عليه وسلم) فيما رواه الإمام مسلم بسنده عن علي (رضي الله عنه): (اعملوا فكل ميسر لما خلق له)؛ ما دام التوازن بين القيادة والإدارة محفوظاً، وما لم تتحول المؤسسة – بفعل طول الأمد – إلى مجرد إدارة تفتقر إلى روح القيادة وفكرها وفاعليتها.
إن تنوع طرز القيادة ضروري في أي مؤسسة ناجحة. وهذه الثلاثية الجميلة في تركيب القيادة لا تقوم أي مؤسسة إلا بوجودها؛ فلا يغني اثنان من عناصرها عن الثالث. على أن يكون وجودها مظهراً من مظاهر قانون (التكامل)، وأثراً من آثار العمل بقانون (المنظومة القيادية) لا القيادة الفردية الصنمية.

Add a comment

قبل أن تسأل عن القائد !

اسأل عن الجمهور هل هو قابل للانقياد ؟

 

 

قال لي يوماً من أيام خريف 2013: أهل السنة في العراق اليوم.. غالبيتهم مع الفكر الذي تطرحه. لكنهم في حاجة إلى قائد ينزل إلى الميدان.

رجل قضى ربع قرن من عمره في أوربا.. هجر موطنه وتزوج من هناك، بعد أن شغل منصباً عسكرياً رفيعاً في وزارة الدفاع، يحمل شهادة دكتوراه في الاقتصاد. قبل سنين قليلة رجع إلى الشرق وحصل على وظيفة أستاذ في إحدى الجامعات. قومي الفكر، تدين مؤخراً وآمن بأن كل الطرق مسدودة غير طريق الله جلّ في علاه.

قلت له: لم يإن الوقت بعد.

قال: الوقت ليس في صالحنا.

قلت: الانتظار...... مع الإعداد، خير من الانتحار.

لم يرد، بينما بدت علامات الحيرة تطل من عينيه اللتين ما زال فيهما وبيص يقاوم ظلمات عمقها ستة عقود.

ابتسمت وواصلت حديثي، وكان فيه أخذ ورد، ولم يكن متصلاً ولا على وتيرة واحدة: أضرب لك مثالين:

قبل ذلك بأكثر من ثلاث سنوات صليت الجمعة في جامع سيدنا عمرو بن العاص رضي الله عنه في الفسطاط بمصر القديمة، حتى إذا انتهى الخطيب من خطبته صار يدعو ونحن معه فكان آخر ما قال: (اللهم هيئ لهذه الأمة صلاح الدين آخر يأخذ بيدها إلى النصر). ابتسمت في داخلي، وقلبت الدعاء لأقول: (اللهم هيئ لصلاح الدين أمة تُظهره وتظاهره، وتنصره ولا تخذله بفضلك وكرمك يا أكرم الأكرمين).

لولا أن صلاح الدين وجد في محيط قابل للبعث من الرقاد لما وصل به الحبل إلى ما أراد. هذا ما قاله لي صديق قبل أكثر من ثلاثين سنة، وما زال قوله عالقاً في ذهني! وتأمل القائد العظيم موسى عليه السلام لِمَ لَمْ يتمكن من إقامة الكيان المنشود لبني يهود؟ والجواب ببساطة: لأن جمهوره لم يكن قابلاً للتكوين. ولم يكن يوشع عليه السلام خيراً، ولا طالوت أقوى وأعلم، ولا داود أخلق بالملك منه.

 

الحلقة المفقودة

فأين الحلْقة المفقودة؟ ههههه.. إنه الجمهور القابل للانقياد.

جمهورنا اليوم غير مهيّأ، ولم يجد من يهيئه. فهو محبوس بين قضبان الانتظار، وإذا تطلع فإلى فضاء الانتحار!

وماذا ينتظر؟

القائد السحري الذي يخلصه من الواقع المرير بقفزة عفريت أو لمسة ملَك، قبل أن يسأل الجمهور نفسه هل هو على استعداد لأن يقاد حتى من قبل ذلك الفارس الخرافي المهيب؟

إنه سؤال جوهري، بل إن السؤال عن الجمهور القابل للانقياد أهم من السؤال عن القائد المأمول للقيادة. وفي غياب السؤال الأهم يبقى الجمهور مغيباً عن التأثير، بعيداً عن الإعداد والاستعداد، فتضيع جهوده سدى.

 

قائد موجود رغم غيابه بين جمهور غائب رغم وجوده

هل تعلم – أخي الفاضل! - أن القائد موجود بين الجمهور لكنه لا يراه؟

بل المشكلة ربما لأن القائد موجود بين الجمهور! وهذه هي الإشكالية الثانية.

والسبب ببساطة أن الجمهور الذي توالت عليه العصور دون إعداد، يريد القائد كائناً أسطورياً: قوياً تصرع عضلاته الأسود، ملائكياً يشع من عينيه النور، ولياً ينشق عن آثاره العشب والزهور، قديراً يقول للشيء كن فيكون. فإذا كان القائد المؤهل يعيش بين ظهرانيهم، خبروه فوجدوه يخطئ ويصيب، يتعب ويقوى، يتلكأ ويُقدم: فإذا انبرى لممارسة القيادة نبذوه، وركلوه، بل ربما قتلوه قبل أن يتمكن من استثمار فرصته في تهيئتهم وبنائهم، قائلين: لقد خيب ظننا ولم يحقق مطلوبنا فارجموه.

ثقافتنا تصنع للقادة في ذهن الجماهير صورة زاهية أشبه بالأساطير. وحيث أن الأساطير لا توجد إلا في ثنايا السطور فلن تلد مخيلة الناس ذلك القائد الأسطورة الناشب في أحشائها، إنما يموت دوماً ويختنق أثناء الطلَق. أو تنفرج الظروف عن رجل من جنس الجمهور نفسه يسوق الناس بعصاه.

وبين القائد الأسطورة المفقود والقائد المتجبر الموجود يعيد التاريخ نفسه.

Add a comment

القائد ومنظومة القيادة

الشورى التشاركية .. أو معادلة الارتباط والاستقلال

  • عمل المؤسسة باستقلالية ومسؤولية: يحقق الحرية والكرامة للأتباع، وينتج مستوى عال من الإنجاز، وهو البديل الوحيد لسياسة الاستبداد، وسبيلنا الوحيد للحماية منه*.
  • في غياب ذلك تسود الدكتاتورية، ويكون الاستبداد هو البديل الحتمي: فيحل الإرهاب محل المسؤولية، ويتعرض الأفراد للإهانة والشعور بالإحباط، ويلغى – في الواقع – دور المؤسسة؛ إذ يحصل فرد واحد على سلطة المؤسسة*.
  • في قصة الهدهد مع سليمان عليه السلام خير دليل على أهمية الحرية، والاستقلالية المسؤولة.
  • من أهم ما نخرج به من قصة الهدهد وسليمان، أن (الخروج على النظام لأجل النظام نظام).

الحرية والبيئة القيادية

  • تحتاج المؤسسة الناجحة إلى وجود بيئة قيادية صالحة.
  • أهم عناصر البيئة القيادية: الاحترام.. الحرية.. تحديد الأدوار.
  • الحرية هي القبولُ بتعدد الآراء، واحترامُها، وعدمُ تسفيه شيء منها. وتمامُها بتفعيل الصالح منها. مع شكر الجميع على إبداء الرأي مهما كان.
  • ومن الحرية تشجيع مبدأ (النصيحة) وإشاعته. فإن النصيحة تقويم وبناء. ولهذا تسمى بـ(النقد الإيجابي أو البنّاء)؛ فإن الغيبة هي البديل للنصيحة إذا غابت، أو كبتت. والغيبة تعويق وهدم.
  • لا بد للإبداع من تمتع أفراد الجماعة بالحرية، أو الاستقلالية المسؤولة.
  • الحرية شرط الإبداع، والتجديد، والنمو، والتطوير.
  • توفير أجواء الحرية تمنح أعضاء المؤسسة الفرصة التي بها يثبتون أنفسهم، ويعبرون عن طاقاتهم، ويشعرون بمتعة التحكم بأمورهم الخاصة*.

عظمة القائد

  • العظيم من جمع حوله العظماء. فهو واحد في منظومة تشبهه وتدانيه. ولعظمته تميز من بينهم. وانظر إلى رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم!

وليس العظيم من كان مفرداً في مجموعة من العاديين والبسطاء. على أن الاستثناء وارد لأسباب، كما في حالة نبينا موسى عليه السلام.

  • ومما قيل في ذلك: "من العظماء من يشعر المرء في حضرته أنه صغير، ولكن العظيم بحق هو من يشعر الجميع بحضرته أنهم عظماء".
  • القائد واحد.. فالسقاء لا يتمخض إلا عن زبدة واحدة، ولكنه في منظومة قيادة.
  • القائد رائد.. فما معنى القيادة، إن لم تكن متقدماً على أصحابك برتوة؟! ولكنه في منظومة رواد.

استيعاب القائد

  • القيادة حب يجذب، وقوة تشد وتُحزِّب؛ فلا بد في النهاية من رباط يشد جموع المحبين.
  • القائد يحل المشكلة، ولا يولدها.
  • القائد والد وحكَم محايد.. يستوعب ويحن ويحنو، ويغض الطرف ويتغابى أحياناً ويسمو. ولا ينافس أتباعه، أو يتحيز لبعض على حساب بعض؛ فإن الأب لا ينافس أولاده، ولا يتحيز لأحد دون آخر؛ وإلا لم يكن مرجعاً لهم يطمئنون لحياديته وعدله (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) (البقرة:143).
  • أغدق على منظومتك وأتباعك بلطف الكلام، والشكر على الإنجازات والفعال. واعتب على التقصير، وقد تزيد فتحاسب، وتشتد فتعاقب. وتفقد أحوالهم. وأشعرهم بوجودك معهم، ومتابعتك للعمل بينهم.
Add a comment

القائد

بين القامة والعنوان

 

 

في صحراء مترامية المدى، بعد أن أذَّنّا وصلينا المغرب والعشاء، كانت لنا – في ربيع 2014، وكنا أربعة - جلسة على كثيب من الرمل الهتيت، أخذ الفكر والإيمان والقضية منها بنصيب. تناول أحدنا سيرة أشخاص ظلموه، ولاكوا سمعته بغير حق، وكنت شاهداً على ذلك، فأبدى ألمه من اتهامه بما ليس فيه وكيف أن التهمة تسري من فم إلى فم؛ فأنى له أن يرتاح؟ قلت له: دعهم لله يكفك ما أهمك من أمرك. فهز رأسه وتكلم بجمل تعبر عن مدى ألمه وصعوبة حاله. فتوجه إليه أحد الجالسين ليقص عليه موقفاً مر به وكيف أن الله انتقم له ممن ظلمه بعد فترة قصيرة، فألغيت إقامته وأوقفت أعماله وسفّر إلى بلده. فأجابه الأول: ها أنت تقول: إن غريمك سُفّر إلى بلده؛ إذن غاب عن عينك، ومن غاب عن العين نسي فتلاشت مشكلته. لكنني أرى ظالمي على الدوام فكيف أنسى؟

الأمر معقد حقاً؛ فليس من السهل علاجه بمنطق الفكر المجرد. لا بد من دفق يقتلع جذور الأذى من أصولها، ويحملها في مسيله بعيداً عن زوايا القلب ومكامن النفس. ثم يعود على تلك الزوايا والمكامن بمرهمِ آسٍ رفيق يمسحها بلطف فيعالج آثارها، ثم يتركها لتمحى مع الزمن. وهل غير الإيمان المبني على الحقيقة مصدراً لذلك الدفق الآسي الرفيق؟ هذا إن كان لدى المخاطب استعداد لذلك، ولا أراه إلا كذلك.

وكان صاحبي من حملة قضية له فيها باع؛ فقلت له: المرء عنوان وقامة. فهذا خفير وهذا مدير، ولنترك بقية العناوين. وأقصد بالقامة ما لدى المرء من طاقات نفسية وإنجازات عملية، وأقلها الاستحقاق الذي يفرضه العنوان. والناس الخيرون أقسام؛ فمنهم من قامته أعلى من عنوانه؛ فمن الظلم لنفسه أن لا يكون عمله ودوره الاجتماعي بمستوى ما منحه الله تعالى من قابليات فطرية، ومَكِنات مادية، فلا ينميها ويطورها ويجعلها تستطيل صعداً في سماء العطاء الظاهر بما يتناسب وقوة العطاء الكامن. وهذا هو ما يسميه علماء السلوك بـ(علو الهمة)، وكثيراً ما يردد ابن قيم الجوزية هذا البيت متحسراً على كسل الغافلين وغفلة المتكاسلين:

 

قدْ هيأُوكَ لأمرٍ لو فطنتَ له       فاربأْ بنفسِكَ أنْ ترعى معَ الهَمَلِ

 

ومنهم من له عنوان أكبر من قامته فعليه أن يطيل من قامته لتكون بمستوى عنوانه؛ لأن الله تعالى سيحاسبه طبقاً لعنوانه. وكذلك الناس ينظرون إليه من خلال ذلك العنوان ويطالبونه بمستحقاته. وما من شك في أن ما يطالب به المدير أعلى مما يطالب به الخفير. وإلا فليغادر صاحب العنوان عنوانه إلى عنوان آخر يناسبه؛ فهو خير له عند ربه، وأعذر له بين خلقه.

كان نسيم الصحراء يبرد رويداً رويداً، والنجوم تأتلق، مع حلول الظلام وغيبة القمر، أكثر وأكثر؛ فتنتعش النفوس، وتنشرح الصدور لقبول الحق والتعاطي مع النصح. ونظرت فإذا الآذان مصغية لاستقبال المزيد. فليكن قبساً من نور القرآن ومشقاً من عطر سيرة سيد الأكوان (صلى الله عليه وسلم) وأصحابه الكرام! فمضيت في حديثي أقول ما ملخصه:

 

عبق من السيرة

كان لأبي بكر الصديق (رضي الله عنه) قريب اسمه (مسطح) ينفق عليه ويحسن إليه. فلما خاض المنافقون والذين في قلوبهم مرض في أم المؤمنين رضي الله عنها، خاض مسطح مع الخائضين. ثم أنزل الله جل وعلا - من بعد - براءة عائشة فحلف الصديق أن لا يصل مسطح ولا ينفق عليه أبداً. وهذا تصرف طبيعي، بل هو أقل ما يمكن أن يجازي به رجل رجلاً طعن في عرضه. ولا نعرف أحداً يمكن أن تسخو نفسه فيستمر بالإنفاق والإحسان إلى من فعل ذلك! اللهم إلا اذا بلغ في حسن الخلق من الدرجات أعلاها، وكرم النفس من المراتب أسماها، فينكر ذاته، ويعمل الخير من أجل الخير نفسه خالصاً من ذاته!

كانت هذه الدرجة العالية السامية هي التي أرادها الله تعالى لـ(صاحب) نبيه (صلى الله عليه وسلم) فقال له داعياً ومرغباً: (وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (النور/22). وكان جواب أبي بكر (رضي الله عنه) حين سمع توجيه الله إليه بواسطة رسوله و(صاحبه): (بلى يا رب أحب أن تغفر لي)([1]). وعاد إلى مسطح يصله وينفق عليه!

إن هذه القامة لا يوفق الله إليها غير طراز خاص من المؤمنين يقول عنهم سبحانه: (وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) (فصلت:35،34). وما كان الله ليرضى من كان له هذا العنوان }(صاحب) نبيه{ إلا أن يكون من ذلك الطراز الذي تطول قامته وترتفع هامته إلى مستوى عنوانه!

الشيء نفسه فعله ربنا مع نبيه (صلى الله عليه وسلم) حين عرض له الصحابي (الأعمى) يسأله ويلح عليه وهو مشغول بدعوة كبراء القوم! فعبس في وجهه ولم يرد عليه. وماذا يمكن أن يتوقع منه غير ذلك؟ فالسائل قد تطفل في الكلام وقاطع النبي (صلى الله عليه وسلم) وهو مشغول بغيره. وكان الأولى به أن ينتظر حتى ينتهي من كلامه، أو ينصرف ليلتقيه في مكان آخر وظرف أليق. ثم إنه أعمى، والأعمى لا يرى عبوس من عبس في وجهه! لكن الله عاتبه في ذلك أشد العتاب! والسؤال المهم: لو فعل هذا غير محمد (صلى الله عليه وسلم) هل تتوقعون أن يعاتب أو يحاسب؟ لكن الذي (عبس وتولى) هو محمد (صلى الله عليه وسلم)! محمد.. صاحب القامة العظمى والعنوان الأعظم من بين الخلْق أجمعين! لهذا كان العتاب! وكذلك لو كان الذي قطع النفقة عن مسطح غير الصديق لما كلمه الله في شأنه وكلفه بالعود إلى صلته؛ لأن التكليف على قدر التشريف.

والقضية – يا إخوة! – لا يوفق الله تعالى لحملها وقيادتها إلا طرازاً خاصاً متميزاً من الناس.. طرازاً بقامات عالية، ونفوس سامية. وأنتم أهل لذلك إن شاء الله جل في علاه. فلنُطِلْ من قاماتنا لنكون بمستوى عناويننا.

وانتهى الكلام فإذا الصمت سيد الموقف. ولعله علامة الرضا. وقمنا من مكاننا ذلك وقد ازداد النسيم برودة، والنجوم تألقاً، والنفوس والصدور انتعاشاً وانشراحاً.

ويا أصحاب القامات، توجوا رؤوسكم بما يناسب قاماتكم من عناوين.

ولتكن قاماتكم - يا حملة القضية - بمستوى عناوينكم.

 


[1]- صحيح البخاري.

Add a comment

القائد العلَم .. والقائد الصنم

 

 

القائد والد..

القائد العَـلَـم هو أب للمؤسسة: عادل ورحيم. يعمل ضمن منظومة قيادية شوروية، لها آلية محددة في اتخاذ القرار. وفي خلاف ذلك يبرز القائد الصنم، الذي هو - في حقيقته - زعيم مستبد، ورمز أجوف.

 

ثقة المنظومة بالقائد

  • • الأتباع يثقون بقائدهم طبقاً لمعادلة (الصبر واليقين): (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ) (السجدة:24)؛ فلولا شواهد الثقة التي يحفل بها تاريخه ما اتبعوه. وبهذا يكون الصبر معه وعليه. وبغير ذلك لا يتم الوصول إلى الهدف. (فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) (الفتح:10).
  • • من لم تتوفر لديه أسس اليقين المسبقة بصلاحية القائد لن يصبر على طول الطريق وتكاليفه، ولن يحسن التعامل مع فتنه ومطباته.
  • • استقامة القائد أساس الثقة. وبذلك يكون القائد قدوة يؤتسى به. والمؤسسة التي تجد قائدها أو مديرها مستقيماً نزيهاً تتمتع بروح معنوية عظيمة؛ لأن روح قائدها عظيمة. وهذا ينطبق على كل المنظومة القيادية؛ فإن روح العمل في أي مؤسسة تبدأ من قمتها. أما إذا فسدت هذه الروح في المؤسسة فيرجع ذلك أيضاً إلى قادتها، وفي المثل الأمريكي: "يبدأ موت الشجرة من قمتها"*.

ثقة القائد بمنظومة القيادة

  • • القائد يثق بأتباعه ويحترمهم؛ إذ أولى الناس باحترامك أتباعك.
  • • وثقة القائد بمنظومة قيادته أساسها حسن الاختيار طبقاً للمعيار. ومعيار الاختيار عندنا يقوم على ثلاث: الإيمان والأداء والولاء. وللتفصيل محل آخر.
  • • القائد واثق بنفسه؛ لذا هو يحترم أتباعه ويقدرهم ويثني عليهم؛ فالمهزوم لا يثق بأحد، ولا يحترم إلا من يعارضه، أو من هو أقوى منه.
  • • الثقة بالنفس تمنح الاحترام للآخرين، وإن كانوا أضعف منا.
  • • ثق بأتباعك وعرضهم للتحدي، وسترى كيف تكون الاستجابة.
  • • القائد من يغرس في أتباعه الثقة بأنفسهم ، وليس القائد من يجعل أتباعه يثقون به فقط. إنما ذلك الصنم.
  • • عندما تثق المنظومة المقربة بقائدها ويثق بهم، ينعكس ذلك على الجمهور فتشيع فيه الثقة بالجميع والحماس للعمل خلفهم.

أبوية القائد

  • • الأبوية حاجة فطرية: فردية وجمعية. كل الناس يستشعرونها ويسعون لتلبيتها بغض الطرف عن العمر والجنس والمرتبة الاجتماعية.
  • • للبيت أب إذا فُقد شعرت العائلة باليتم. وللمجتمع أب هو الحاكم يحتاجه الجمهور ويشعر بحالة اليتم نفسها إذا فقده، ويسعى لتعويضه. وكذلك المؤسسة لا بد لها من أب هو قائدها الأعلى يلبي لأفرادها تلك الحاجة الفطرية: "الأبوية".  
  • • لا بد للمؤسسة من قائد أعلى يكون مصدراً للإلهام الروحي، والاستقرار النفسي، والنمو الفكري، يتأثر بشخصيته بقية القادة فيكون زعيماً حقيقياً لهم يستحق التقدم عليهم فيالمسير، ويلتف حوله الجمهور رمزاً يستحق الاتباع البصير. وعلى المؤسسة التجديدية الناهضة أن تعنى بوجود مثل هذا القائد باستمرار، وتهيئ البديل المناسب عند فراغ مكانه لأي سبب من الأسباب. وتحيطه بشيئين: منظومة قيادة تحفظ البنيان، ونظام داخلي يمنع الطغيان.
  • تستلزم الأبوية أن لا يعامل الأتباع قائدهم على اختلاف مراتبهم في المنظومة معاملة الإخوة لأخيهم، وإن كان هو أخاً للجميع. وإنما يعاملونه معاملة الأبناء لأبيهم: فلا يُرد عليه قوله دون تأنٍّ وتمعن. ولا تتبع معه في النقاش طريقة الجدل إلا عند الحاجة، وأحياناً، لا على الدوام. ولا يُتضايق من نصحه منفرداً أو مجتمعاً، بل يقبل منه بترحاب، وإن كان ثمت نقاش فباحترام.
  • • ولتستحضر المنظومة أن القائد بالنسبة إليهم كالشيخ بالنسبة لتلاميذه، والأب بالنسبة لعائلته. والقائد وإن كان لأتباعه أخاً وصديقاً ومعلماً، لكن هذه العناوين لا تمثله حق التمثيل، إنما (الأب) هو العنوان الذي يمثله ويعبر عنه أصدق تعبير.
  • • ليس المقصود بالقائد القائد الأعلى للمؤسسة فحسب، وإنما القواد جميعاً في مختلف مراتب القيادة. فكل قائد هو تابع لمن فوقه في مرتبة القيادة، وهو – في الوقت نفسه - قائد لمن هم دونه في المرتبة. وهذا يستدعي من القادة جميعاً – بصرف النظر عن مراتبهم – أن يبعثوا في أنفسهم روح الأبوة للفريق، ويتمرنوا على ذلك باكتساب الشخصية الأبوية الحقيقية؛ وذلك بالتحلي بعناصرها المستحقة: نفسياً وروحياً ومعرفياً وخبروياً؛ فالأبوية ليست رتبة إدارية تنال بالتعيين، وإنما منزلة قيادية تنال بالتمكين.
  • • بالأبوية العادلة الرحيمة، تكون العَلَمية، التي بها يتحقق التوازن بين الأخوية الباغية والصنمية الطاغية.
  • • وقد عدى العلماء بعض الآداب التي شرعت مع الرسول (صلى الله عليه وسلم) إلى "أمير الإمرة الذي هو في مقعد النبوة"([1])، كما في قوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ) (النور:62). ولا يبعد الاحتجاج بمثل ذلك على بعض الآداب الأُخرى التي ينبغي أن تراعى مع القائد أو الأمير أو الإمام، وإن لم تكن درجة الحكم واحدة لمقام النبوة، ولكن يؤخذ منها الأدب المطلوب اتباعه معه، كما في قوله تعالى: (لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (النور:63). والله تعالى أعلم.

القائد الصنم

  • • الصنمية أخطر عوق يصيب نفوس القادة.
  • • الجمهور المتخلف هو الذي يصنع الصنم، وهو الذي يحطمه بعد فوات الأوان ليقوم بتصنيع صنم آخر.
  • • الصنمية والتخلف سببه ثقافي نفسي اجتماعي، أي الثقافة والنفسية الجمعية للمجتمع. وجذوره قائمة على الاضطهاد بكافة أشكاله. فالثقافة الجمعية للمجتمع الاضطهادي تميل إلى التطلع للمنقذ السحري، والحلول العاجلة. وعادة ما تؤمن بما يسمونه بـ(الحل الوحيد). ومن هنا نشأت (الثورية) والاعتماد على الحلول العسكرية، وإهمال الحل القائم على مشروع حقيقي (مدني): ينطلق من فكرة تؤسس لهدف، يتطلب وسائل وآليات، وتهيئة موارد، وإعداد قيادات، وتربية جمهور في منجاة من العقد والمعوقات النفسية: فردية وجمعية. وهذا هو الذي اعتمده الرسول صلى الله عليه وسلم في بناء الدولة وتأسيس الحضارة. و(الحل الوحيد) في حاجة إلى شخص ساحر الصفات، يتخذونه صنماً ينقذهم من صنم ليكون هو الصنم.. فكان الصنم!
  • • من أسباب التخلف الذي ينتج الصنم قلة الوعي. وهذا يشمل الوعي بالفكرة التي يبنى عليها المشروع، والهدف الذي يتجه إليه، والوسائل الموصلة طبقاً للموارد المتهيئة. كما يشمل الوعي بالذات وصفاتها وقدراتها إيجاباً وسلباً، ومعرفة البيئة المحيطة. مع معرفة عميقة بالعدو فكراً ونفسية، وحاضراً وتاريخاً، ومقاصد وأهدافاً، وخططاً وتدبيراً، وكيف يفكر ويعبّر؟ وكيف يسلك ويتصرف؟ وغير ذلك.
  • • من أسباب التخلف النظام الأساسي المتخلف للمنظومة القائدة، حين لا يتضمن ما يمنع من وصول الصنم إلى القيادة، أو الوسائل السلمية الناجعة لإزاحته إذا وصل. وليس فيه من القواعد والإجراءات التي تمنع صناعة الصنم من جديد في دورة لا تنتهي حتى تبدأ وتعيد. وحين لا يضمن وصول أخفت صوت من أضعف فرد في المؤسسة – مهما كبرت – إلى سمع القيادة الدنيا، أو القيادة العليا إن اقتضى الأمر، وعجزت القيادة المباشرة عن معالجة الحالة.

القائد والقضية : من يكبر على حساب من ؟

القائد العلَم هو الذي يكبر لتكبر به القضية. والقائد الصنم هو الذي يكبر على حساب القضية. فالقضية في حاجة إلى من يحملها لا إلى من تحمله؛ القضية التي تحمل أهلها لا يمكنها الاستمرار.

يقول الدكتور بيتر دراكر([2]) تحت عنوان (الاختصاصات الأربعة للقائد) عقّب عليه بعنوان تحته بخط صغير (اجعل تركيزك على المهمة دون نفسك فالعمل أهم): والاختصاصات الأربعة التي عناها بيتر دراكر هي: إجادة فن الاستماع، والتواصل مع الآخرين ليكون مفهوماً لديهم، وتصحيح الأخطاء بإعادة تنسيق الخطة باستمرار، والتحكم في الذات مقارنة بالعمل. وما يهمني هنا هو الاختصاص الأخير الذي شرحه بقوله:

"أما الاختصاص الأساسي الأخير هو الاستعداد لأن تدرك عدم أهميتك إذا ما قورنت بالمَهَمة. فيجب على القادة أن يجعلوا أنفسهم خاضعين للمهام والعمل. أن يدركوا أنهم مهما كانت لديهم القدرة على الاحتفاظ بشخصيتهم وفرديتهم، ومهما أخلصوا للمهمة، فإن هذه المهمة سوف تطغى عليهم إن آجلاً أو عاجلاً لأن العمل سوف يستمر بعدهم". ثم يقول عبارة في غاية الأهمية يا ليت أتباع سنة محمد صلى الله عليه وسلم يتدبرونها، هؤلِاء الأتباع الذين وجدوا أول حديث في سنته في أعظم ديوان لها من دواوين الحديث هو حديث النية: (إنما الأعمال بالنيات). فإن هذه العبارة وردت في حديث رجل ربما لم يكرمه الله سبحانه بنفحة من إيمان، لكن الحياة علمته أن القائد الذي يريد لشخصيته أن تكبر وغاياته الشخصانية المباحة أن تكون، فعليه أن يحقق هذا خارج نطاق قضيته ومهمته، فيقول مباشرة بعد ما كلامه السابق: "غير أنهم يستعيدون حياتهم الشخصية والإنسانية خارج المهمة".

ثم يواصل (دراكر) قوله وهو يتحدث عن مطب خطير يقع فيه القادة: "ومن ناحية أخرى فإنهم يقومون بعمل أشياء مبالغ فيها معتقدين أن هذا سوف يعزز فكرتهم؛ مما يجعلهم أنانيين، وعملهم غير مجد. وفضلاً عن ذلك كله يصبحون أناساً أنانيين ومغرورين. فإحدى القدرات العظمى التي كان يتمتع بها القائد "ونستون تشرشل" حتى آخر يوم من حياته هي مساعدة ودفع السياسيين من الشباب".

 


[1]- هذا لفظ القرطبي في (الجامع لأحكام القرآن) عند تفسير آية (النور). وشبيه به ما قاله الجصاص في (أحكام القرآن)، وابن العربي (في أحكام القرآن). وقال الشوكاني في (فتح القدير): "قال الزجاج: أعلم الله أن المؤمنين إذا كانوا مع نبيه فيما يحتاج فيه إلى الجماعة لم يذهبوا حتى يستأذنوه، وكذلك ينبغي أن يكونوا مع الإمام... قال العلماء: كل أمر اجتمع عليه المسلمون مع الإمام لا يخالفونه ولا يرجعون عنه إلا بإذن.

[2]- أفكار دراكر اليومية في الإدارة، ص150، تأليف الفيلسوف والأستاذ الجامعي الأمريكي الدكتور بيتر إف. دراكر. وهو مفكر كبير وعلم من الأعلام الأفذاذ في مجال الإدارة. يعد أحد أعظم مفكري الاقتصاد في العصر الحالي.

Add a comment

نظرات في القيادة

yadهذه خطوط عريضة، ونظرات مختصرة عميقة، مستفادة من الخبرة الذاتية، بما فيها من تجربة وتأمل، وقراءة واطلاع وتدبر. وددت تقييدها كمعالم ظاهرة، وعناوين بارزة في أدبيات القيادة. تاركاً تفاصيل الموضوع للقسم الثاني من المشروع، وهو البرنامج. منطلقاً من القاعدة التالية:

·     أزمتنا أزمة هوية، وأزمة قيادة. فأمة بلا هوية واضحة أمة غائبة.. وأمة بلا قيادة ناجحة أمة خائبة.

 

القيادة

تعريف القيادة والإدارة

·     القيادة هي القابلية على حشد الطاقات وجذب الأتباع وتحريكهم باتجاه الهدف.

·     والإدارة تنفيذ تفاصيل العمل.

·  لو شبهنا المشروع بسفينة مبحرة في محيط، فالقائد هو الربان الذي يمسك بدفتها، ويحدد هدفها وخط سيرها، والمدير هو الذي يقوم بتنفيذ تفاصيل الأوامر التي تحافظ على سير وحركة السفينة وصيانتها، وتوفير لوازم العيش والراحة لركابها.

·  القيادة عملية بناء وإعداد شامل تبدأ بالعقيدة والفكر، والنفس والجسد، وتنعكس على السلوك والعمل، وتظهر آثارها في الأنفس وتشرق في الآفاق.

·  قد تكون القيادة فطرية، وهذه تتمثل في قلة من الناس لا تتجاوز الواحد أو الاثنين في المئة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما الناس كالإبل المئة لا تكاد تجد فيها راحلة)([1]). كما أن قلة من الناس لا تصلح للقيادة بحال. وهذا التصنيف يفتح المجال واسعاً للتفاؤل وبذل الجهد لإعداد الجمهور من أجل استخلاص الصالحين منهم للقيادة، ورفد المشروع على الدوام بمزيد من القيادات. وهذا من معاني كون القيادة عملية بناء. وهذا ينسحب على القيادات الفطرية أيضاً، فهي ليست بمنأى عن الحاجة للتهذيب والترصين والنقاش في الوسائل والأساليب، والبحث الدائم عن الفكرة المبدعة التي تنتج العمل الأوفق والأكثر إنتاجاً والأسرع حركة باتجاه الهدف.

مهام القيادة

- إثارة الهمم وتحريكها، والتحكم في حجم ومدى الحركة الناتجة، والسير بها نحو الهدف الكبير أو العام.

- حسن توزيع المهام وتقسيم الأدوار على منظومة القيادة والإدارة.

- غرس الثقة والأمل في النفوس.

- تحديد هوية المؤسسة بناء على العقيدة أو الفكرة الأساسية من جهة، والتحدي الموجود في الواقع من جهة أُخرى.

- وضع المشروع، بما فيه من تحديد الهدف الكبير والأهداف المرحلية والجزئية، والوسائل والآليات الموصلة، ورسم الخطة، وتهيئة الموارد المادية وكيفية استثمارها. وتطوير القيادات وتنمية القدرات.

- كتابة النظام الداخلي، وتشكيل هيكل القيادة الهرمي، ورسم السياسات العامة وتمثيل المؤسسة أمام الدول والمحافل والجهات الأُخرى في الداخل والخارج.

معادلة الاستمرارية والتغيير

تقوم معادلة الاستمرارية والتغيير على الأسس التالية:

·     كل شيء يتغير بمرور الزمن وتعاقب الحدث.

·     كل وجود يبغي الاستمرار رغم التغير.

·  كل مؤسسة في حاجة إلى مرونة تحقق الاستمرار والتطور من جهة، والثبات والمحافظة على الهوية الأصلية للمؤسسة من جهة ثانية.

·     لا بد للاستمرار والتطور من التكيف مع المتغير، بتبني سياسة التوازن بين التغيير والاستمرارية*.

من مهام القيادة تبني سياسة التوازن مراعاة لمعادلة الاستمرارية والتغيير

سياسة التوازن

تقوم سياسة التوازن على الأسس التالية:

أ. العمل المستمر للحصول على المعلومات المستجدة الموثقة*.

ب. السؤال عن أسباب التغيير.

جـ. التعويض المستمر عن النقص في الموارد البشرية والاقتصادية، مع اتباع سياسة التدرج في ذلك التعويض.

د. تقدير ومكافأة العاملين (المبدعين)، والذين يحافظون على تقدم وتحسن مستوى أدائهم*.

هـ. التخلي عن كل ما اعتبر ثابتاً ثم صار مصدراً للضرر، فليس هذا بثابت. إنما هو قيد يعتقل به الإنسان نفسه بنفسه.



[1]- متفق عليه عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. تذكر بعض مصادر علم الأدارة أن 2? من الناس يمتلكون القدرة على القيادة بالفطرة، و2? لا يصلحون للقيادة بحال. وأن 96? يمكن تدريبهم ليصبحوا قادة.

Add a comment

مجموعات فرعية

فكر القائد

 

مفاتيح الفكر القيادي

في فقرة (الإيمان والتنمية الإيمانية) حددنا جملة مقاصد نبغيها من وراء تضمين هذا الموضوع في (منهجنا). وكان المقصود الثاني منها "اعتماد مبدأ (التنمية الذاتية للإيمان). أي قدرة المسلم على تنمية إيمانه ذاتياً، ورعايته له شخصياً، والوصول إلى المراد الرباني من تزكية نفسه دون الاعتماد - كحاجة أساسية - على حث الآخرين وموعظتهم وتأثيرهم". لكن كيف يمكن تحقيق هذه الغاية السامية بالقدرة الذاتية؟

وضعت لذلك مفاتيح لخصتها بما يلي: "إطلاق طاقة النظر في آيات الأكوان من ناحية، وتدبر آيات القرآن من ناحية ثانية، ورعايتها حتى تصل إلى غايتها من الإيمان وعمل الأركان".

 

بدل أن تمنحني وردة علمني كيف أغرس شجرتها

إيمان جمهورنا يستورد من الخارج بالتلقين والحث، وليس من الداخل بالحوار الفاعل بين الوحي والنفس. بينما الحكمة تقول: بدل أن تمنحني وردة علمني كيف أغرس شجرتها. وفي طلب المؤمنين الهداية من الله في آخر سورة (الفاتحة): (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) (الفاتحة:6)، وجوابه تعالى لهم في أول سورة (البقرة) قائلاً: (ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ) (البقرة:2) إشارة إلى أن الهداية لا تمنح من الخارج منحة حتى لو كان المانح هو الله الذي هو على كل شيء قدير! ما لم تصنع من الداخل صناعة قوامها العبد الراجي والكتاب الهادي، فدونكم هذا الكتاب فخذوا بما فيه هدىً للمتقين العاملين لا لغيرهم. هكذا – كما نفهم – قال الله.

 

مفاتيح التدبر لا ثماره فقط

ذات يوم قبيل صلاة الجمعة كنا (أنا وفاطمة) نستمع إلى أحد الشيوخ من خلال شاشة التلفاز، وهو يتحدث عن موضوع الحب في القرآن، في محاضرة يلقيها على مجموعة من الشباب في أحد مساجد إستانبول الواسعة الأرجاء والأبهاء. يبدو أنها حلقة في برنامج للتفسير بعنوان (تدبر). أجاد الرجل في طرح الموضوع، وأفادنا بمعلومات مفيدة. ابتسمت ونظرت إلى زوجتي، قلت لها: كلام قيم، ولكنه لم يضع في أيديهم مفاتيح التدبر، إنما أعطاهم ثماره فقط. لم يعلم الحاضرين الكيفية التي بها يمكنهم من أن يستنبطوا المعاني نفسها التي استنبطها هو، دون الحاجة إليه على الدوام.

انظري! لم يعلمهم آلية "تخليق الفكرة"( ). وهذا ما يفتقده المنهج الذي يسير عليه عامة شيوخ الدين، النابهين منهم قبل الخاملين. قالت أم محمد: كيف؟

قلت: هل عرفت كيف استنتج الشيخ هذه المعاني الجميلة المتتابعة كالماء المترقرق في كلمته؟ نظرت إلي ولم تجب. قلت لها: هذا يسمى (التفسير الموضوعي) للقرآن الكريم. ومن طرقه أن نختار كلمة مثل الجهاد، الصلاة، الإنسان... ثم نتتبعها في مواضعها ونجمع الآيات التي وردت فيها، ثم ننظر في معانيها ونتأمل جيداً في سياقها، وعلاقتها بالسورة التي هي فيها، والمحور العام الذي تدور فيه، والمعنى الخاص الذي جاءت في تضاعيفه... وهكذا سيجد القارئ والباحث نفسه أمام سيل من المعاني ذات العلاقة المشتبكة في تشكيلة دونها باقة الورد التي انتظمت بعد أن كانت متفرقة. وبالتحقيق والتدقيق تظهر معاني لطيفة خفية.

هذا ما فعله الشيخ. هذه هي الطريقة التي تخلقت بها أفكاره وتكونت محاضرته. ولو بيّـنها للحاضرين لكان أنفع له ولهم أضعافاً كماً ونوعاً. والحكمة تقول: "بدل أن تمنحني وردة علمني كيف أغرس شجرتها". هذا هو الذي ينقص مناهج الوعظ والتعليم في منابر الخطب وكراسي المحاضرات. وهذا هو الذي ينقص مؤسساتنا كي تمارس دورها الريادي.

 

القدرة على تخليق الفكرة أهم من الفكرة

هذه مشكلة كبيرة ومزمنة. من نتائجها وجود كتل من العاملين ولكن بغير الطاقة الذاتية. نعم يعملون ولكنهم بمحرك من خارج أنفسهم.. يعيشون طفيليين لا يمكنهم إنتاج ما يغذون به مفاصل حركتهم الفكرية، والمادية أيضاً. مسيرين لا مخيرين. مستهلكين لا منتجين. ويبدو لي أن الأحزاب والجماعات التقليدية تبحث عن هذا الصنف من الأتباع؛ بمثلهم يمكنهم إدارة عجلة مؤسساتهم دون صداع. وربما يسعون عن عمد إلى صرفهم عن كيفية زراعة الشجرة، ولا يظهرون لهم سوى الوردة العطرة؛ فيحققون مكسبين في وقت واحد: الإعجاب بلون الوردة وعطرها، والتسويق الدائم لها في هذا الوسط الذي سيبقى على الدوام محتاجاً لشرائها من دكاكينهم؛ وبذلك يضمنون تبعيته الدائمة لهم.

هي عملية تشبه عملية الاستعمار الاقتصادي التي تعيث في أقطارنا. الاستيراد هو المسموح به أو – بالحري - هو المطلوب، أما التصنيع فممنوع، وكل سر لـ(تخليق) المنتوج يمكن إخفاؤه يبقونه في ظلمات الكتمان، بل كل سر لأي منتوج ستراتيجي، مثل السلاح النووي، يجب أن يبقى حكراً على الكبار، ومن حاول معرفته من (الصغار) تخلصوا منه بأي وسيلة، ولاحقوا كل من لديه طرف منه بالاغتيال، كما حصل لصدام حسين وعلماء العراق.

وقف رئيس إحدى هذه المؤسسات يؤبن أحد أعضاء المؤسسة، وهو من أروع من رأيت من المفكرين المبدعين، ومن القلة الذين يستحقون وصف القائد فيهم. ولو أمهلته يد القدر لكان له اليوم شأن كبير. كانت أول كلمة قالها المؤبن في حقه: "لقد كان أخاً مطيعاً". وتهدج صوته واستعبر وكاد يجهش باكياً عندما تلفظ بكلمة (مطيع). يبدو أن صفة الطاعة هي أسمى صفات العضو في مؤسستهم. وقد أضحك ساخراً وأنا أروي هذا المشهد وأقول: لو سكّنت العين ومددت الياء عدة حركات لبدت الكلمة (مطيـــــــ ـع) بغير عين)! هذا هو المطلوب في عامة المؤسسات التي أدركناها!

ذلك من أجل المحافظة على سياق التبعية.

لا أزعم أن كل أولئك الذين يمارسون عملية (التغذية الفكرية بالتقطير) يتعمدون ذلك. ولكن هذا واقع يحتاج منا إلى تفسير أولاً، ووعي ثانياً وهو أهم من الأول، وعلاج يقوم على مطالبة زعماء المسيرة بأن يعلّـموا أتباعهم، إضافة إلى الفكرة، كيفية "تخليق الفكرة" كي نسهم في ولادة جيل قيادي جديد باتت الحاجة ماسة إليه.

primi sui motori con e-max.it