10- نظرات في المال والسياسة المالية

نظرات في المال والسياسة المالية

 

مقدمات ومعالم أساسية

 

مقدمات

 

 

  • • المال إحدى نعم الله تعالى وهباته، التي تستحق من العبد الشكر تجاهه: اعترافاً بفضله في هبته، وتحديثاً بزيادة نعمته، وكسباً حلالاً من مصدره، وإنفاقاً مندوباً في صالح وجهته. هذا مع الشعور بالتقصير في حقه جل جلاله.
  • • وحب المال فطرة مركوزة في كل إنسان، وليس في ذلك عيب ولا نقصان؛ ما دام ضمن حدوده الشرعية، وقيوده المرعية. وقد شهد بذلك العالم الشهيد فقال: (وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ) (العاديات:8).ومما تعلمناه من أسلافنا: (المال في يدك: نعم.. في جيبك: نعم.. في كيسك: نعم. في قلبك: لا ولا كرامة). ومما قالوه أيضاً: (المال كالدابة أحتاجها وليست في قلبي).
  • • نتخذ للرزق الأسباب، ولكن القلب معلق بالرازق الوهاب ثقة به وتوكلاً عليه (وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (العنكبوت:60). فترك الأسباب قدح في العقل، والاعتماد عليها قدح في الشرع. والحق بين بين ووسط بين جفوتين.

معالم أساسية

  • • المال هيبة ورئاسة، وأحد أسباب السيادة ونجاح السياسة. ولا قضية جادة بلا مادة.
  • • المبدأ أولاً، ولكن المال ليس ثالثاً.
  • • القضية في حاجة إلى من يحملها لا إلى من تحمله.
  • • القضية التي تحمل أهلها لا يمكنها مواصلة المسير طويلاً، كالسفينة إذا كثر ركابها غارقة لا محالة.
  • • الولاء للإعطاء، وليس للأخذ.
  • • المستفيد يستمر معك على قدر الفائدة، فإذا انقطعت انقطع به المسير.
  • • المعطي أو المضحي يشعر بعمق أنه جزء من المنظومة، ويكون حقاً كذلك. بينما الآخذ أو المستفيد يشعر أنه خارجها ولا يقبل الاندماج بها مهما أعطيت وحاولت. ولا يزيده الأخذ إلا عمقاً في الشعور، وتثاقلاً في المسير.
  • • شجع أفراد المنظومة على البذل، والسعي في توفير المال لتحقيق أنشطة المنظومة. ولا تعودهم على التفكير في أي نشاط أو إنجاز أي هدف دون التفكير في تهيئة ما يلزمه من نفقة. وفي قصة بني إسرائيل دلالة حين طلبوا من موسى (عليه السلام) أن يعرف لهم القاتل فقال لهم: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً) (البقرة:67). فالمنجزات التي تأتي عفاء تذهب هباء.
  • • لا تمنح شيئاً من يتوهم أن ما تعطيه هو حقه أو بعض حقه! وأنك مجرد مؤتمن يؤدي ما في يديه أو محاسب يسلم له ما عليه. فإن هذا سيفجرك في اللحظة التي ينقطع فيها العطاء، وربما انقلب لك عدواً ناكراً. وستكتشف أن كل عبارات الشكر القديمة كانت ملقاً ومداهنة، أو بلا مستند وثيق.
  • • من أسدى إليك معروفاً وهو يشعر أن ذلك واجب عليه، سيشكر لك ما قمت به عنه من ذلك وإن كان لصالح نفسك.
  • • للناس علينا أن نقوم لهم بتهيئة المنظومة التي من خلالها يعبرون عن دينهم وقضيتهم، وليس لهم علينا أن نقوم عليهم بما كسبوا.
  • • المؤهل أول وسابق في النظر، والمال لاحق ولكنه سائق لتحقيق الأثر. وبهما كليهما حسب المنزلة كانت القوامة: (بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ) (النساء:34).
  • • صاحب المال في الواقع هو القائد مهما كانت مؤهلاته. فعلى أهل الشأن أن يحرصوا على وضعه بأيديهم؛ ليكونوا في مكانهم الرائد. وإلا اختل المسير باختلال المعادلة.
  • • لا تحصر همك في تحصيل المال من الخارج، واجعل جهدك منصباً على استثماره واستحصاله من الداخل: (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) (البقرة:3). واحذر (المال السياسي) فإنه مزلقة ما لم يحسب بدقة. واجعل شعارك "مال المانح ليس بصالح". عن أنس بن مالك (أن رجلا من الأنصار أتى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عطاء. فقال: (أما في بيتك شيء) قال: بلى حلس نلبس بعضه ونبسط بعضه وقعب نشرب فيه من الماء. قال: (ائتني بهما). قال: فأتاه بهما فأخذهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده وقال: (من يشتري هذين)؟ قال رجل: أنا آخذهما بدرهم قال: (من يزيد على درهم)؟ مرتين أو ثلاثاً قال رجل: أنا آخذهما بدرهمين فأعطاهما إياه وأخذ الدرهمين وأعطاهما الأنصاري وقال: (اشتر بأحدهما طعاماً فانبذه إلى أهلك واشتر بالآخر قَدوماً فأتني به فأتاه به) فشد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم عوداً بيده ثم قال له: (اذهب فاحتطب وبع ولا أرينك خمسة عشر يوماً). فذهب الرجل يحتطب ويبيع فجاء وقد أصاب عشرة دراهم فاشترى ببعضها ثوباً وببعضها طعاماً. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هذا خير لك من أن تجيء المسألة نكتة في وجهك يوم القيامة. إن المسألة لا تصلح إلا لثلاثة لذي فقر مدقع أو لذي غرم مفظع أو لذي دم موجع) رواه أبو داود واللفظ له، والنسائي والترمذي وحسنه. وفي صحيح البخاري عَنْ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ, عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ أحبلهُ, ثم يأتي الجبل, فَيَأْتِيَ بِحُزْمَةِ من حَطَبِ عَلَى ظَهْرِهِ, فَيَبِيعَهَا, فَيَكُفَّ اللَّهُ بِهَا وَجْهَه, خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ, أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ).
  • • المال السياسي قنطرة منخورة ، سرعان ما تنهار وتؤدي بعابرها إلى البوار. والضمان بالتنمية الذاتية للمال قدر الإمكان.
  • • المال عامل بناء، أو معول هدم.
  • • أكبر أسباب الفتنة في الجماعات هو المال، عندما:

-     يساء استخدامه: عمداً أو جهلاً.

-     يفشو الجهل بين الجمهور وتتحكم الشبهات، وتهمل الأصول والمحكمات.

-     تضعف التربية الإيمانية؛ فيتحكم الهوى والطمع.

Add a comment

من دروس

 

القرآن الكريم والسنة النبوية

 

 

سورة (آل عمران)

سورة (آل عمران) درس عظيم من دروس معركة (أحد). وفيها:

  • • الثقة بالقائد أساس نجاح المنظومة. والمال أول ثغرة في نفس المريض يتسلل منه الشك في الثقة به. والشك في القائد الموثوق إنما يترشح من خبث نفس الشاك، وإلا كيف اختاره واتبعه؟ فالأصل هو الثقة، وفي التأول لصالحه مندوحة.

يقول تعالى: (وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) (آل عمران:161). قال ابن جرير (بسنده) عن ابن عباس أن هذه الاَية نزلت في قطيفة حمراء فقدت يوم بدر، فقال بعض الناس: لعل رسول الله أخذها. فأكثروا في ذلك، فأنزل الله الآية. قال الترمذي: حسن غريب. وعن ابن عباس: اتهم المنافقون رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء فُقد، فأنزل الله تعالى: (وما كان لنبي أن يغلّ).

فإذا كان الناس لديهم الجرأة على اتهام نبي مزكى من الله، فكيف هم بسواه! والعاقل من غلّب التأويل على التشكيك. وسابق التأمين لا يستقيم معه لاحق التخوين.

 

من دروس السيرة النبوية

  • • الاستفهام هو الأدب الواجب قبل المبادرة بالاتهام.
  • • لا يجاب المبادر بالاتهام، إنما ذلك لمن طرح السؤال على سبيل الاستفهام. أما المبادر بالتهمة على الظن والشبهة فلا يصلح له جواباً ولا علاجاً سوى الزجر والتأديب.

روى الإمامان البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري (رضي الله عنه) قال: بينما نحن عند رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وهو يَقْسِم قَسْماً، أتاه ذو الخويصرة، وهو رجل من بني تميم، فقال: يا رسول الله اعدل. فقال: (ويلك، ومن يعدل إذا لم أعدل، قد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل). وفي رواية: قال: فنزلت فيه: (ومنهم من يلمزك في الصدقات).

بينما المتأدب بأدب الإسلام، والمتربي في مدرسة الرسول صلى الله عليه وسلم، يدرك بإيمانه وعقله ومنطقه أن اليقين الراسخ لا يقاوم بالشك الطارئ. فإن عرض من ذلك عارض لجأ إلى الاستفهام، فيأتيه الجواب دواء وشفاء فـ(الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ) (الأعراف:201). ذلكم هو الفاروق (رضي الله عنه) الذي كان موقفه فرقاناً وبياناً وسنةً وقانوناً نسير على هداه في ضباب هذه الشبهات. فقد روى الإمام مسلم في صحيحه عن عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) قال: قسم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قَسْماً. فقلت: والله يا رسول الله لغير هؤلاء كان أحق به منهم. قال (إنهم خيروني أن يسألوني بالفحش أو يبخّلوني. فلست بباخل).

وهذا هو ديدن الصحابة (رضي الله عنهم) في الحالات المشابهة. فقد روى الإمام مسلم في صحيحه أيضاً عن عامر بن سعد عن أبيه سعد (رضي الله عنه) أنه أعطى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) رهطاً وأنا جالس فيهم. قال: فترك رسول الله (صلى الله عليه وسلم) منهم رجلاً لم يعطه. وهو أعجبهم إلي. فقمت إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فساورته فقلت: يا رسول الله! مالك عن فلان؟ فوالله إني لأراه مؤمناً. قال: (أو مسلماً). فسكت قليلاً. ثم غلبني ما أعلم منه. فقلت: يا رسول الله! مالك عن فلان؟ فوالله إني لأراه مؤمناً. قال (أو مسلماً). فسكت قليلاً. ثم غلبني ما أعلم منه. فقلت: يا رسول الله! مالك عن فلان؟ فوالله! إني لأراه مؤمناً. قال (أو مسلماً). قال: (إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه. خشية أن يكب في النار على وجهه).

قف..! وقارن بين موقف عمر وسعد رضي الله عنهما، وموقف الأحمق الخائب ذي الخويصرة.

فيما يلي زيادة شرح لبعض الفقرات التي ذكرتها آنفاً:

في سورة (آل عمران) حديث مهم وجوهري عن المال وكيف يمكن أن ينحرف دوره فيكون عاملاً من عوامل تمزيق النسيج الجمعي للمؤسسة، وفصم العلاقة بين القائد وجنوده عندما يثور الشك في بعض تصرفاته المالية التي تحتاج إلى تفسير من أجل فهمها على وجهها، وأن بعض الأتباع يبادرون إلى الاتهام قبل الاستفهام. يعيننا على هذا الفهم ما ورد في السورة الكريمة من قوله تعالى وغيره: (وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) (آل عمران:161). فإذا كان النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) معرضاً لأن يتهم بالغلول (أي الأخذ من الغنيمة خلسة قبل أن تقسم)، فغيره أولى بتعرضه للتهمة؟ قال ابن كثير رحمه الله تعالى: وقوله تعالى: (وما كان لنبي أن يغل) قال ابن عباس ومجاهد والحسن وغير واحد: ما ينبغي لنبي أن يخون... وقال ابن جرير (بسنده) عن ابن عباس أن هذه الاَية (وما كان لنبي أن يغل) نزلت في قطيفة حمراء فقدت يوم بدر، فقال بعض الناس: لعل رسول الله أخذها، فأكثروا في ذلك، فأنزل الله (وما كان لنبي أن يغلّ ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة) وكذا رواه أبو داود والترمذي وقال: حسن غريب... وروى ابن مردويه من طريق أبي عمرو بن العلاء عن مجاهد عن ابن عباس قال: اتهم المنافقون رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء فُقد، فأنزل الله تعالى: (وما كان لنبي أن يغلّ) وروي من غير وجه عن ابن عباس نحو ما تقدم. وهذا تنزيه له صلوات الله وسلامه عليه من جميع وجوه الخيانة في أداء الأمانة وقسم الغنيمة وغير ذلك.

والسيرة النبوية حين نستعين بها نجدها ثرة معطاءة في توسيع دائرة هذا الفهم. وفي قصة ذي الخويصرة عبرة وتبصرة.

Add a comment
primi sui motori con e-max.it