4- فقه الهوية

لا قضية بلا هوية

في الباحة الخلفية للمسجد النبوي الشريف، كنت أتمشى جيئة وذهاباً مع أحد الإخوة الفلسطينيين الذين هجرتهم المليشيات الشيعية من العراق، ونتحدث عن همومنا المشتركة وكيفية مواجهتها. وجرنا الحديث عن (الهوية السنية) والحاجة إلى الانضواء تحت رايتها، والتكلم باسمها كضرورة من ضرورات هذه المرحلة. قلت له:

- في عام 1948، العام الذي قسمت فيه فلسطين وتأسست (دولة إسرائيل)، كانت بلدان العرب ترزح تحت نير الاستعمار. فلو افترضنا أن الفسطينيين لم يتكلموا بشيء اسمه (القضية الفلسطينية)؛ متوهمين أن ذلك يتعارض مع قضية الأمة العربية، فكانت مطالبهم كلها باسم العرب دون ذكر ما يتعرض له الفلسطينيون من ظلم، والمطالبة بما لهم من حق: هل يمكن أن تكون لهم قضية يستحصلون بها ما يمكن أن يستحصل من حقوق، ويتلقون من دعم عربي وعالمي، وتقف معهم دول ومنظمات عالمية؟ (قال):

- أبداً؛ فإن الحقوق الخاصة تحتاج لأخذها إلى اسم وهوية خاصة. (قلت):

- هذا هو السر في أن (السنة العرب) في العراق بذلوا أعظم الجهود والتضحيات، وتحملوا وحدهم ضريبة الغزو: احتلالاً وإجلاءً، لكنهم في النهاية لم يحصلوا على شيء! والسبب أن (السنة العرب) تكلموا وعملوا ودافعوا باسم (العراق) وليس باسمهم الخاص. لم نجد أي مؤسسة أو حزب أو هيئة أو فصيل رفع راية (السنة العرب) وتكلم باسمها وتصرف على أساسها. بينما الشيعة تكلموا باسم الشيعة ورفعوا شعار المظلومية الشيعية، والكرد – كذلك - تكلموا باسم الكرد ورفعوا شعار المظلومية الكردية. فحصل الطرفان على ما يريدان. أما نحن فبترت أطرافنا العليا والسفلى، ولم نحصل على ما نريد؛ لأنه لم يشاهد أحد لنا من راية ولم يسمع بهوية، سوى هوية العراق الذي سيطر عليه الشيعة اليوم، وصاروا يتكلمون باسمه فأصبحت الثمار السنية والشيعية كلها تسقط في سلة العراق.. أي في سلة الشيعة.

هل تعلم....... أن العراق بلعَنا نحن السنة العرب، وإذ بلع الشيعةُ العراقَ فقد صرنا نحن في بطن الشيعة كتحصيل حاصل. أما الكرد فبسبب من تمسكهم بهويتهم الخاصة لم يستطع الشيعة ابتلاعهم باسم العراق.

وهل تعلم...... عندما رفع السنة العرب هوية العراق العامة متناسين هويتهم الخاصة، ورفعوا صوتهم عالياً في المحافل الدولية عن (العراق المحتل)، وقاوموا الغزاة دفاعاً عن (العراق) وباسم (العراق)، تكون لدى العالم أجمع قريبه وبعيده انطباع مؤداه أن أزمة العراق تكمن في الاحتلال فإذا جلا عنهم عولجت الأزمة وانتهت المشكلة، بل هذا ما صرح به سنة العراق أنفسهم! فماذا ترتب على هذا الانطباع؟

لقد قرر المحتل الأمريكي الانسحاب من العراق، وأعلن عن اكتمال جلاء قواته بنهاية سنة 2011، وها هو يتهيأ لسحب آخر جنوده. إذن وصلت محنة العراق في تصور العالم إلى شوطها الأخير وقد قاربت نهايتها، وعندها سيغلق ملف مأساة العراق بعناوينه الرئيسة. حتى إن بعض الدول بدأت تأمر اللاجئين العراقيين فيها بالعودة إلى بلدهم. وهذا شاهد على صحة أن العالم يتصور أن محنة العراق تنتهي بانتهاء الاحتلال.

فهل هذه هي الحقيقة؟ هل انتهت محنة (السنة العرب) بانتهاء محنة (العراق) كما هو مفترض كنتيجة طبيعية لذلك؟ أم إن محنة (السنة العرب) الآن بدأت؟

ما عاد ( العراق ) يعبر عن ( السنة العرب ) ..!

والسؤال الجوهري: إذا كانت محنة العراق تزول بجلاء المحتل، فلماذا لا تزول محنة السنة بهذا الجلاء، أي بانتهاء محنة (العراق)؟

أليس معنى هذا أن (العراق) بمفهومه الحالي ما عاد في الواقع يمثل السنة أو يعبر عنهم؟ فعن أي عراق دافع السنة وقاموا المحتل وضحوا بخيرة شبابهم إذن؟

هناك افتراق قد حصل دون أن نشعر بين مفهوم (العراق) ومفهوم (السنة) بحيث أصبح العراق شيئاً آخر ليس (السنة العرب) من مكوناته، ولو كانوا كذلك لشملهم غُنمه كما عمَّهم غُرمه!

أما الغُرم فقد جلبناه على أنفسنا لتخلف ثقافتنا وتخلخل فكرنا. والغُنم فقد حرمنا منه؛ لأن الحقيقة تفرض نفسها، حقيقة أن (العراق) ما عاد يمثلنا.

فهل فطن السنة لهذه المفارقة الكارثية؟

وهل عندهم من فكر جديد يرسم معادلة جديدة لحل هذه المفارقة العجيبة؟! أم سيظلون غائبين في سمادير الكهوف الخربة لذلك الموروث الثقافي القديم والثقافة (الوطنية) البالية الخائبة؟

آن الأوان ليتحدث السنة العرب ويعملوا تحت عنوان (الهوية السنية) تخصيصاً، ولا يكتفوا بـ(الهوية العراقية) تعميماً.

إن جهود وتضحيات السنة لأكثر من ثماني سنين أريقت هدراً بسبب فقدان هذه الهوية التي من دونها لا يمكن جني ثمرة أي جهد لصالحهم.

Add a comment

جذور الهوية السنية

الصحابة هم واضعو ( الهوية السنية )

ليست (الهوية السنية) بدعاً من القول، ولا هي طارئاً غريباً على عقيدة الأمة وفكرها وثقافتها. بل هي - بشقيها المتلازمين: (السنة) و(الجماعة) – تمثل العنوان الآخر الذي يعبر عن أمة الإسلام تمام التعبير. فالصحابة رضي الله تعالى عنهم هم الذين أسسوا هذه الهوية. واتباع الصحابة أصل شرعي ثابت بنص قوله تعالى: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (التوبة:100). ولم يحدث أن نكلت الأمة السنية في العراق والشام وما شابهها من البلاد عن هذا العنوان الشريف (أهل السنة والجماعة) إلا في زمن العلمانية الطارئة وربيبتها (الوطنية) الساذجة.

ومن تتبع جذور هذه الهوية في تاريخ الإسلام يقف أمام علامة فارقة في تاريخ الهوية وكيف أنها مرتبطة بنوع التحدي، فهو الذي يفرضها ويظهرها، وهو الذي يمنحها عنوانها وسِمَتها.

في البدء كان الصراع بين الإسلام وخصومه خارجياً، وهذا شيء طبيعي في مسيرة الدعوات، ثم بعد فترة ليست قصيرة بدأت الدوامات بالتكون داخل التيار.

قبل حدوث الصراعات الداخلية كان الإسلام هو الهوية المعبرة عن الأمة أمام خصومها؛ لأنهم كفار واضحو الكفر والوجهة. وكان هناك فسطاطان فقط: فسطاط الإسلام وفسطاط الكفر. فكان الإسلام هو الهوية الجامعة المانعة. ثم لما تحول جزء من الصراع العقائدي إلى الداخل الإسلامي جعلت الأمة تعبر عن نفسها وتشهر في وجه تلك التحديات هوية داخلية إلى جانب تلك الهوية التي تعبر بها عن نفسها وتبرزها في وجه التحديات الخارجية.

تلخصت التحديات الداخلية بظهور فرقتين: الخوارج والروافض. وكان أجلى ما يميز الطائفتين معاً: مخالفة السنة بالبدعة، والخروج على سلطان الأمة بالفرقة. فاصطلح الصحابة رضي الله عنهم على هوية داخلية تميزهم عن المخالفين للسنة المفارقين للجماعة، فكانت الهوية المعبرة المميزة تحمل هذا الاسم العظيم (أهل السنة والجماعة). فقد ثبت من كلام ابن عباس رضي الله عنهما عند تفسـير قوله تعالى (يَوْمَ تَبْيـَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْـوَدُّ وُجُوهٌ) (آل عمران:106) قال: (يعني يومَ القيامة حين تبيضُّ وجوه أهل السنة والجماعة؛ وتَسْوَدُّ وجوه أهل البدعة والفرقة)([1]).

وروى مسلم في مقدمة (صحيحه) عن إبن سيرين قال: (لم يكونوا يسألون عن الإسناد فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم). لم يقل: (ينظر إلى المسلمين... وإلى الكافرين...)؛ فالتميز بالسنة هو المنتج أمام أهل البدع، وليس الإسلام؛ لأن هؤلاء يندرجون تحت رايته العامة وهويته الجامعة.

وعن سعيد بن جبير رحمه الله (وهو من تلاميذ ابن عباس) في تفسير قوله تعالى: (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى) (طه:82) قال: لزوم السنة والجماعة([2]).

المعنى العام والمعنى الخاص لـ( أهل السنة )

ويُراد بهذا الاسم (أهل السنة والجماعة) معنيان: معنى عام هم جميع المسلمين عدا الرافضة، ومعنى خاص هم أهل السنة المحضة.كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (فلفظ أهل السنة يراد به من أثبت خلافة الخلفاء الثلاثة، فيدخل في ذلك جميع الطوائف إلا الرافضة. وقد يراد به أهل الحديث والسنة المحضة ، فلا يدخل فيه إلا من يثبت الصفات لله تعالى، ويقول: إن القرآن غير مخلوق، وإن الله يرى في الآخرة، ويثبت القدر وغير ذلك من الأصول المعروفة عند أهل الحديث والسنة)([3]).

وبهذين المعنيين نؤسس لـ(هويتنا السنية)، كما أن كلا المعنيين مقصودان عندنا كلٌّ بحسب الحاجة والموقف: فأهل السنة في العراق اليوم مستهدفون جميعاً من قبل الشيعة وإيران دون تفريق بين مذهب ومذهب؛ فهنا يكون المعنى العام الذي يشمل جميع السنة هو مقصودنا بـ(أهل السنة والجماعة) أو (أهل السنة) أو (السنة). فتكون الهوية السنية اسماً جامعاً لكل السنة بجميع مذاهبهم، مانعاً لكل الشيعة بجميع طوائفهم. فمن قال: أنا سني وعمل تحت هذا العنوان فهو السني. ولكننا عند تبني المنهج السليم اعتقاداً ودعوة وإيماناً ونصرة، وعند تربية القيادات عليه وتهيئتهم لأخذ دورهم في قيادة المجتمع، وقبولهم في خاصة مشروعنا، نقصد المعنى الخاص حصراً.



- شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة،1/72. الإمام هبة الله بن الحسن بن منصور اللالكائي. ونقله عنه ابن كثير في تفسيره.

- المصدر السابق، 1/71.

- منهاج السنة النبوية (2/221).

Add a comment

الهوية السنية

أسباب الفقدان

 

فقدان الهوية السنية

بالرغم من تعرض أهل السنة إلى الظلم والإقصاء الطائفي المعلن على يد الشيعة في البلدان التي يكثرون فيها كالعراق ولبنان، أو يسيطرون فيها على مقاليد الحكم كسوريا، لكن السنة إلى اليوم يعانون من فقدان (الهوية السنية) وتناسيها إلى حد الخجل من ذكرها، والتنصل من الانتماء إليها، ولم يدركوا سر قوتها وارتباط وجودهم بالإعلان عنها. السنة فقط هم الساكتون دون سواهم؛ فلا حرج اجتماعياً في أن يقول الشيعي: أنا شيعي، ويعتز بشيعيته، والكردي: أنا كردي، ويعتز بكرديته، والمسيحي والفيلي، وحتى اليزيدي. كما أن الانتماء إلى الهوية العشائرية أو العائلية لا يجد صاحبه تناشزاً فيه مع الهوية القطرية، ولا غضاضة لو جمع بين الهويتين السابقتين مع الهوية القومية، وفي الوقت نفسه ينتمي إلى الهوية الإسلامية، ولا يرى تناقضاً بين هذه الهويات مجتمعة، حتى إذا وصل الأمر إلى (السنة) بدأ مؤشر الخطر بالظهور!

العلة ثقافية لا موضوعية

في مئة السنة الماضية شاعت (الثقافة الوطنية) في أوساطنا، بحيث صارت نداً للهوية المذهبية التي صارت توصم بالطائفية. ومن أسباب ذلكأن حكام العراق، ومعظمهم سنة، وجدوا أنفسهم متورطين في معادلة اجتماعية صعبة الحل، وحكم دولة منقسمة على نفسها بين مكونات رئيسة ثلاثة (السنة والشيعة والكرد) انقساماً مزمناً لم يجدوا إزاءه علاجاً ناجعاً، وإذ عجزوا عن وضع حل سياسي متطور، لجأوا إلى حيلة ساذَجة هي الدعوى بأن العراق شعب واحد، وأن هذا (الشعب) أعظم من أن يفرقه دين أو مذهب أو عرق وأكبر من أن يفكر في مثل هذه الأمور (الصغيرة). فلجأوا إلى المسكنات الظاهرية، ورفعوا شعار الوطن والمواطنة والوطنية، ولعلهم توهموا أن في تلك الشعارات يكمن الحل!

لقد عالجوا الموقف بعبور اللغم لا بتفكيكه وإزالته، فانفجر علينا سنة 2003! ولم يكن ذلك عن جهل منهم بطبيعة تكوين البلد فالملك فيصل الأول - مثلاً - يقول في مذكراته: (أقولها و قلبي ملآن أسى، إنه في اعتقادي لا يوجد شعب في العراق، إنما هناك تكتلات بشرية خالية من أي فكرة وطنية، مشبعة بتقاليد وأباطيل دينية، لا تجمعهم جامعة، ميالون للفوضى، سماعون للسوء).

النتيجة أن العرب السنة هم الوحيدون الذين بلعوا الطعم، وتبنوا (الوطنية) بصدق: حكومة وشعباً؛ بسبب من شخصيتهم (الأبوية) التي يتمتعون بها من الأصل، والتي تميل إلى الجمع وتنفر من التفرق؛ فهم ورثة حضارة وسليلو ملك ولديهم إرث تراكمي في القيادة والحكم يقدر بآلاف السنين. وقد حكوا دولاً وإمبراطوريات يشيع فيها التعدد العرقي والديني، تعاملوا معه بروح حضارية جاء الإسلام فرسخها وعززها بمثل قوله تعالى: (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْوَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (الممتحنة:8).

كيف حافظ الشيعة والكرد على هوياتهم الخاصة دون السنة

أما الشيعة والكرد فلم يتأثروا بها بتلك الشعارات؛ والسبب قوة الانتماء الطائفي لدى الشيعة بحيث أن البراء من السنة يشكل عندهم عقيدة لا يمكن التخلي عنها إلا في حالة واحدة هي الكفر. يسند هذا العامل العقائدي عامل نفسي متجذر لا يمكن قلعه بحال؛ فالشيعي يعاني من (المظلومية) تجاه السنة إلى حد (العقدة). هذا سوى عقد أخرى متعددة وخطيرة كالثأر والانتقام والحقد والعدوانية. فإذا أضفت إليها الولاء لإيران، ثم تقديس الشيعي للمرجع الذي يشحنهم بالمعاني السابقة وتبعيته له، اكتملت سواتر الدفاع ضد الثقافة الوطنية، وتحولت إلى مجرد ادعاء يستعمله عند الحاجة ثم ينزعه، تساعده على هذه الازدواجية عقيدة (التقية).

وأما الكرد فقد كان التطلع إلى كيان قومي وتأسيس دولة كردية هي الهوية الطاغية على شعورهم، وهي الهوية الجامعة لهم المانعة من الانسياق وراء الدعوات الوطنية؛ لأنهم يجدون تناقضاً بين الهويتين.

وهكذا عمل الشيعة والكرد كل لخدمة كيانه في ظل هويته الخاصة. وحتى يتجنب الحكام والسياسيون إثارة الطائفتين فقد حصلت مداراة نسبية، وغض طرف عن التكلم بالخصوصيات الذاتية لكل منهما. وهكذا صارت (الهوية الوطنية) تقبل كل هوية إلا (الهوية السنية)، فقد صارت هذه الهوية مثار تشنج عند الحكومة وعند المكونات الأخرى؛ لأنها تشعر بخطورتها عليها. وتحول ذلك بمرور الزمن إلى ثقافة اجتماعية. فلا أحد يعجب أو يشير إلى تناقض الثقافة (الوطنية) وضعف منطقها في تعاملها مع التشكيلة التالية من الهويات: (زيباري، سني، عراقي، كردي، مسلم)، أو (دليمي، سني، عراقي، عربي، مسلم).

انتبه! ثمت هوية ناشزة بين هذه الهويات!

إنها تقبل هذه الهويات جميعاً إلا واحدة هي (السني)! هذه من العيب أن تذكرها.

عليك أن تخجل عندما تقول: (أنا سني) في مجتمع عام كدائرة رسمية، أو اجتماع حزبي، أو إذاعة، أو تلفزيون، أو صحيفة، أو حتى على منبر مسجد في خطبة جمعة! بل ربما لا تسلم من تهمة (الطائفية) صعوداً إلى (الوهابية). قل: (أنا دليمي، عراقي، عربي، مسلم) لا شيء في ذلك. أما (سني) فلا!

لا أحد يجرؤ على أن يقول: ما المشكلة في أن يجمع المرء بين هذه الهويات؛ بشرط تلاؤمها في منظومة تأخذ فيها كل قيمة من هذه القيم استحقاقها بحيث لا يطغى بعضها على بعض في سلم الاستحقاق التراتبي الذي يرعى التوازن نظرياً وعملياً؟!

العلة إذن في الثقافة، وليست في الهوية.

سيرورة الأمور بين الدعوى الوطنية والانتماءات الطائفية

حقيقة العراق أنه بلد يتألف من عدة مكونات عرقية ودينية (لا تجمعهم جامعة)، يأتي على رأسها المكونات الثلاثة الرئيسة: السنة والشيعة والكرد.

طيلة العقود الثمانية (1921-2003) التي استغرقها عمر (الدولة الحديثة) كان الشيعة والكرد - دون السنة - كل منهما يعلن بهويته، ويسوق لمظلوميته، ويطالب بحقوقه، فكانت له (قضية) وصلت حد (التدويل) الذي تمكن به من لفت أنظار العالم الخارجي، وجلب معونته بشتى صورها، وآخرها الاحتلال. وبما أن المكون الثالث (السنة) ساكت يأنف من تسمية نفسه بالاسم المُناظر، ورأس الحكم (الملك أو رئيس الجمهورية) من هذا المكون دون المكونين الآخرين، فقد تشكل انطباع بأن السنة هم الجانب الظالم في المعادلة الثلاثية. هذا لا يعني أنني أنفي حصول ظلم من الحكومات المتعاقبة. لكن هناك فرق بين أن يكون الظلم (طائفياً) يسلطه (السنة) كسنة على الشيعة كشيعة، والكرد ككرد، وبين أن يكون الظلم (سياسياً) تمارسه الدولة لأسباب سياسية (الشيعة يريدون إزاحة الحاكم والاستيلاء على الحكم لأسباب طائفية دينية، والكرد يريدون الانفصال وتكوين دولة قومية تجمع الأكراد في المنطقة لأسباب قومية عرقية). وهذا الظلم لم تكن الحكومة تمتنع من توجيهه إلى السنة متى ما اقتربوا من كرسي الحكم. هذا من جهة، ومن جهة ثانية فإن الدولة لم تكن دينية سنية، وإنما كانت علمانية وطنية حقاً. وكان الحزب الأكبر للسنة وهو (الإخوان المسلمون) ممنوعاً قانوناً في دولة (البعث)، مضيقاً على أتباعه، لا يجرؤ أحدهم أن يفصح عن انتمائه؛ فتلك جريمة قد تصل بصاحبها إلى الإعدام!

مجمل القول أن (السنة) نظر إليهم المكونان الآخران نظرة طائفية كل من زاويته الخاصة: فبدل أن ينظر الشيعة إلى السنة كعرب، وينظر الكرد إليهم كسنة، كان الأمر معكوساً تماماً؛ فهم في نظر الشيعة (سنة)، وفي نظر الكرد (عرب). وظهروا في نظر العالم بمظهر الظالم المتسلط. وهكذا وعلى أساس هويتهم (السنية) جرى تهميشهم وإقصاؤهم بعد الاحتلال، وصار الشيعة والكرد حلفاً واحداً في مقابل السنة، الذين ظلوا يصرخون: نحن عراقيون: لا فرق بين شيعي وسني، وكردي وعربي. ويتقربون للكردي أكثر فيقولون له: نحن جميعاً سنة. لكن دون أن يصغي إليهم أحد، سوى تعاطف طبيعي مبهم من عوام الشعب الكردي وعمومه، لم يتجاوز العاطفة إلى الفعل المؤثر. ولا ألقي باللوم على غيرنا، فحتى تريد لا بد أن تكون، وحتى تكون لا بد أن تتكون. ولا كيان بلا هوية. والهوية ضائعة!

وهكذا لم يلتزم بالهوية الوطنية أو العقد الوطني ويبتعد عن المسميات الخاصة سوى السنة، الذين ابتعدوا عن هويتهم فخسروا في النهاية ذاتهم ووطنهم، وكما قال ناعق الشيعة يوماً: "لكم الوطنية ولنا الوطن"! وهي مقولة تلخص حقيقة المأساة، وتضع الأصبع على موضع الداء.

الهوية السنية بين عرب المشرق وعرب المغرب

للجغرافيا والموقع الجغرافي أثر كبير في تكوين سياسة المجتمع وفكره وثقافته وتشكيل هويته والتعبير عن دينه.

يعاني المشرق العربي (الأحواز ودول الخليج العربي واليمن والعراق والشام، باستثناء فلسطين) من تحدٍّ خطير يميزه عن المغرب العربي بحكم موقعه الجغرافي، هو التحدي الإيراني الشيعي (التحدي الشرقي).

ينظر المغرب العربي إلى التحدي الشرقي بتثاؤب؛ عاداً إياه أخاً مسلماً وصديقاً ودوداً. وفي أشد الحالات خطراً مبالغاً فيه. وما يثيره بعض المشرقيين من شكوى تجاهه فسببه (التطرف المذهبي)، وهو وراء التصرف (الطائفي) ضد (إخوانهم) الشيعة. أو بسبب العنصرية (القومية) عند القوميين العرب ضد (إخوانهم الفرس المسلمين). وهكذا اختل الميزان بحيث تجاوز الأمر المساواة بين الجلاد والضحية إلى انقلاب الضحية جلاداً والجلاد ضحية!

ضعف الشعور بـ( الهوية السنية ) عند عرب المشرق

المفارقة الكبرى في هذا التمايز هي ضعف الإحساس بالخطر الشرقي لدى عرب المشرق ضعفاً يصل بالأغلبية منهم إلى درجة الانعدام التام. ولولا العقيدة السلفية، عند طائفة من المتدينين التي هي بالضد من العقيدة الشيعية، ولولا (القومية) العربية عند طائفة من السياسيين، التي هي بالضد من (الشعوبية) الفارسية لما بقي أحد يشعر بالخطر الشرقي! لكن فريق المتدينين ينظر إلى الخطر من زاويته العقائدية أكثر من جوانبه الاجتماعية والسياسية. وفريق القوميين ينظر إليه من زاويته السياسية أكثر من جوانبه العقائدية والدينية والاجتماعية. متخلين عن الموقف الصحيح.. المزج بين الأمرين. وهو ما صارت السلفية تحث الخطى نحوه، والقومية تتجه إليه ولكن ببطء.

إن المغرب العربي كان تحديه على مر التاريخ غربياً خارجياً، فضمر لديه الشعور بالخطر الإيراني الشرقي ورديفه الشيعي، وتبعاً لذلك ضعفت الحاجة عنده إلى (الهوية السنية) الداخلية. وجاء الاحتلال اليهودي فزاد الضعف ضعفاً إلى درجة تقرب من العدم. فهو يرفع الهوية الإسلامية دون شعور بالحاجة إلى ما هو دونها من الهوية السنية. وهذا انعكس بدوره سلباً على المشرق العربي ففقد - أو كاد - (هويته العربية السنية) أمام التحديات الفارسية الشيعية.

 

أسباب ساعدت على تغييب ( الهوية السنية )

مما ساعد على تغييب حاجة عرب المشرق لهذه الهوية أمور منها:

  1. سعة انتشار الثقافة العربية المغربية بسبب قوة إعلامها، وكثرة دعاتها.
  2. الاستعمار الغربي الذي اجتاح المنطقة العربية بمشرقها ومغربها، فأزاح الأنظار عن دائرة التركيز على الخطر الشرقي.

3.احتلال اليهود لفلسطين، وتدنيسهم لبيت المقدس، وما لهذا البيت من قدسية في نفوس العرب والمسلمين. فكان ذلك سبباً لطغيان القضية الفلسطينية على القضية السنية. وتمت المصيبة بتظاهر إيران بالدفاع عن فلسطين، ولاقى ذلك هوى عند كثير من الفلسطينيين، فصاروا يلمعون صورة إيران وشيعتها في أنظار الآخرين.

4.الحكم العلماني الذي يتطير من ذكر دين الإسلام والمذاهب والطوائف. وتنفث أبواقه فكرة اللافرق بين الشيعة والسنة، جاعلة من الفكرة و(الهوية الوطنية) البديل لذلك. وحتى القوميون الذين يعادون إيران إنما ينظرون إليها من زاوية (القومية) لا من زاوية الدين و(السنية). فأقروا التشيع ودافعوا عن الشيعة.

5.شيوع فكرة (المذهبية) تعبيراً عن الفرق بين السنة والشيعة إن احتاجوا إليه، معتبرين التتشيع مذهباً إسلامياً معتبراً كباقي المذاهب الإسلامية، وليس ديناً آخر.

إن هذا جعل المجتمع يتقبل الشيعة كجزء من النسيج الاجتماعي، ويبتعد عن تبني الهوية السنية كأداة تعبير أمام الهوية الشيعية، عاداً ذلك نوعاً من الفتنة والفرقة والطائفية المرفوضة بحكم الشرع أولاً وقبل أي اعتبار آخر، وعلى لسان (رجال الدين). حتى قال لي أحد العلماء المقدمين في (هيئة علماء المسلمين): ليس من الإسلام القول بالفرق بين السنة والشيعة!

لكن ما حصل بعد احتلال العراق وتداعياته من تغول الشيعة وتمددهم في دول المشرق وتجاوزهم في حماقاتهم إلى بعض دول المغرب لفت الأنظار إلى خطر الشيعة وإيران. وهذا يوفر لنا مُناخاً مناسباً للتبشير بـ(الهوية السنية)، وإبرازها وترسيخها في أوساط عرب المشرق وتذكير عرب المغرب بها. وأنها هي (الهوية) المعبرة عنا في مواجهة أخطر التحديات؛ فالخطر الذي يجتاحنا اليوم خطر داخلي متمثلاً بـ(الخطر الشرقي): الشيعة وإيران، أكثر مما هو خطر خارجي غربي متمثلاً بالغرب واليهود. وليس بالإمكان تحرير فلسطين من الاحتلال الإسرائلي قبل تحرير العراق والمشرق العربي من الاحتلال الشيعي والإيراني.

Add a comment

الهوية

الخاصة والهوية العامة

 

تعدد الهويات

يرى كثيرون أن الانتساب للسنة والاحتماء بالهوية السنية نوع من الطائفية يتناقض مع الهوية العراقية. وهذا كلام غير دقيق، لا يستند إلى أساس علمي سوى الثقافة القديمة التي ما عادت تلبي حاجة التطورات الجديدة والتغيرات والتبدلات السياسية والاجتماعية. بل تحولت إلى عبء ثقيل، علينا أن نبادر إلى مراجعته والنظر فيه كي نطرح جانباً الضار منه، وما لم يعد نافعاً، وما لسنا في حاجة إليه، ونبقي على ما سوى ذلك، ثم نضيف إليه ما يتطلبه الواقع الجديد بمتغيراته وتبدلاته.

إن الهوية العامة أو الأكبر - متى ما روعيت الضوابط المطلوبة - ليست في حاجة إلى إلغاء الهوية الخاصة أو الأصغر: فالهوية الشخصية لا تتعارض مع الهوية العائلية، والتحدث باسم العائلة لا يتناقض والانتسابَ إلى العشيرة، والهوية العشائرية لا تقف بالضد من الهوية الوطنية، إلا إذا خالفنا الضوابط المرعية. أي إن الأمر من حيث الأصل لا إشكال فيه. وهكذا يمكن أن تتعدد الهويات ما دامت ماضية في نسق متجانس باتجاه واحد: فالهوية العراقية لا تتضارب مع الهوية العربية، وكذلك الهوية العربية مع الهوية الإسلامية.

والناظر في الواقع يجدنا نؤمن بكل هذه الهويات ولا نشعر بالحرج من الجمع بينها، حتى إذا وصلنا إلى (الهوية السنية) بدأ مؤشر التناقض مع الهوية العراقية بالظهور على لوحة الأمان! ولا علة لهذه المفارقة الغريبة سوى الموروث الثقافي الجمعي أو الثقافة الجمعية القديمة.

حين يعمل أبناء العراق لمصلحة العراق، ويتكلمون باسمه، ويرفعون علماً خاصاً به، ويسنون دستوراً له، ويؤسسون المشاريع المختلفة لخدمته: لا يمكن لأحد أن يدعي أن هذا يتناقض مع الهوية العربية.. إلا إذا كان القصد مبيتاً لجعل الهوية القطرية عوضاً عن الهوية القومية. وكذلك العمل لأجل الأمة العربية وباسمها لا يقف حائلاً أمام العمل للأمة الإسلامية. بل إن هذا هو السياق الصحيح والتسلسل الطبيعي للأمور خصوصاً ما تعلق منها بالحركة والعمل. وهكذا الشأن مع العراقي غير العربي في ارتباطه بهويته القومية الخاصة به، والإسلامية التي تجمعه مع بقية المسلمين. كل ذلك لا حرج فيه.

صحيح أن الهوية الإسلامية أعلى مرتبة من الهوية القومية، وهذه أعلى من الهوية الوطنية. ولكن هذا من الناحية الاعتبارية الذهنية. أما من العملية فالبدء لا يكون إلا من المحلية باتجاه العالمية، فالله تعالى يقول: (وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (الأنفال:75). فما كل أول في المرتبة أول في الترتيب، ولا كل أول في المنزلة أول في التنزيل.

ولذلك قيل: (فكّر عالمياً وتصرّف محلياً). فالمحلية لا تتناقض مع العالمية، وإنما تُسندها وتساندها. بل إن نجاحك عالمياً لا يمكن تحقيقه قبل نجاحك محلياً. والقطر الضعيف المجزأ لا يمكن له العمل على توحيد الأمة - خارج نطاق الفكر والحلم - قبل لملمة أجزائه وإعادة تكوين ذاته واستعادة قوته. وفي مثل هذه الحالة يكون التوفيق بين الهويتين باتباع قاعدة: (فكر عربياً وتصرف قطرياً) هو الحل.

فكّر عراقياً وتصرّف سنياً

كذلك الحال بالنسبة لنا نحن (السنة العرب): علينا أن نتصرف سنياً أولاً إن كنا جادين في التفكير عراقياً. بذلك نجمع بين الأمرين. وهكذا نتجنب ما يبدو لأصحاب الثقافة القديمة من تناقض بين (السنية) و(العراقية). بل لا تناقض من الأساس كما أنه لا تناقض بين العراقية والعربية، ولا العربية والإسلامية، ولا هذه مع الإنسانية. بل لا يمكننا أن نشارك في تدعيم وحدة العراق المهددة قبل أن نلتفت إلى داخلنا السني نلملمه ونكونه ونقويه. هذا مع ملاحظة أن الشيعة لا يمكن التعايش معهم حتى وإن كانت القوة بأيدينا؛ فإن دوام الحال من المحال، فلا بد من عزلهم فدرالياً على الأقل. هذا في الوقت الحاضر. ثم لكل حال ما يناسبه.

بين السنية والوطنية

جمعتنا ليلة رمضانية مع بعض القوميين، وكان اعتراضهم أن السنية تحجيم للعراقية، كيف نهتم بشأن السنة ونترك العراق كله؟ قلت لهم: منذ زمن طويل ونحن لا نسمع منكم غير كلمة "العراق العراق"! فأين الأمة العربية من اهتمامكم؟ فلنا أن نقول لكم بالمنطق نفسه: إن العراقية تحجيم للعربية، كيف نهتم بشأن العراق ونترك العرب كلهم؟ فأجاب أحدهم: ألا ترى حال العراق من التمزق والضياع؛ لا بد من علاج وضع العراق أولاً ثم نلتفت إلى الأمة. فأجبته: وكذلك الأمر مع أهل السنة؛ لا يمكن لنا أن نعالج وضع العراق أو نكون مشاركين فاعلين فيه ما لم نصحح وضعنا نحن السنة أولاً، ثم من بعد ذلك نلتفت إلى العراق.

لقد ضيع الإسلاميون العرب، وضيع القوميون العراق! أتدرون لماذا؟ لأنهم يعملون ضد منطق الاجتماع، فينطلقون من العالمية إلى المحلية، بينما المنطق يقتضي العكس من ذلك. عملياً لا يكون الانطلاق مجدياً ما لم يكن من المحلية إلى العالمية. ثبّت قدمك أولاً ثم انقل خطوتك. وهكذا ضيع الطرفان المحلية والعالمية. فالإسلاميون لا يهمهم شأن العرب بقدر ما يهمهم شأن المسلمين، فضيعوا العرب والمسلمين معاً. وأما القوميون فلا يهمهم شأن العراقيين بقدر العرب فشغلوا أنفسهم وغيرهم بقضايا لم يأن أوانها بعد فضيعوا العراق والعرب معاً. ويأتي الوطنيون اليوم ليضيعوا السنة باسم الوطن! هذه مهزلة ما عادت مقبولة، ولن نتسامح معها قط. إنهم يقعون في المأزق نفسه: لا يهمهم شأن السنة بقدر العراق، فتكون الوطنية على حساب السنية، والنتيجة تضييع الجهتين. يكفينا تجربة القوميين والإسلاميين أيها الوطنيون! يكفينا مئة عام من الضياع.

وكان معي صاحب لي فأضاف: إذا كنتم كعلمانيين لا يهمكم أمر الدين وتعتبرون السنية طائفية، فهذا شأنكم. أما نحن فناس إسلاميون سنة فلا نسمح بالاستهانة بديننا وسنيتنا تحت أي حجة أو ذريعة.

حين تكون الهوية الخاصة مهددة من الهوية العامة

هناك عامل آخر في غاية الأهمية، هو أن الشعور بالهوية الخاصة والتحدث باسمها والتصرف على أساسها، يصبح ضرورة كضرورة الحياة حين تكون الهوية الأكبر نافية ومهدِّدة للهوية الأصغر. فلو افترضنا أن عائلة ما اجتمعت على ظلم أحد أفرادها، وكانت تتوزع خيراتها - التي تحصل عليها باسم العائلة - فيما بينها دونه، ففي هذه الحالة يصبح من حق ذلك الفرد أن يعلن عن نفسه ويتكلم باسمه، ويطالب الآخرين أن يفرزوا له باسمه الخاص حصته من الخيرات التي ما عاد يحصل عليها باسم العائلة العام. وكذلك لو اجتمعت عشيرة على ظلم بيت منها. والشيء نفسه مطلوب لو اجتمع مكون أكبر على ظلم عشيرة ومطاردتها ومحاولة محوها.. عند ذاك يصبح ترك الدفاع عن المكون الأصغر بحجة احترام المكون الأكبر نوعاً من الهبل والخبل والسذاجة التي لا يستحق صاحبها الاحترام، بل لا يستحق الحياة! ولو افترضنا أن العشيرة الظالمة لتلك العائلة وقع عليها ظلم وتعرضت لغزو أصابها بالضرر وطالبت بتعويض لها باسم العشيرة، وزعته على بيوتها دون ذلك البيت، وأن أفراد ذلك البيت طالبوا بتعويض العشيرة الظالمة لهم دون المطالبة بما لبيتهم من حصة باسمه، ثم لم يحصلوا على شيء، ومع ذلك ظلوا ملتزمين بالاسم الأكبر مع استمرار الظلم والسحق: فإن هؤلاء ليسوا أكثر من قطيع حمقى لا محل لهم إلا في الهامش السفلي من الحياة.  

Add a comment

الهوية السنية

دواعي الوجدان وضرورات الإعلان

 

عمل الشيعة منذ تأسيس الدولة الوطنية في العراق سنة 1921 على خدمة كيانهم كشيعة - وإن سايروا التيار أحياناً بشعارات وطنية لا يؤمنون بها - وبرز هذا التوجه بوضوح بعد الاحتلال. كذلك عمل الكرد على خدمة كيانهم ككرد وتقويته والمطالبة بحقوقهم على هذا الأساس بلا مواربة ، على العكس من السنة العرب – يا لَلأسف! - إزاء هويتهم السنية؛ إذ صاروا يترددون من ذكرها، ويخجلون من الانتساب إليها، وساروا على النهج الوطني: شعاراً وتطبيقاً، قبل الاحتلال وبعده.

تلك هي المقدمة بكل اختصار.. فماذا كانت النتيجة؟

والسؤال الأهم: " لماذا ؟ " والجواب يكمن في المقدمة.

من ضرورات الإعلان بالهوية السنية

لو جرى الالتزام من الجميع بالعقد الوطني، فلم يعلن الشيعي أو الكردي بهويته، لكان بالإمكان أن يؤتي العقد الوطني ثماره بصورة عادلة. ولكن الالتزام كان من طرف واحد فاختلت المعادلة. فأصبح الإعلان بـ(الهوية السنية) في بلد مثل العراق ضرورة، ليس من الناحية الدينية فقط، بل السياسية أيضاً.

لقد كوّن الشيعة دولتهم، والكرد إقليمهم. وبقي السنة بلا دولة ولا إقليم، بل ولا مكان تحت الشمس يمَكّنهم من العيش بكرامة وحرية وأمان!

الأهم من ذلك هو أن (سنة العراق)، لا سيما العرب منهم، استهدفهم الشيعة بالظلم بناءً على هويتهم السنية؛ إذ يكفي حتى تحرم من حقوقك أن تكون سنياً. ويصل هذا الظلم إلى حد الحرمان من حق الحياة، وحق الكسب، وحق الحرية، وحق الكرامة. وتزداد الصورة بشاعة حين تعلم أن حرمان السني من حقوقه، وعلى رأسها حق الحياة، يمارسه الشيعة طبقاً لعقيدتهم؛ فليس الأمر واقعاً لسبب عارض كما يتظالم البشر فيما بينهم، إنما ظلم السنة أمر مقصود دينياً، ويجري تنفيذه منهجياً.

كل هذه الأمور مجتمعة تستدعي من السنة في العراق وما شابهه من أقطار أن يلجأوا إلى هويتهم السنية فيعلنوا بالانتماء إليها، ويبرزوها ويعتزوا بها.

مكاسب ( الهوية السنية )

إن رفع لافتة (الهوية السنية) يحقق للسنة مكسبين عظيمين في طريق رفع الظلم عنهم واستحصال حقوقهم:

الأول: تأسيس (قضية) لهم في الداخل، تجعلهم يلتئمون فيما بينهم، ويتجمعون في كيان واحد يمكنهم به أن يدفعوا الحيف عن أنفسهم، ويستحصلوا حقوقهم، ويبنوا مناطقهم، ويعمروا إقليمهم، أو دولتهم. وليعتبروا بإقليم كردستان وما فيه من أمان وتطور وعمران، وتمتعه بقوة قادرة على ردع الحكومة المركزية الشيعية من ظلمهم وهضم حقوقهم. من دون هذه الخطوة يستحيل عليهم استعادة العراق من يد الشيعة وتخليصه من التبعية لإيران.

والثاني: (تدويل القضية) في الخارج. وهذا الأمر لا بد منه لاستكمال تحقيق المكسب الأول. فلو خرج السنة بقضيتهم إلى المنابر الدولية، وصرخوا في آذان المنظمات الحقوقية والمحاكم الدولية، وأسمعوهم صوتهم، وقدموا وثائق الإدانة للحكومة الشيعية بتوابعها من أحزاب ومليشيات ورجال دين أوغلوا في الدم السني، وبصورة منهجية وصلت إلى حد الإبادة الجماعية المنظمة، وبينوا أن ذلك كله يجري طائفياً، وأن طائفة كبيرة في العراق هي (السنة) يتم إبادتها على يد طائفة أخرى تمسك بزمام القوة هي (الشيعة).. لو فعلوا هذا لسمع العالم صوتهم، واستجابت المنظمات الحقوقية، والمحاكم الدولية لقضيتهم. واستثار ذلك أبناء العرب (وهم سنة) في الأقطار العربية حولهم، وكسبوا عطف الكرد (وهم سنة) وموقفهم، وحوصر الشيعة من كل جانب في جحرهم. وبهذا نكون قد انتزعنا العراق العظيم من أيدي الشيعة، فضلاً عن التمكين لنا في مناطقنا.

وأعظم من ذينك المكسبين حيازة رضا الرب؛ فالله تعالى لا يعين قوماً لا يرفعون لدينه راية. فرفع الراية السنية تستجلب رضا الرب جل جلاله، وتدفع غضبه الذي حل بنا منذ أن كذبنا عليه وعلى نبيه صلى الله عليه وسلم وعلى دينه وعلى خلقه بقولنا: "لا فرق بين شيعة وسنة "، بينما الفرق بينهما كالفرق بين الثرى والثريا. وتجاوز هذا الكذب الفاضح منبر السياسة، ليصل إلى منبر الدين!

لقد فقد سنة العراق هويتهم في زمن تغول الهويات، ففقدوا كيانهم، وأضاعوا حقوقهم. و(نسوا الله فنسيهم) ووكلهم إلى أنفسهم. فإن راجعوا أنفسهم ورجعوا إلى دينهم وهويتهم، وقرأوا جيداً مفردات واقعهم، عاد إليهم عزهم، واستعادوا عراقهم، والله معكم ولن يترهم أعمالكم. وإلا فليس ينتظرهم إلا التشرذم والزوال وسوء المآل.

Add a comment
primi sui motori con e-max.it