المشروع

الإحاطة

 

جاء في السيرة النبوية أن النبي (صلى الله عليه وسلم) عرض الإسلام على بني شيبان فقال له المثنى بن حارثة الشيباني: فأما ما كان من أنهار كسرى فذنب صاحبه غير مغفور وعذره غير مقبول. وأما ما كان مما يلي مياه العرب فذنب صاحبه مغفور وعذره مقبول. وإنا إنما نزلنا على عهد أخذه علينا أن لا نحدث حدثاً ولا نؤوي محدثاً. وإني أرى أن هذا الأمر الذي تدعونا إليه يا قرشي مما يكره الملوك، فإن أحببت أن نؤويك وننصرك مما يلي مياه العرب فعلنا. فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (ما أسأتم في الرد إذ أفصحتم بالصدق. إنه لا يقوم بدين الله إلا من حاطه من جميع جوانبه)([1]).

فلا يقوم بالمشروع إلا من حاطه من جميع جوانبه: علماً وتحملاً. من هنا نتج موضوع (الإحاطة) بماهية مؤسسة (التيار السني في العراق) ومشروع (الطريق إلى بغداد) والمنهج المؤسس لذلك (من جميع جوانبه) في المشروع، وضرورة تقدمه على كل شيء فيه.

 

التعريف

الإحاطة هي المادة العلمية التي تمثل أساس التعرف على المؤسسة بخطوطها العامة قبل اتخاذ القرار بالانتماء إليها وتبني مشروعها.

تلقى على شكل جلسات تجمع بين المحاضرة والتحاور والنقاش.

 

الأهداف

تهدف جلسات الإحاطة إلى تحقيق الفوائد التالية:

1. دخول المؤسسة عن بينة واختيار ذاتي، والصبر على ذلك، والمصابرة في سبيل الوصول إلى أهدافها وتحقيق غاياتها. فالقناعة أساس الاختيار الصائب، واليقين بالشيء هو القاعدة المتينة للصبر والمصابرة.

2. الالتزام المطلوب بمستحقات الانتماء.

3. تصفية الأعضاء بابتعاد العناصر الضعيفة وغير المناسبة.

4. اختصار الجهد اللاحق باقتصاره على مستحقيه وعدم تبديده في تجارب معظم الجهد المبذول فيها صادر استهلاك بلا وارد جدوى.

 

أول فقرة في ( الإحاطة) :

 

هل تتبنى ( المشروع السني ) لإنقاذ قومك؟ أم لإنقاذ نفسك أولاً ؟

قبل كل شيء يُطرح سؤال مزدوج، ويجاب عنه:

-    هل حرصك على تبني المشروع من أجل إنقاذ قومك؟

-    أم من أجل إنقاذ نفسك أولاً؟

والجواب: بل لإنقاذ النفس من النار، والذهاب بها إلى الجنة، بل الدرجة العليا منها. وهذا لا يتحقق إلا بالمرور من خلال المجتمع ومعاناة العمل في سبيل إنقاذه. ومن هنا كان العمل لإنقاذ أهل السنة جزءاً أساسياً من المشروع. ودخلت السياسة في صلب الربانية. والله تعالى يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ) (التحريم:6). فبدأ بالنفس قبل الأهل. ويقول: (قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ) (الزمر:15).

لاحظنا أن أول ما يتبادر إلى ذهن الراغب للعمل في المشروع اللهفة على سلوك أي سبيل لإنقاذ أهل السنة أو أهل العراق عموماً من واقعهم البائس. وهذا يوقعه في مطب الاستعجال، والدخول في أي تكوين، والشروع في أي جهد يتصوره محققاً لهذا الهدف.

نحن قبل كل شيء مؤسسة ذات مشروع رباني. والربانية تقتضي منا ضبط البدايات: فكرة وإيماناً وعملاً. ولا يقبل العمل من المسلم إلا إذا كان حائزاً على شرطين: أن يكون خالصاً، وأن يكون صائباً. ولا يكون إنقاذ المجتمع خالصاً ما لم يكن القصد منه وجه الله قبل كل شيء. كما لا يكون صائباً تمام الصواب ما لم يكن طبقاً لمشروع إنقاذ عام.

 

أهم فقرة في الإحاطة

 

تحقق الدين ( الإيمان والنصرة ) في ( المشروع السني ) دون سواه

يكاد الأمر الذي قررناه آنفاً يكون أشبه بالمسائل الرياضية أو المنطقية. لكنه سهل وواضح لا شبهة فيه ولا تعقيد. وذلك يتبين بالخطوات التالية:

  1. 1) النجاة من النار ودخول الجنة لا ينال إلا بدين الإسلام.
  2. 2) ودين الإسلام يقوم على أساسين: الإيمان والنصرة: (لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ) (آل عمران:81). وعقب سبحانه على ذلك فقال: (أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ) (آل عمران:83)، ثم قال: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (آل عمران:85).
  3. 3) والنصرة هي الجهاد بمفهومه الواسع: المدني والعسكري. قال تعالى: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) (آل عمران:142). وقال: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (التوبة:16). على أن الجهاد المدني هو الأول وهو الأساس، وهو (البنية التحتية) التي لا جدوى دونها من الجهاد العسكري.
  4. 4) والجهاد لا يكون إلا بمشروع مدني منظم. يبدأ بهوية، وينتهي بأهداف، ويتوسط بخُطة مكتوبة ذات برامج معمولة. يتكامل في نهايته بجناحين: عسكري وسياسي.
  5. 5) والمشروع لا يتحقق إلا بمنظومة أو مؤسسة ربانية.
  6. 6) والمشروع مفقود منذ مئة عام؛ فقد مثلت الدولة العثمانية آخر صورة للمؤسسة الحاضنة للمشروع الإسلامي (السني). فحصل الضياع لأهل السنة منذ ذلك الحين، فهم قسمة ما بين محتل شرقي وآخر غربي. ومن لا مشروع له كان ضحية لمشاريع الآخرين.
  7. 7) بحثنا كثيراً فلم نجد مؤسسة في العراق، ولا في خارجه - حسب علمنا - ذات مشروع بهوية سنية، وأهداف جادة، وخطة فاعلة، وبرامج منتجة. ولكل متابع أن يستعرض المؤسسات الموجودة على الساحة ليقرر بنفسه مصداقية هذا القول. ثم إن هذه المؤسسات كلها قد آضت إلى تكوينات علمانية، حتى التي تدعي منها أو تتوهم الإسلامية. وهي جميعاً فاقدة للقضية السنية.
  8. 8) لهذا تبنينا على عاتقنا إنشاء مؤسسة ربانية سنية هي (التيار السني في العراق) بمشروع متكامل هو (الطريق إلى بغداد). هذه هي (الفريضة الغائبة) التي يدندن بلفظها البعض، ويقول: إنها الجهاد. ونقول: نعم هي الجهاد، لكن بمفهومه الشامل، الذي يقوم على مشروع متكامل، يبدأ أساساً بالجهد المدني قبل أي نشاط: عسكري أو سياسي.

ميزة المشروع السني

ما يميز المشروع السني عن غيره أنه..

  1. 1. مكتوب ومنشور.
  2. 2. محدد الهوية والقضية والهدف.
  3. 3. مرسوم الخطة. موضوع البرامج.
  4. 4. مفصل المراحل.
  5. 5. يقوم على الواقعية التي تراعي العلاقة بين الحلم والواقع.
  6. 6. يعتمد الفكرة الرائدة قبل الحركة الراشدة.
  7. 7. عملي لا تنظيري فقط. من دخل فيه وجد له فيه نشاطاً يناسبه.
  8. 8. التجديد فيه سنة كونية وفريضة شرعية.
  9. 9. يعيد للأمة هويتها. لأنه رباني يمتاز بالثبات في العقيدة والأصول والقطعيات، وبالمرونة في المواقف والفروع والظنيات. بين مشاريع إسلامية معاصرة: إما مائعة أو لينة في عقيدتها ومبادئها، وإما جامدة أو متشددة في سياستها ومواقفها.
  10. 10. مفتوح النهايات: يمارس فيه التغيير حقاً مباحاً، والتطوير واجباً مفروضاً.

أبوية القائد

الأبوية حاجة فطرية: فردية وجمعية. كل الناس يستشعرونها ويسعون لتلبيتها بغض الطرف عن العمر والجنس والمرتبة الاجتماعية.

من تمام التعرف على المشروع وطبيعة العلاقة الرابطة بين أعضاء المؤسسة بيان طبيعة العلاقة بين القائد والأتباع. وتكامل الأبوية بالشورى التشاركية، وتوفير البيئة القيادية.

ليس المقصود بالقائد القائد الأعلى للمؤسسة فحسب، وإنما القواد جميعاً في مختلف مراتب القيادة. فكل قائد هو تابع لمن فوقه في مرتبة القيادة، وهو – في الوقت نفسه - قائد لمن هم دونه في المرتبة.

ما ينبغي قوله هنا هو أن على المنظومة أن تستحضر في رُوعها أن القائد بالنسبة إليهم كالشيخ بالنسبة لتلاميذه، والأب بالنسبة لعائلته. والقائد وإن كان لأتباعه أخاً وصديقاً ومعلماً ومدرباً، لكن هذه العناوين لا تمثله حق التمثيل، إنما (الأب) هو العنوان الذي يمثله ويعبر عنه أصدق تعبير. وفي فقرة (نظرات في القيادة) وبعنوان (أبوية القائد) تفاصيل تستحضر عند طرح موضوع (الإحاطة).

 

ما تقدمه المؤسسة لأبنائها

قد يسأل سائل: فماذا تقدم المؤسسة لأبنائها؟

والجواب: تقدم المؤسسة لأبنائها شيئاً مفقوداً، لا يقدر بثمن، هو سر النصر. ذلك هو المنظومة الربانية التي من خلالها يعبرون عن إيمانهم ونصرتهم. وما عدا ذلك فلا شيء. هذا هو الأصل، والأساس الذي عليه يكون الانتماء والوفاء. وما سواه فكلٌّ بحسبه. جاء في سيرة ابن هشام سؤال الأنصار (رضي الله عنهم) في (بيعة العقبة الثانية) رسول الله (صلى الله عليه وسلم): "فما لنا بذلك يا رسول الله إن نحن وفينا"؟ قال: (الجنة). قالوا: "ابسط يدك". فبسط يده فبايعوه.

والناس في هذا قسمان: قسم قال الله تعالى عنه: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ) (الحج:11). وقسم قال سبحانه فيه: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ) (207).

وهنا سيكون العامل بين كماشتي ذئبين خطيرين، لكنهما لن يضرا من سلم في قلبه وأوى إلى ربه: المال والعنوان. فقد روى الترمذي بسنده عن كعب بن مالك الأنصاري قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.

 

دور المنظومة في تحقيق معنى الجهاد

 

1. ( المشروع السني ) ينقذك من النار ويوصلك إلى أعلى درجات الجنان

الجهاد يغفر الذنوب جميعاً؛ قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (الصف:10-13). وموضع الشاهد أن المغفرة جاءت للذنوب جميعها لا لبعضها كما في قوله تعالى: (قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) (إبراهيم:10).

لهذا كان الصحابة (رضي الله عنهم) جميعهم في الجنة. لأنهم جميعاً كانوا مجاهدين. وهذه الجميعية إنما تحققت بسبب أنهم كانوا بلا استثناء ضمن منظومة الجهاد بصرف النظر عن الأدوار التي أوكلت إليهم: مدنية أم عسكرية.

فحسان بن ثابت كان شاعراً لم يمسك السيف قط.

والنساء كن على صنفين: صنف مارس الجهاد بنفسه سواء المدني منه والعسكري. وصنف كان عوناً للمجاهد على جهاده. وذلك كله داخل في قوله تبارك وتعالى: (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) (التوبة:122).

 

2. ما دمت في منظومة جهاد فأنت مجاهد مهما كان دورك في المنظومة

ما دمت في منظومة جهاد فأنت مجاهد مهما كان الدور الذي أنيط بك داخل المنظومة. وقد كان هذا واضحاً في أذهان تلك الأجيال فلم يمن بعضهم على بعض بسبب اختلاف دوره ، أو يرى لنفسه دالة على غيره.

من ناحية ثانية فإن الجهاد هو أعظم الأعمال عند الله تعالى؛ فدرجته في الجنة هي الفردوس أعلى الجنان في جوار الرحمن. والأدلة على ذلك كثيرة، منها قوله تعالى: (أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ) (التوبة:20،19). وقوله: (لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا) (النساء:95). وقول النبي (صلى الله عليه وسلم) لمن جاء يسأله عن عمل يعدل الجهاد؟ قال: (لا أجده). ثم قال: (هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك فتقوم فلا تفتر وتصوم فلا تفطر)؟ قال ومن يستطيع ذلك؟ وفي رواية أُخرى: قيل يا رسول الله ما يعدل الجهاد في سبيل الله؟ قال: (لا تستطيعونه). فأعادوا عليه مرتين أو ثلاثاً كل ذلك يقول: (لا تستطيعونه)، ثم قال (صلى الله عليه وسلم): (مَثَلُ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ الصَّائِمِ الْقَائِمِ الْقَانِتِ بِآيَاتِ اللَّهِ لا يَفْتُرُ مِنْ صِيَامٍ وَلا صَلاةٍ حَتَّى يَرْجِعَ الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى)[2].

 

3. المسلمون .. عامي وعابد وعالم ومجاهد

ومن لطائف أسرار تجلي رحمة الله وعدله في خلقه أن المسلمين ينقسمون بين عامي وعابد وعالم ومجاهد. وأن رتبة العابد فوق رتبة العامي، ورتبة العالم فوق العابد، ورتبة المجاهد فوق العالم. هل تعالم أن العامي الذي لا يمكنه أن ينال رتبة العابد ولا العالم، فتح الله جل شأنه الطريق أمامه لينال أعلى الرتب، ألا وهي الجهاد! فإن كان الله لم يمنحه القدرة على الرتبتين الأوليين فقد منحه القدرة على الرتبة الثالثة التي هي الأعلى. وقد يسأل سائل متعجباً: كيف؟! والجواب: أن يكون هذا العامي في منظومة جهاد يؤدي دوراً جهادياً يتناسب وما منحه الله تعالى من قدرة، مهما كان ذلك الدور: قتالياً أو مدنياً. حتى لو كان عامل نظافة في تلك المنظومة، بشرط أن يستحضر نية الجهاد في الانتماء، ثم ما عليه مما يؤديه من عمل ينصر به الدين. فالنصرة قسمان: مباشرة : بالذات. وغير مباشرة: بإعانة الناصرين للدين.

ألا وإن عامل نظافة في مشروع خير من عالم يعمل وحده!

 

البيئة الإيمانية لتغذية وتنمية الدوافع ( مؤسسة ربانية )

لا يحمل هذه القضية إلا إنسان أخرج الدنيا من قلبه فوضعها في يده.

فالدين في قلبه والدنيا إن كانت ففي يده. نعم الدنيا لنا نقيمها على شرع ربنا، وليست لهم يصرفونها على شرائع الهوى. وما في ذلك من بأس، بل ذلك محض واجبنا؛ فنحن قوم لا تعيش العجول قلوبنا. وليس الزهد هو الفقر والمسكنة، بل هو الغنى والمَكِنة حين يكونان في يدك لا في قلبك.

وليس مثل القرآن شيء يطهر القلب ويزكي النفس، ولكن إذا كان لكل شيء بيئة ينبته وتحتضنه وتنميه فإن الإيمان هو بيئة القرآن. وهذا من لب معنى القول المأثور عن عدة من الصحابة: (تعلمنا الإيمان قبل القرآن) بنصه أو بمعناه بلفظ مقارب. والقبلية هنا قبلية حالية لا زمانية. أي تعلمنا أن نهيئ القلب بالإيمان قبل قراءة القرآن. يقول عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: (تعلمنا الإيمان ثم تعلمنا القرآن فازددنا إيماناً، وأنتم تتعلمون القرآن ثم تتعلمون الإيمان). وقال: (لقد عشنا برهة من دهرنا وأحدنا يُؤتى الإيمان قبل القرآن، وتنزل السورة على محمد (صلى الله عليه وسلم) فيتعلمَ حلالها وحرامها، وآمرها وزاجرها، وما ينبغي أن يقف عنده منها كما تعلمون أنتم اليوم القرآنَ. ثم لقد رأيتُ اليوم رجالاً يؤتي أحدهم القرآن قبل الإيمان فيقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته ما يدري ما آمره ولا زاجره ولا ما ينبغي أن يقف عنده منه، فينثره نثر الدقل)([3]). وقد فصلنا ذلك في فقرة (الإيمان والتنمية الإيمانية) من المنهج. فإذا فقه المرء ذلك استمر على نهجه لا يلتفت إلى دنيا تقعده أو عدو يرهبه. فعن المستورد بن شداد قال: "كنت مع الرَّكب الذين وقفوا مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على السَّخْلَة المَيْتَةِ، فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (أترون هذه هانت على أهلها حتى ألقوها؟ قالوا: ومن هوانها ألقوها يا رسول الله. قال: (فوالذي نَفْسُ محمدٍ بيده للدنيا أهون على الله من هذه على أهلِها)([4]).

 

تاريخ المؤسسة

تتمثل أهمية بيان نبذة عن تاريخ المؤسسة في إثارة الشعور المطلوب لدى المتلقي ليتحول من مجرد عامل يؤدي وظيفة، إلى شخص آخر يربط بينه وبين المؤسسة رابط روحي وثيق يجعله يعتز بالانتماء إليها لا من حيث جودة بنيانها، وإنما من حيث ربانية وإنسانية كيانها.

"إن العمل للقضية شيء، والإحساس بها شيء آخر. ربما يعجب الإنسان بمنظومة معينة فيندفع للعمل فيها. لكن لن يعطي لها زهرة جهده وثمرة فؤاده، ولن يحافظ على وجودها ويسعى في تنميتها وتطويرها ما لم يتملكه الإحساس بقيمتها، ولم يتعرف على ما بذل السابقون من جهد وتحملوا من متاعب وواجهوا من مصاعب في سبيل تأسيسها وإعلاء أركانها وإكمال بنيانها، منذ أن كانت حلماً في الخيال ولمحة في ضمير الغيب حتى خرجت إلى عالم الوجود المشهود.

معرفة تاريخ المؤسسة وسيلة متقدمة لإثارة ذلك الإحساس في نفوس العاملين من المعاصرين واللاحقين. على أن الإحساس لا يكتمل، وأثره لا يتم إلا بالعيش للقضية ومعاناة تفاصيلها. عندها يدرك اللاحقون كم بذل السابقون من جهد، وتحملوا من أثقال، وعانوا من آلام! لا سيما جيل التأسيس، ويعلمون لماذا جعل الله تعالى العلاقة بين الطرفين ملخصة في هذه الآية العظيمة: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) (الحشر:10).

 

مشروع طويل الأمد

التعامل مع القضية السنية يأخذ مسارين:

أ. العمل الإسعافي لإغاثة المنكوبين والمحتاجين. وهذا – على أهميته - ليس من شأننا من حيث الأصل إلا ما كان في سياق العمل الاستراتيجي. إنما له أهله.

ب. المشروع الإنقاذي: وهذا يأخذ مساراً بعيد المدى. وهو الأصل والأساس والركيزة للإنقاذ الجذري. ومن دونه لن يعدو العمل الإسعافي أن يكون ترقيعاً في شق أوسع من مادة الترقيع، وترسيخ لواقع سيئ، وحركة في مسار متدهور.

بهذا يكون (المشروع السني) هو المصداق الحقيقي لقوله تعالى: (وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ). وغيره من الآيات التي توصي بالصبر مع التقوى؛ فإن (المشروع) هو التعبير الحقيقي عن (التقوى)، ولا تتم اتقوى إلا بالصبر الطويل على معاناة الطريق.

 

العهد

 

1. الفرق بين العهد والبيعة

يخلط الكثيرون بين العهد والبيعة.

لكننا نفرق بين الأمرين؛ فالبيعة للحاكم الشرعي الممكن له. أما العهد فمَـوثِق يجري بين أي جهتين بينعهما عمل مشترك حتى وإن كانت الجهة متكونة من شخص واحد. كما في..

   العهد الذي كان بين الرجل الصالح والنبي الكريم موسى (عليه السلام) على رعي الغنم مقابل الزواج من بنته: (قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ) (القصص:28).

   ومثله العهد بتسديد الدين: (وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ * إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (آل عمران:75-77).

فالعهد وعد بالوفاء بالشرط أو العقد موثق بجعل الله تعالى فيه شاهداً وحفيظاً.

ولا توجد دائرة إلا وبين الموظف والدائرة عهد، ولا عمل تجاري أو سياسي أو غيره إلا وبين الطرفين عهد، لكنه على شكل عقد مكتوب وموقع وموثق رسمياً فيه شرط وشرط مقابل. لكننا لسنا جهة رسمية أو تجارية حتى يمكننا فعل ذلك؛ فنكتفي فيه بالتعهد اللفظي بالعمل حسب الاتفاق تعهداً نشهد الله تعالى عليه. هذا كل ما في الأمر. وليس عقود الوظيفة أو التجارة أو السياسة بأعظم من عقد على إنقاذ أهل السنة وتحريرهم من استعباد الشيعة واضطهادهم.

 

2. الفرق بين المؤسسة الربانية والمنظمة الحزبية

يخلط البعض بين العمل المنظم وبين الحزب وما يعتريه من تحزب.

ويتساءل: أليس التنظيم معناه تكويناً حزبياً؟ ونقول: إن السؤال بهذا الوضع خطأ. والصحيح أن نسأل: هل يمكن تحقيق الإنقاذ دون تنظيم؟

فإن كان الجواب: نعم فنقول: ليتك أثبت لنا ذلك! كيف يمكن مواجهة عدو منظم على جميع الصعد بعمل لا نظام فيه؟! وإن كان الجواب: لا فنقول: العلة ليست في التنظيم نفسه؛ فليس كل تنظيم حزباً بالمعنى السائد، وإنما في التحزب.

فتعال نتعرف على ماهية التحزب. إنه التعصب بالباطل للفئة المنتمى إليها. وهذا موجود في الجهات غير المنظمة أيضاً. فالتحزب موجود بين العشائر بعضها ضد بعض، وفي أوساط التوجهات الدينية كالسلفية والصوفية، وبين المذاهب الفقهية، وبين طلاب شيخ تجاه طلاب شيخ آخر. فما الحل؟ هل بإلغاء تلك الجهات؟ أم بعلاج التعصب والتحزب؟ وهكذا ما يخشى منه من وجود التحزب داخل المؤسسة يعالج ويزال بالطرق السليمة، وليس بإزالة المؤسسة نفسها.

 

تحوطات الانزلاق إلى الحزبية

وضعنا ثلاثة أسيجة تحيط بالمؤسسة تحول بينها وبين الحزبية:

الأول: السياج الذاتي الذي يقوم على الشمولية في المفاهيم والعمل. فهي مؤسسة تقوم أولاً على المفهوم المدني بكل ما فيه من شمولية في العقيدة والفكر، والإيمان والعمل. والأنشطة المتنوعة: دينية ومسجدية وشبابية وحقوقية وتعليمية ونسوية ورياضية وأدبية وخيرية وغيرها من المناشط التي لا تقتصر على العمل السياسي الذي هو أساس الحزبية.

الثاني: لا يتم الانتقال إلى العمل السياسي والعسكري إلا بعد اكتمال بناء الجسم المدني.

الثالث: القيادة العليا هي لمؤسسة الرأس القائد في الجسم المدني. والقوة المهيمنة تتركز بيدها. أما القيادات السياسية والعسكرية مهما علا منصبها فهي قيادات تنفيذية تابعية. وبهذا نكون ارتقينا بفكرنا إلى مستوى دولة المؤسسات، لا دولة الحزب القائد. وإلى مستوى الأمة بعد الدولة.

 

3. وجوب الإيفاء بالعهد

في القرآن الكريم آيات كثيرة توجب الالتزام بالعهد وتحث عليه، وتحذر من نقضه بعد عقده. يجمع مدير جلسات (الإحاطة) إضمامة منها، مثل قوله تعالى:

(وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا) (الإسراء:34).

(وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ) (المؤمنون:8).

(وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75) بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (76) إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (آل عمران:75-77).

وليستحضر العامل لله تعالى أنه مهما كانت منزلته فلن يكون كنبي الله ذي النون (عليه السلام). الذي ترك قومه دون أن يستأذن ربه في ذلك. وكيف يأذن له وهو لما يستكمل ما عليه من واجب تجاههم. ورغم منزلته وقربه عاقبه ربه تلك العقوبة الرعيبة!

(وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا) (النساء:81).

 


[1]- حسنه الحافظ ابن حجر في (فتح الباري).

[2]- رواه مسلم، ورواه البخاري بلفظ (مثل المجاهد في سبيل الله، والله أعلم بمن يجاهد في سبيله، كمثل الصائم القائم).

[3]- أخرجه الحاكم في المستدرك، وابن منده في الإيمان وقال: إسناده صحيح على شرط مسلم

[4]- رواه الترمذى وقال: حديث حسن صحيح

Add a comment

المشروع المدني

 

 

تعريف المشروع المدني

ما المقصود بالمشروع المدني؟

المشروع المدني هو منظومة أنشطة فكرية وعملية منتجة، تتعلق بإنقاذ المجتمع وبنائه وتطويره.

تتكون الأنشطة الفكرية من تعريف بالهوية، وتحديد للقضية، وتعيين للهدف، وخطة مرسومة، وتقدير للموارد البشرية والمادية، وحساب للزمن المستغرق للتنفيذ.

وأما الأنشطة العملية فتقوم على إيجاد وإعداد الموارد البشرية والمادية، مع التنمية والتطوير المستمر لهما في سبيل تنفيذ الخطة وتحقيق الهدف ضمن الزمن المحسوب.

لا بد لهذه الأنشطة من أن تكون متكاملة تسد جميع الفراغات المهمة في الجهد المبذول. متخادمة يشد بعضها بعضاً ويقويه ويضاعف من نتائجه. تتم في نسق واحد فهي ليست أفعالاً معزولة عن بعضها، ولا متنافرة يضادد بعضها بعضاً. تقوم على تنفيذها مؤسسة ناظمة تتوزع الأدوار فيما بين أفرادها ودوائرها، كي تؤدي إلى الهدف المنشود. ولهذا وصفنا الأنشطة بنوعيها بأنها (منظومة).

وأما وصف الأنشطة بأنها (منتجة) فمعناه قدرة هذه الأنشطة على تحقيق الهدف. وهو إنقاذ المجتمع من حالة جمعية خطيرة واقعة به أو مهددة له، والانصراف إلى إنشاء ما يحتاجه من مؤسسات تحقق مصالحه في شتى المجالات العلمية والعملية، وتحفظها وتنميها وتطورها نحو الأحسن على الدوام.

من شروط الفكرة أن تكون نابعة من الواقع، ومبنية على العقيدة أو منسجمة معها. على أن العقيدة بمعناها الكامل – وهو التوحيد والإيمان - أساس كل فكر وعمل في أي مشروع رباني.

 

المشروع المدني في عصر النبوة

مشروعنا رباني: ينطلق من الوحي ويعود إليه. فنحتاج إلى أن نتوقف قليلاً لنتعرف على ملامح المشروع المدني في الإسلام أول ظهوره، كي يكون مشروعنا مبنياً على أساس مكين، لا بصفته الواقعية فقط، وإنما الشرعية أيضاً.

مرّ المشروع المدني في تاريخ الإسلام بثلاث مراحل هي:

 

المرحلة الأولى .. الفكرة وإعداد القادة :

بدأت المرحلة الأولى بكلمة.. هي (اقرأ) التي تضمنها قوله تعالى: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) (العلق:1). فكانت (الفكرة). والفكرة هي بداية الطريق في مشروع الإسلام العظيم. وتشتمل على:

1. عقيدة (لا إله إلا الله .. محمد رسول الله)، وهي الأساس.

2. الغاية العليا، وهي رضى الله جل في علاه، وتحرير الإنسان من ألوهية هواه وعبودية سواه.

3. الهدف، وهو تكوين دولة إسلامية الهوية، عالمية الامتداد، وإن كانت في بدئها محلية الانطلاق؛ فهذا هو التسلسل الطبيعي للأشياء: العالمية للفكرة، والمحلية للتطبيق ضمن القدرة. تتحقق في هذه الدولة العبودية لله وحده، بتطبيق شريعته والخضوع لأوامره على أساس العقيدة بركنيها؛ لإيجاد البيئة التي يتحقق فيها التحرر، ويحافظ فيها على الحرية.

4. الهوية، وهي الإسلام. فكان الإسلام ديناً، وفي الوقت نفسه كان هويةً. وذلك قبل نشوء الفرق البدعية، التي احتاجت إلى هوية أُخرى تميز أهل الإسلام الأنقياء، وهي (السنة والجماعة).

5. القضية: ففي الطريق نحو الهدف - وهو إقامة المجتمع المسلم، وحمل الرسالة إلى العالم - قامت المعوقات ووجدت التحديات متمثلة بأهل الباطل الذين استثارهم الحق فكانوا لحملته أعداءً. ونشب الصراع فنشأت القضية استجابةً لتحدٍّ مفروض في واقع مشهود. فكانت عملاً دؤوباً لأزاحة المعوقات ومواجهة التحديات تحقيقاً للمصالح العليا للمجتمع المسلم، وتمكيناً له من أداء رسالته إلى الناس أجمعين.

ويدخل مع التبشير بالفكرة في هذه المرحلة، ومن دون فصل، انتخاب أو إيجاد القادة وإعدادهم بتوعيتهم بالفكرة، وتربيتهم بالإيمان، وتهيئتهم بالجهاد.

 

المرحلة الثانية .. العمل المجتمعي :

لا يمكن أن يتقدم المشروع بعد ذلك دون جمهور واعٍ يلتحم بالقيادة، فكان الانطلاق من المجتمع ومعايشة الجمهور بآماله وآلامه وملامسة حاجاته المعنوية والمادية. وبهذا انتقل المشروع من الفكرة إلى العمل المجتمعي، فحصل التلاحم المنشود بين الجهات الثلاث فكانت كالجسد الواحد:

1. الفكرة: أساساً وغاية وهدفاً وهوية وقضية

2. القيادة: بكافة مستوياتها، وعلى اختلاف أدوارها والمسؤوليات المنوطة بكل مستوى قيادي.

3. الجمهور المسلم

كل ذلك حسب خطة متمرحلة طبقاً للظرف، وتناغماً مع السياق العام.

 

المرحلة الثالثة .. الكيان السياسي :

تكلل ذلك الجهد الجبار بوجود كيان سياسي مستقل (المدينة): يعبر عنه عمل سياسي، ويحميه جهد عسكري وجيش عقائدي. فكان النصر أخيراً.. وكانت دولة الإسلام. فتحقق الهدف العظيم صعداً نحو الغاية الربانية المنشودة.

وهكذا نرى أن المشروع العسكري يأتي في آخر السلسلة، وكذلك المشروع السياسي. كما نرى أن أياً من هذين المشروعين - أو كليهما - عاجز عن بلوغ الهدف وتحقيق ذلك الإنجاز ما لم ينطلق من أساس. فجاء المشروع المدني جواباً على هذا الإشكال، وخروجاً من هذا المأزق. وجسماً حياً نابضاً ينطلق منه الجناحان الضاربان: السياسي والعسكري.

 

عناصر المشروع المدني

المشروع المدني الذي نعنيه إذن يتكون من العناصر التالية:

1. الفكرة.. وتتضمن (العقيدة والغاية العليا والهدف والهوية والقضية)

2. منظومة القيادة

3. الجمهور المرتبط بالقيادة

4. الخطة المحكمة (وما يتبعها من موارد وآليات)

5. الأنشطة العملية

6. الزمن

 

المهام الأساسية للمشروع المدني

في المشروع المدني:

1. تولد الفكرة بالتأمل والتدبر، وتنمو بالرعاية والتعاطي، وتنضج بالتهذيب والتجريب.. ثم تترك مفتوحة النهايات.

2. يومض الإلهام، وينبثق التجديد، ويلتمع الإبداع.

3. تنمى القدرات وترعى الخبرات حسب الاختصاص؛ (فكل ميسر لما خلق له).

4. تمارس الشورى، وتوضع لها الآليات المناسبة.

5. يمارس التقنين والتخطيط، وترسم السياسات.

6. توزع المهام على القيادرات والإدارات ضمن الهيكلية التراتبية، وحسب النظام الداخلي الموضوع.

7. تهيأ الموارد وتنمى وتستثمر.

8. تحدد المراحل وتعطى كل مرحلة ما يناسبها من الأنشطة.

9. يتم الإشراف على التنفيذ.

10. يقوم رأس المؤسسة أو من ينيبه بتمثيل المؤسسة في المحافل والدوائر الرسمية داخلياً وخارجياً.

 

باستحضار ما سبق بيانه لا يبقى سوى:

1. تفعيل هذه العناصر على الواقع. وهذا هو "كلمة سر" المشروع.

2. إعداد القيادة السياسية، انطلاقاً من الجمهور واعتماداً عليه، للتعبير عن المشروع.

3. تكوين القوة العسكرية المانعة، قبل المباشرة بالتعبير من خلال القيادة السياسية الفاعلة؛ فسياسة بلا قوة مقامرة بأوراق مكشوفة.

 

آلية منع الفساد السياسي والطغيان العسكري والتعصب الحزبي

من أجل أن نمنع الثالوث الخطير: الفساد السياسي والطغيان العسكري والتعصب الحزبي، من اجتياح المؤسسة: دولة فما دونها، أو – على الأقل - نخفف من درجة خطورته إلى الحد المقبول.. نحتاج إلى أمرين:

1. أن لا تتجمع القوة كلها بيد الحاكم السياسي عند التمكين.

2. وأنلا يكون العمل مقتصراً على الممارسة السياسية فحسب قبل التمكين. بل يكون عملاً مجتمعياً شمولياً يعنى بحاجات الجمهور على تنوعها: فكرية كانت أم تربوية أم خدمية.

وهذا كله يتحقق بأن تكون القيادة المدنية هي القيادة العليا للمشروع برمته، يستوي في ذلك الحال قبل التمكين وبعده.

أما القيادة العسكرية والسياسية فتكون جهات تنفيذية وشوروية، وإن كان لهما ممثلون في القيادة العليا، ولكن بصفتهم المدنية. وبهذا يتم ضبط القوة ويمنع تحكمها بالفكرة، كما يحال بين العسكري وطغيان القوة التي منها يولد القائدالصنم، وبين السياسي والانزلاق في دهاليز السياسة، الذي يدفعه إلى التمرد والانفلات عند فقدان الرادع، في غياب القيادة العليا بمشروعها المدني الأصيل وذراعها العسكري الطويل. وهكذا يخرج من دائرة القيادة العليا كل من يوكل إليه ممارسة النشاط السياسي أو العسكري.

 

جيل الهزيمة

في غياب المشروع المدني يكون مصيرنا كمصير بني إسرائيل يوم تاهوا في الأرض أربعين سنة، ولم ينتفعوا بوجود قائد هو من أعظم القادة بين الأنبياء عليهم السلام، الذي جازاه شعبه أذى وعصياناً وعقوقاً. وقد سجل القرآن العظيم ذلك في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آَذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا) (الأحزاب:69)، وذلك في سياق تهيئة هذه الأمة لتسلم الأمانة الربانية واستلام زمام قيادة البشرية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا * إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) (الأحزاب:70-72).

ومثل بني إسرائيل مع موسى عليه السلام كان شيعة الكوفة مع علي رضي الله عنه. وما يغني القادة (وَمَا تُغْنِي الْآَيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ * فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ * ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ) (يونس:101-103). وفي ذلك درس عظيم، والله تعالى يقول: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) (الرعد:11).

 

جيل النصر

يوم يتم تفعيل عناصر هذا المشروع، ويتكامل الربط بين أجزائه جميعاً، يكون قد ولد فينا (جيل النصر)، الذي يستعصي على القوى الخارجية، والداخلية أيضاً، أن تمنعه من الوصول إلى هدفه، أو أن يقطف ثمار جهده بنفسه لنفسه. أو أن يضطر قادته لأن يكونوا عملاء أو أجراء عند غيرهم. وعندها لن يقاتلوا بعد اليوم بالنيابة عن الأعداء - كما هو الحال التي وجدنا عليها أمتنا منذ مئة عام - ولن يكونوا ضحية لمشاريع الآخرين. وهذا بعدعناية الله تعالىورعايته.

هذا باختصار مقصودنا بـ(المشروع المدني) المفقود منذ اضمحلال دولة الإسلام ثم زوالها قبل حوالي مئة عام، الذي نسعى لتأسيسه وتحقيقه في واقع بلدنا محلياً، ثم في محيط أمتنا عالمياً. مستنيرين بكتاب ربنا جل جلاله وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم المطهرة وسيرته العطرة. عاملين بالحكمة القائلة: (فكر عالمياً.. وتصرف محلياً). مترقبين ساعة النصر، وما هي على العاملين المخلصين ببعيد.

Add a comment

التقاء السنن الربانية

في المشروع السني

 

 

nq3يقول تعالى: (وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ).

المسلم يعمل ويقيم مشروعه الرباني وعينه على شيئين:

1. التوافق مع سنن الشرع.

2. والتوافق مع سنن الكون.

فإذا تم التوافق في أبعاده الثلاثة فهو على الحق. وإلا كان عليه إعادة النظر فيما يعمل وما يبني من مشروع.

إن قوانين الله تعالى أو سننه في كونه واحدة، لكنها تتخذ مظاهر متعددة. مثلاً: قانون (الكتلة الصغيرة تنجذب نحو الكتلة الكبيرة)، قانون كوني عام يشمل الحياة في عوالمها المنظورة وغير المنظورة في النفس والآفاق nq4والاجتماع والسياسة والعسكرية. وهو قانون معروف من قوانين الفلك والفيزياء، ومعبر عنه رياضياً بدقة. لكنه في كل مجال وعلم يتخذ مظهراً يناسبه. فالجرم الصغير كالقمر يدور حول الجرم الكبير وهو الكوكب، والكوكب ينجذب نحو الشمس، والشمس نحو المجرة... وهكذا.. هذا في عالم الفلك. والإنسان ينجذب بطبع نفسه إلى من هو أكثر منه علماً فيتبعه، ويخضع لمن هو أقوى منه سلاحاً أو أعلى منه رتبة عسكرية فيطيعه. وأقرب مثال دوران العالم في فلك أمريكا. والفقير يدور حول الغني: فرداً ومجموعاً في عالم الاجتماع. والشخصية الآسرة – إذا انتفت الموانع - تجذب حولها من هو اقل منها آسرية. والجميل مصدر جذب كبير لمن حوله. هذا في مجال عالم النفس.

وسنة الله في شرعه تلتقي بسنته في كونه؛ وسنة الشرع هي قول الله وأمره، كما أن سنة الكون هي فعل الله وخلقه. وقول الله لا يناقض فعله، ولا أمره خلقه.. ولا العكس.

إذن حين يلتقي المشروع: منهجاً وبرنامجاً مع سنة الله في كونه فاعلم يقيناً - كتحصيل حاصل - أنه يتفق مع شرعه؛ فأنت على صواب، وأنت على حق. فامض لما أنت عليه، ودعك من المخالفين والمخذلين والمتخاذلين: (فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ * إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ * وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآَيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ) (النمل:79-81).

لنأخذ على ذلك مثالاً من النفس.. جسم الإنسان.

 

( وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ) .. جسم الإنسان مثالاً

مكونات جسم الإنسان الرئيسة: رأس وقلب وأعضاء وزيادات.

nq6nq5يمثل الرأس القيادة الأعلى للجسم، بقسميه: غير المنظور (وهو العقل الذي يمثل القائد الأعلى)، والمنظور (وهو الدماغ الذي يمثل منظومة القيادة العليا).

ويمثل القلب القيادة الميدانية للجسم.

أما الأعضاء فتمثل الإدارات التنفيذية.

وهناك زيادات: منها ناتج طبيعي، ومنها تالف: طبيعي أو مرَضي.

جسم الإنسان بأجزائه الأربعة، يمثل المشروع بشقيه: المدني وغير المدني. اذا استحضرته في ذاكرتك كنت على بصيرة دائمة من المشروع. وإليك التفصيل..

 

1. العقل:

الرأس فيه شيئان: منظور وهو الدماغ. وغير منظور وهو العقل.

nq7العقل - مستعيناً بمؤثرات أُخرى - يحدد مسار الإنسان في حياته. هذا يكون معلماً، وهذا فلاحاً، وهذا عسكرياً... وهذا ينحو إلى الإلحاد فيميت الروح، وهذا يختار الايمان بفسح المجال للروح لـتأخذ مسارها في إنعاش نفس الإنسان والتحليق بها نحو فضاءات لا تحد من العلو الإيماني.

والعقل هو الذي يقرر متى يستعمل الإنسان رأيه، ومتى يجنح إلى يديه؟ وهكذا بقية القرارات بلا استثناء.

العقل يمثل القائد الأعلى وقمة الهرم في القيادة المدنية للمشروع.

هو الذي يحدد المسار الكلي بالشورى التشاركية مع أهل الشأن.

وإليه ينتهي القرار في توجيه القوة العسكرية والقوة السياسية الناشئتين من الجسم المدني، وليس العكس كما هو الواقع، ويقرر متى يستعمل هذه ومتى هذه.

هو مصدر الإلهام الفكري، ومنبع الحنان الأبوي، والاحتواء الأخوي لأعضاء المؤسسة، والاستيعاب الكلي لهم ولغيرهم.

وهو مغرس الأمل الجميل، ومبعث الحلم اللذيذ. يحلق بالواقع إلى آفاق جديدة فيكتشف الحقائق في فضاءاتها، ويستشرف المستقبل في آمادها. لكن مع هدهدة الواقع فيسحبه مرة ويطلقه أُخرى لتتزن المعادلة السديدة بعنصريها: الحلم المحلق المتجدد والواقع المدقق المقيد.

 

الروح

لا بد للعقل – في نهاية المطاف ومبتدئه - أن يكون حراكه منضبطاً بإيقاع الوحي، وحكمه مسدداً بمسار الشرع. وهذا معنى كون مؤسستنا ربانية ومشروعنا ربانياً. وهنا تأتي الروح متربعة على عرش العقل لتعطيه معنى الربانية الخالد، وتمنحه تحليقاً على تحليق وتسديداً على تسديد (يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (النور:35).

 

2. الدماغ

nq8الدماغ هو أشرف عضو في الجسم، يسيطر على حركات الجسم الإرادية وغير الإرادية والواعية وغير الواعية. ويفسر ما يثير حواسه الخمس من محفزات.

يمثل الدماغ - ومن فوقه العقل - في المشروع القيادة العليا التي لها الهيمنة والرقابة والمتابعة والتغيير والتعديل والتشريع ورسم السياسات، تناغماً مع واقع الناس، وقاعدة البيانات الراجعة.

يماثل الرأس في الجسم مرحلة التحصين في (المشروع) الذي يقوم على إنشاء جهاز قيادي أعلى. كما يماثل – من ناحية أُخرى - (النواة الصلبة) في معادلة (توحيد القوى).

 

3. القلب

nq9روى البخاري عن النعمان بن بشير يقول: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: (ألا وإن في الجسد مضغة: إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب)([1]).

يتميز القلب عن بقية الأعضاء بأن علاقة الدماغ به تنظيمية لا تحريكية. تنتج حركة القلب من نبض ذاتي مستقل كلياً عن الدماغ، وذلك من نقطة قرب اتصال الوريد الأجوف العلوي بالأذين الأيمن. أما دور الدماغ فيقتصر على السيطرة والتنظيم طبقاً للحاجة: تسريعاً بواسطة العصب السمبثاوي (sympathitic)، وتبطيئاً بواسطة العصب الباراسمبثاوي (Parasympathitic). وقد تظهر مرَضياً أكثر من بؤرة نبضية في القلب، تستدعي علاجاً قد يصل الى حد التداخل الجراحي. وقد دلت بحوث حديثة على أن للقلب شبكة عصبية تشبه الدماغ في صلتها بالتفكير. ولا عجب فقد قال تعالى: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) (الحج:46).

يمثل القلب القيادة الميدانية (القاعدة القائدة) التي ينبغي أن تفكر وتجتهد وتتصرف ذاتياً ولكن ضمن سقف محدد تحت إشراف القيادة العليا تسريعاً وتبطيئاً، وهي تبث الحياة في الجمهور السني، أو (الحاضنة الساندة)، من خلال أعمال مجتمعية نافعة. على أنه لا يسمح لبروز استقطابات وتكتلات خارج نطاق القيادة الميدانية المتفق عليه، وخارج إشراف وتنظيم القيادة العليا للمشروع.

يمثل القلب بذلك مرحلة (التكوين) - بشقيها: القاعدة القائدة والحاضنة الساندة - في (المشروع السني)، و(البؤرة الجاذبة) في معادلة (توحيد القوى). ومرحلة (التكوين) أهم مرحلة في المشروع. إذا صلحت صلح المشروع كله، وإذا فسدت فسد المشروع كله. وهي ما يفتقر اليها سنة العراق والمنطقة كلياً.

على القائد الميداني أن:

-         يعمل بطريقة تجمع بين اللامركزية والمركزية؛ فهو حر يجتهد ويستجيب للتغيرات الحادثة والطارئة، ولا يظل جامداً خامداً هامداً ينتظر الأوامر تفصيلياً من فوق. وذلك ضمن الضوابط والمجال المسموح به من هناك.

-         ويتخلص من صفة الإبنوية الكلية التي تعطل الحركة، إلى صفة الأبوية المنضبطة بالأبوية العليا. ولنا دليلاً على هذه القاعدة قصة الطفيل بن عمرو الدوسي نموذجاً واضحاً يؤتسى به.

 

4. الأعضاء

nq10تختلف أعضاء الجسم عن القلب في أن علاقتها بالدماغ علاقة اعتمادية كلية: تحريكاً وتنظيماً، وليست هي تنظيمية فقط، كما هو الحال مع القلب.

أعضاء الجسم في حاجة إلى إيعاز من الدماغ لتبدأ بالعمل: حركة وحساً. فالعضلات المحركة لا تتحرك ابتداء ما لم يصلها إشارة من الدماغ بواسطة الأعصاب الحركية (Motor nerves)، ومواضع الإحساس ليس لها قدرة على تفسير ما يثير الشعور بالألم والحرارة والنعومة والخشونة وغيرها من أنواع الشعور ما لم تستلم تفسيراً بذلك من الدماغ عن طريق الأعصاب الحسية (Sensory nerves). وجميع الأنشطة الخادمة للجسم الصادرة من الأعضاء المختلفة كالكبد والكلى والجلد والأوعية الدموية لا تتحرك ولا تنظم حركتها إلا بإيعاز من الدماغ يحكمها كلياً.

تمثل الاعضاء الادارات التنفيذية الدنيا للمشروع السني، بأجهزتها وأقسامها. ويأتي الجناح العسكري في مقدمة الإدارات التنفيذية. ويمثلها من الأعضاء اليد الباطشة، والقدم الرافسة. ومعه الجناح السياسي الذي يمثله من الأعضاء اللسان والشفتان الناطقة، محكومة بالعقل منضبطة به.

وهنا تمت مرحلة التمكين، وتكونت الكتلة الغالبة.

 

nq1

 

بهذا يتبين أن الجهد العسكري والسياسي ليس أول الجهود ، بل يكاد يكون آخرها: توقيتاً ورتبة. وهذا يلتقي مع النظرية السياسية في (مشروعنا) القائمة على قاعدة (من يمارس القوة لا يملكها، ومن يملك القوة لا يمارسها). فالتقت السنة الكونية بالسنة الشرعية؛ إذ لم يمارس النبي (صلى الله عليه وسلم) العسكرية والسياسة إلا في الثلث الأخير من حياة النبوة، وذلك بعد أن أتم بناء الجسم المدني. بينما الذي عليه الفكر والعمل جعل هذين الجناحين في أعلاها.

 

nq11

 

في إحدى الورش كنت أتكلم عن المشروع ومراحله. ضحك أحد الشباب عندما وصلت إلى نهاية مرحلة التكوين وبداية (التمكين) وقال: "إي! وهنا يأتي العسكري، و(القائد العام للقوات المسلحة) ليستحوذ على كل شيء"! ابتسمت وقلت: اطمئن؛ وضعنا لهذه المفارقة الكارثية حسابها في مشروعنا. وشرحت له نظريتنا

nq12

 

السياسية، القائمة على قاعدة (من يمارس القوة لا يملكها، ومن يملك القوة لا يمارسها). وعقبت: لم تأت هذه القواعد المتقدمة عفواً، أو نتيجة تفكير عابر، إنما هذا نتاج سنين من المعاناة والنظر والتفكير في الواقع.

 

5. الزيادات

الزيادات قسمان:

1. قسم: هو نافع يكمل الجسم ويجمله كالشعر وزيادة الظفر.

2. قسم: هو ضار يجب التخلص منه. وهذا قسمان أيضاً:

nq13nq14أ. قسم: هو ناتج لازم لأنشطة الجسم وعملياته الأيضية، كالعرق والزفير وما شابه.

ب. وقسم: هو: إما توالف طبيعية يجب التخلص منها، مثل قلامة الظفر والشعر المتساقط ، والخلايا الميتة التي تعوض يومياً بخلايا حية. وإما حالات مرَضية، مثل الأورام الحميدة والخبيثة، والزائدة الدودية الملتهبة، والطحال إذا تحول إلى مدمر لخلايا الدم الحمر في بعض حالات الدم المرضية.

تمثل الزيادات النافعة في (المشروع السني) وجود أشخاص ولجان أو ما شابه تقدم خدمات تكميلية، كالاحتفال والدعاية والكلمة الطيبة في صالحه، وأنشطة أُخرى مشابهة.

أما الزيادات الضارة فتتمثل في الجانبين: المعنوي والمادي. أما الجانب المعنوي فيتمثل في الأفكار القديمة العاطلة (التي لا نفع فيها) والباطلة (التي تضر ولا تنفع) التي يسميها البعض ثوابت (مثل الوطن، الشيعة العرب، قصر مفهوم الفقيه على فقيه الفروع، البدء بالعسكري والسياسي). ويتمثل الجانب المادي في الأشخاص العاطلين عن أي نشاط نافع، والباطلين الذين يثيرون المشاكل داخل الصف: فردياً، أو جماعياً عن طريق التكتلات المضادة للخط العام لمسار المشروع.

 

المعارضة الإيجابية ليست من الزيادات

أما المعارضة الإيجابية فلا يتطور مشروع دون وجودها. هي كالعضو الذي يطلق الألم علامة تنبيه على مرض يتطلب علاجاً. الجسم الميت هو الجسم الوحيد الذي لا يتألم. والقاعدة، التي وضعناها في المشروع استخلاصاً من قصة الهدهد في نظام سليمان (عليه السلام)؛ لتشجيع هذه الحالة الصحية وتنظيمها، تنص على أن (الخروج على النظام خدمةً للنظام.. نظام).

 

لا ينبغي لأحد أن يبغي على أحد بسبب اختلاف المراتب

لا يصح شرعاً ولا عقلاً ولا أدباً أن يبغي صنف بسبب علو رتبته على صنف أدنى منه رتبة. هل ينكر أحد حاجة الجسم إلى الظفر وأهميته ضمن تكوينه؟ وهل يثبت عاقل قيمة دماغ أو قلب مفصول عنه؟

يقول الكاتب المختص في علم (الإدارة) روبين سبكيولاند: أعلن الرئيس الأمريكي جون كنيدي عام 1960 أن على الأمة أن تلزم نفسها بتحقيق هدف قبل انتهاء هذا العقد هو إنزال رجل على القمر وإعادته سالماً. واستجاب الجميع لهذا النداء.

nq15أراد أحد الصحفيين أن يعرف مدى تأثير رؤية الرئيس على العاملين في وكالة (ناسا)، فقام بزيارة مقر الوكالة، فلاحظ المهندسين والعلماء يعملون بسرعة محمومة، ولكن أكثر شيء أثار دهشة الصحفي هو عامل النظافة الذي كان يمسح الأرض. توقف الصحفي وسأل عامل النظافة: ماذا تفعل هنا؟ عندها رفع عامل النظافة هامته ونظر إلى عين الصحفي مباشرة، وقال: (أنا أساعد في إرسال أول رجل فضاء إلى القمر)([2]).

كن ظفراً في مشروع. ولا تكن دماغاً أو قلباً مفصولاً خارجه.

 

مصدر الخلل

يشيع الخلل إلى المجتمع من مصادر ثلاثة:

1. حين يغيب العقل أي الرأس المدني المفكر المسيطر بأجهزته المدنية على الجمهور فيهمل المشروع المدني، قفزاً إلى العسكري أو السياسي. كانت المقاومة، في حقيقتها، أشباحاً، لا يظهر منها سوى يد تكبس أو قدم ترفس وسط الظلام ثم تختفي بسرعة. لهذا ارتبط وجودها - كنتيجة تلقائية غير مقصودة - بالمحتل؛ اختفت باختفائه ورحلت برحيله. والمفترض – كنتيجة طبيعية مقصودة - أن تظهر لا أن تختفي بزواله!

لقد كانت في واقع الأمر مجرد شبح بيد وقدم، لا جسم له!

2. أو يوجد الرأس المدني، لكن يكتفي بالعلم والثقافة ونشرهما دون الانتقال إلى مشروع بجسم مدني وجناحين: عسكري وسياسي.

3. أن تغيب الربانية، فتنشأ دولة مدنية خارجة على شريعة الإسلام.

 

الصبر

جمع الله تعالى ما يريده من المسلم بشيئين: التقوى والصبر، وذلك في عدة مواضع من كتابه الكريم، منها: (إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) (يوسف:90).

المشروع برمته يمثل جانب التقوى. فلم يبق إلا الصبر لجني ثمار المشروع.

والصبر مبناه على اليقين بصواب العمل؛ قال سبحانه: (وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) (العصر:3). فأمر المؤمنين – بعد اليقين بكونهم على الحق - بالصبر على دفع المستحق. ومثله قوله تعالى: (قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ * قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ) (الأنعام:58،57). فجعل (البينة) - وهي أحد تعبيرات (الحق) - هي الأصل، فإذا كنت على بينة من أن مشروعك صائب، فما عليك إلا التذرع بالصبر، وأنت ماضٍ في العمل بمشروعك قدماً لا تستعجل قطاف الثمر، وإلا كانت النتيجة – كما قيل – (من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه).

كثيراً ما يسألني الناس: كم معك من الأتباع؟ وماذا أنجزتم على الأرض؟ فأقول لمن يسألني: لن أجيبك عن هذا؛ لأنه ليس هو الجانب المهم في الموضوع. إنما المهم هو السؤال عن: كون المشروع يمتلك شروط الحق والصواب أم لا؟ فإذا كان باطلاً فدعه ولو كان أتباعه بالملايين. وإن كان حقاً فما الواجب تجاهه حتى لو كنت وحدك في الميادين؟ فيسكت البعض، ويجيب البعض: إذا كان المشروع حقاً فالواجب حمله وتبنيه. فأقول له: افترض أنه ليس في المشروع غيري وغيرك واعمل بما هو واجب عليك.

وليس من شرط أحقية الشيء أن يخلو من كل خطأ، إنما الشرط هو صواب مساره العام، والمجال مفتوح للتصويب.

ثم لا بد حتماً من أن يبدأ المشروع بواحد ثم ثانٍ وثالث... وهكذا حتى يتم الله أمره. لكن للسابقين منزلتهم، أولئك الذين ما تبنوا المشروع وحملوا القضية إلا لذاتها؛ لقد كانت بذرة في ضمير الغيب قبل أن تكون شجرة في عالم الشهادة. وهذه هي ميزة المؤمنين المتقين: (يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) (البقرة:3). وهنا أتذكر ما رواه مسلم وغيره عن عمرو بن عبسة (رضي الله عنه) قال: كنت وأنا في الجاهلية أظن أن الناس على ضلالة، وأنهم ليسوا على شيء وهم يعبدون الأوثان. فسمعت برجل بمكة يخبر أخباراً، فقعدت على راحلتي، فقدمت عليه، فإذا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مستخفياً جرءاء عليه قومه. فتلطفت حتى دخلت عليه بمكة، فقلت له: ما أنت؟ قال: (أنا نبي)، فقلت: وما نبي؟ قال: (أرسلني الله)، فقلت: وبأي شيء أرسلك،؟ قال: (أرسلني بصلة الأرحام، وكسر الأوثان، وأن يوحد الله لا يشرك به شيء). قلت له: فمن معك على هذا؟ قال: (حر وعبد). قال: ومعه يومئذ أبو بكر وبلال ممن آمن به. فقلت: إني متبعك، قال: (إنك لا تستطيع ذلك يومك هذا، ألا ترى حالي وحال الناس، ولكن ارجع إلى أهلك فإذا سمعت بي قد ظهرت فأتني)([3]).

 

( وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ ) .. مكة والمدينة مثالاً

nq16انظر إلى أرض مكة: هل كان يخطر ببال أحد أن تكون منطلقاً لمشروع عالمي؟ وانظر إلى ميدان معركة (أُحد) واسال السؤال نفسه!

وها هو ذكر النبي (صلى الله عليه وسلم) مقروناً بذكر الله جل في علاه يلف الأرض ويطوف السماء في كل لحظة! ولكن اسأل عن مبتدإه قبل منتهاه!

متى قال الله تعالى: (وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ) (الشرح:4)؟ وقال: (إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ) (الكوثر:3)؟ ومتى تحقق ذلك فنزل قوله تعالى: (ِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا) (النصر:2،1)؟ ومتى استعمل النبي (صلى الله عليه وسلم) القوة والسياسة لتحقيق النصر؟

وفاز الحر والعبد، ولكن فوزاً دونه فوز من تأخر فصعب عليه أن يتدارك ما فات.. وانتصروا ولكن نصراً دونه نصر الآخرين! (لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) (الحديد:10).

كان الحرُّ أفضل الأمة طراً!

وقال النبي (صلى الله عليه وسلم) في العبد: (حَدِّثْنِي بِأَرْجَى عَمَل عَمِلْتَهُ فِي الإِسْلامِ، فَإِنِّي سمِعْتُ دَفَّ نَعْلَيْكَ بيْنَ يَديَّ في الجَنَّة)([4])! وكان عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) يقول في الحر والعبد: (أبو بكر سيدنا، وأعتق سيدنا)([5]).

 

الواقع

01f12cd43a591d1301236064cea2744d3067c881a2dd0a7c7ca8a9bd2bb22b58الناظر إلى الواقع اليوم يجد الشعب السني عبارة عن أعضاء مقطعة. يراد لصقها أو دمجها بأي وسيلة. السياسي يلصق ولكن بغراء، والعسكري يدمج ولكن بهراوة. وإنما نحن في حاجة إلى طبيب يستعمل الدواء الناجع، ويربط الأجزاء بدقة ورويئة.

نعم نحن مشروع عالمي أممي. لكن عالميتنا مرتبطة بنجاح محليتنا. ونجاح محليتنا مرتبط بشيئن: صواب المشروع، والصبر على تحمل الأعباء. هكذا فعل النبي (صلى الله عليه وسلم). وهكذا أمر سبحانه (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ) (الروم:60). وهكذا نرجو أن نكون؛ ما دمنا موقنين بصواب ما نحن عليه، وأننا على (حق) وعلى (بينة).

لقد التقت سنة الله الكونية وسنة الله الشرعية في (مشروعنا). وحين تلتقي السنتان في أمر فاعلم أنه صواب.

 


[1]- صحيح البخاري، 1/20، محمد بن إسماعيل أبو عبدالله البخاري الجعفي، تحقيق محمد زهير بن ناصر الناصر، دار طوق النجاة (مصورة عن السلطانية بإضافة ترقيم ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي)، الطبعة الأولى، 1422هـ.

[2]- http://www.nlpnote.com/forum/246977-post1.html

[3]- صحيح مسلم، مسلم بن الحجاج أبو الحسن القشيري النيسابوري (ت 261هـ)، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي – بيروت.

[4]- رواه البخاري، 2/53، عن أبي هريرة. مصدر سابق.

[5]- رواه البخاري، 5/27، عن جابر بن عبد الله. مصدر سابق.

Add a comment

المشروع المدني

 

 

تعريف المشروع المدني

المشروع المدني باختصار: هو منظومة أنشطة فكرية وعملية منتجة، تتعلق بإنقاذ المجتمع وبنائه وتطويره. قبل التوجه لإنشاء الجناح العسكري والسياسي.

 

يمكن حصر الأنشطة الفكرية بما يلي:

  1. الغاية الجاذبة
  2. العقيدة المؤسسة
  3. الحاجة الدافعة
  4. الهوية المُعَـرّفة
  5. القضية المحدَّدة
  6. الهدف المعيَّن
  7. الخُـطة المرسومة
  8. البرامج المعمولة
  9. الموارد البشرية والمادية المقدَّرة
  10. الزمن المحسوب للتنفيذ

 

أما الأنشطة العملية فتقوم على:

إيجاد وإعداد الموارد البشرية والمادية، مع التنمية والتطوير المستمر لهما في سبيل تنفيذ الخطة وتحقيق الهدف ضمن الزمن المحسوب. وهذا في حاجة إلى:

  1. قيادة راعية
  2. إدارة منفذة
  3. مؤسسة حاضنة
  4. جمهور مستهدَف

لا بد لهذه الأنشطة - بنوعيها: الفكري والعملي - أن تكون متكاملة تسد جميع الفراغات المهمة في الجهد المبذول. متخادمة يشد بعضها بعضاً ويقويه ويضاعف من نتائجه. تتم في نسق واحد فهي ليست أفعالاً معزولة عن بعضها، ولا متنافرة يضادد بعضها بعضاً. تقوم على تنفيذها مؤسسة ناظمة تتوزع الأدوار فيما بين أفرادها ودوائرها، كي تؤدي إلى الهدف المنشود. ولهذا وصفنا الأنشطة بنوعيها بأنها (منظومة).

وأما وصف الأنشطة بأنها (منتجة) فمعناه قدرة هذه الأنشطة على تحقيق الهدف. وهو إنقاذ المجتمع من حالة جمعية خطيرة واقعة به أو مهددة له، والانصراف إلى إنشاء ما يحتاجه من مؤسسات تحقق مصالحه في شتى المجالات العلمية والعملية، وتحفظها وتنميها وتطورها نحو الأحسن على الدوام.

قد يسأل سائل: وما الغاية الجاذبة في المشروع السني؟ والجواب: طبقاً لربانية المشروع تكون الغاية العليا منه إرضاء الله جل في علاه. وهذا يتمثل تحديداً بالسعي لإنقاذ النفس من النار، وبلوغ الجنة طامعين بالدرجات العلى منها. وهو أعظم ما يستهوي النفوس العظيمة، ويجتذب القلوب السليمة.

 

المشروع المدني في عصر النبوة

مشروعنا رباني: ينطلق من الوحي ويعود إليه. فنحتاج إلى أن نتوقف قليلاً لنتعرف على ملامح المشروع المدني في الإسلام أول ظهوره، كي يكون مشروعنا مبنياً على أساس مكين، لا بصفته الواقعية فقط، وإنما الشرعية أيضاً.

مرّ المشروع المدني في تاريخ الإسلام بثلاث مراحل هي:

 

المرحلة الأولى .. الفكرة وإعداد القادة :

بدأت المرحلة الأولى بكلمة.. هي (اقرأ) التي تضمنها قوله تعالى: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) (العلق:1). فكانت (الفكرة) وبناء المفاهيم. والفكرة هي بداية الطريق في مشروع الإسلام العظيم. وتشتمل على:

 

1. عقيدة (لا إله إلا الله .. محمد رسول الله)، وهي الأساس.

2. الغاية العليا، وهي رضى الله جل في علاه، وتحرير الإنسان من ألوهية هواه وعبودية سواه.

3. الهدف، وهو تكوين دولة إسلامية الهوية، عالمية الامتداد، وإن كانت في بدئها محلية الانطلاق؛ فهذا هو التسلسل الطبيعي للأشياء: العالمية للفكرة، والمحلية للتطبيق ضمن القدرة. تتحقق في هذه الدولة العبودية لله وحده، بتطبيق شريعته والخضوع لأوامره على أساس العقيدة بركنيها؛ لإيجاد البيئة التي يتحقق فيها التحرر، ويحافظ فيها على الحرية.

4. الهوية، وهي الإسلام. فكان الإسلام ديناً، وفي الوقت نفسه كان هويةً. وذلك قبل نشوء الفرق البدعية، التي احتاجت إلى هوية أُخرى تميز أهل الإسلام الأنقياء، وهي (السنة والجماعة).

5. القضية: ففي الطريق نحو الهدف - وهو إقامة المجتمع المسلم، وحمل الرسالة إلى العالم - قامت المعوقات ووجدت التحديات متمثلة بأهل الباطل الذين استثارهم الحق فكانوا لحملته أعداءً. ونشب الصراع فنشأت القضية استجابةً لتحدٍّ مفروض في واقع مشهود. فكانت عملاً دؤوباً لأزاحة المعوقات ومواجهة التحديات تحقيقاً للمصالح العليا للمجتمع المسلم، وتمكيناً له من أداء رسالته إلى الناس أجمعين.

ويدخل مع التبشير بالفكرة في هذه المرحلة، ومن دون فصل، انتخاب أو إيجاد القادة وإعدادهم بتوعيتهم بالفكرة، وتربيتهم بالإيمان، وتهيئتهم بالجهاد.

 

المرحلة الثانية .. العمل المجتمعي :

لا يمكن أن يتقدم المشروع بعد ذلك دون جمهور واعٍ يلتحم بالقيادة، فكان الانطلاق من المجتمع ومعايشة الجمهور بآماله وآلامه وملامسة حاجاته المعنوية والمادية. وبهذا انتقل المشروع من الفكرة إلى العمل المجتمعي، فحصل التلاحم المنشود بين الجهات الثلاث فكانت كالجسد الواحد:

1. الفكرة: أساساً وغاية وهدفاً وهوية وقضية.

2. القيادة: بكافة مستوياتها، وعلى اختلاف أدوارها والمسؤوليات المنوطة بكل مستوى قيادي.

3. الجمهور المسلم.

كل ذلك حسب خطة متمرحلة طبقاً للظرف، وتناغماً مع السياق العام.

 

المرحلة الثالثة .. الكيان السياسي :

تكلل ذلك الجهد الجبار بوجود كيان سياسي مستقل (المدينة): يعبر عنه عمل سياسي، ويحميه جهد عسكري وجيش عقائدي. فكان النصر أخيراً.. وكانت دولة الإسلام. فتحقق الهدف العظيم صعداً نحو الغاية الربانية المنشودة.

وهكذا نرى أن الجهد العسكري يأتي في آخر السلسلة، وكذلك الجهد السياسي. كما نرى أن أياً من هذين الجهدين - أو كليهما - عاجز عن بلوغ الهدف وتحقيق ذلك الإنجاز ما لم ينطلق من أساس. فجاء المشروع المدني جواباً على هذا الإشكال، وخروجاً من هذا المأزق. وجسماً حياً نابضاً ينطلق منه الجناحان الضاربان: السياسي والعسكري.

 

المهام الأساسية للمشروع المدني

في المشروع المدني:

1. تولد الفكرة بالتأمل والتدبر، وتنمو بالرعاية والتعاطي، وتنضج بالتهذيب والتجريب.. ثم تترك مفتوحة النهايات.

2. يومض الإلهام، وينبثق التجديد، ويلتمع الإبداع.

3. تنمى القدرات وترعى الخبرات حسب الاختصاص؛ (فكل ميسر لما خلق له).

4. تمارس الشورى، وتوضع لها الآليات المناسبة.

5. يمارس التقنين والتخطيط، وترسم السياسات.

6. توزع المهام على القيادات والإدارات ضمن الهيكلية التراتبية، وحسب النظام الداخلي الموضوع.

7. تهيأ الموارد وتنمى وتستثمر.

8. تحدد المراحل وتعطى كل مرحلة ما يناسبها من الأنشطة.

9. يتم الإشراف على التنفيذ.

10. يقوم رأس المؤسسة أو من ينيبه بتمثيل المؤسسة في المحافل والدوائر الرسمية داخلياً وخارجياً.

باستحضار ما سبق بيانه لا يبقى سوى:

1. تفعيل هذه العناصر على الواقع.

2. إعداد القيادة السياسية، انطلاقاً من الجمهور واعتماداً عليه، للتعبير عن المشروع.

3. تكوين القوة العسكرية المانعة، قبل المباشرة بالتعبير من خلال القيادة السياسية الفاعلة؛ فسياسة بلا قوة مقامرة بأوراق مكشوفة.

 

آلية منع الفساد السياسي والطغيان العسكري والتعصب الحزبي

من أجل أن نمنع الثالوث الخطير:

1. الفساد السياسي

2. الطغيان العسكري

3. التعصب الحزبي

من اجتياح المؤسسة: دولة فما دونها، نحتاج إلى ثلاثة أمور أساسية: الأول: أصل مستقل بذاته مطلق عن قيد التمكين. واثنان منها مقيدان بالتمكين: قبلاً وبَعداً. وهي:

1. أن تكون القيادة المدنية هي القيادة العليا للمشروع برمته، يستوي في ذلك الحال قبل التمكين وبعده.

2. قبل التمكين:

منع ممارسة العمل السياسي قبل استكمال بناء الجسم المدني وتكوين الجناح العسكري. إنما هو عمل مجتمعي شمولي يعنى بحاجات الجمهور على تنوعها: فكرية كانت أم تربوية أم خدمية.

3. عند التمكين:

منع تجمع القوة بيد الحاكم السياسي أو القائد العسكري. ومن صورها المعروفة أن يكون الحاكم السياسي هو (القائد العام للقوات المسلحة)، أو تولي السلطة السياسية من قبل المؤسسة العسكرية. يجب الفصل التام بين السلطتين: العسكرية والسياسية. فلا يتولى العسكري منصباً سياسياً، ولا السياسي منصباً عسكرياً. بهذا نمنع فساد السياسي وطغيانه، وطغيان العسكري وفساده.

تكون القيادة العسكرية والسياسية جهات تنفيذية وشوروية، ولهما ممثلون في القيادة العليا لوضع الاستراتيجيات السياسية والعسكرية بإطارها الفني، ولغايات شوروية لبناء القرار النهائي، الذي هو قرار مدني.

بهذا يتم ضبط القوة ويمنع تحكمها بالفكرة، كما يحال بين العسكري وطغيان القوة التي منها يولد القائد الصنم، وبين السياسي والانزلاق في دهاليز السياسة، الذي يدفعه إلى التمرد والانفلات عند فقدان الرادع، في غياب القيادة العليا بمشروعها المدني الأصيل وذراعها العسكري الطويل. وعلى هذا الأساس يخرج من دائرة القيادة العليا كل من يوكل إليه ممارسة نشاط سياسي أو عسكري.

 

التوازن بين القوى الثلاث : المدنية والسياسية والعسكرية

يتكلم السياسيون عن الفصل بين السلطات الثلاث: التشريعية والقضائية والتنفيذية، ويُغفلون ذكر التوازن بين القوى الثلاث: المدنية والسياسية والعسكرية، وهذا لا يقل أهمية عن الأول إن لم يكن أهم منه.

يقوم هذا التوازن على مبدأ الفصل بين امتلاك القوة وممارستها:

  1. 1. فمن يمارِس السلطة لا يملكها. كما يتاجر المرء بما لا يملكه.
  2. 2. ومن يملك السلطة لا يمارسها. كما يفوض المالك غيره بالمتاجرة بماله.

فيُمنع الجناح السياسي والعسكري (وهو من يمارس السلطة) من امتلاكها. ويُمنع الرأس المدني (وهو من يملك السلطة) من ممارستها. هذا هو الأساس، وللتحقيق تفصيله.

بهذا نبني دولة المؤسسات: دَولة ولكن بمفاهيم أمة. دَولة لا تكون السلطة فيها دُولة بين الأقوياء، كما لا يكون المال فيها دُولة بين الأغنياء.

 

أجيال الهزيمة

في غياب المشروع المدني يكون مصيرنا كمصير بني إسرائيل يوم تاهوا في الأرض أربعين سنة، ولم ينتفعوا بوجود قائد هو من أعظم القادة بين الأنبياء عليهم السلام، الذي جازاه شعبه أذى وعصياناً وعقوقاً. وقد سجل القرآن العظيم ذلك في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آَذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا) (الأحزاب:69)، وذلك في سياق تهيئة هذه الأمة لتسلم الأمانة الربانية واستلام زمام قيادة البشرية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا * إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) (الأحزاب:70-72).

ومثل بني إسرائيل مع موسى عليه السلام كان شيعة الكوفة مع علي رضي الله عنه. وما يغني القادة (وَمَا تُغْنِي الْآَيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ * فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ * ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ) (يونس:101-103). وفي ذلك درس عظيم، والله تعالى يقول: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) (الرعد:11).

 

جيل النصر

يوم يتم تفعيل عناصر هذا المشروع، ويتكامل الربط بين أجزائه جميعاً، يكون قد ولد فينا (جيل النصر)، الذي يستعصي على القوى الخارجية، والداخلية أيضاً، أن تمنعه من الوصول إلى هدفه، أو أن يقطف ثمار جهده بنفسه لنفسه. أو أن يضطر قادته لأن يكونوا عملاء أو أجراء عند غيرهم. وعندها لن يقاتلوا بعد اليوم بالنيابة عن الأعداء - كما هو الحال التي وجدنا عليها أمتنا منذ مئة عام - ولن يكونوا ضحية لمشاريع الآخرين. وهذا بعد عناية الله تعالى ورعايته.

هذا باختصار مقصودنا بـ(المشروع المدني) المفقود منذ اضمحلال دولة الإسلام ثم زوالها قبل حوالي مئة عام، الذي نسعى لتأسيسه وتحقيقه في واقع بلدنا محلياً، ثم في محيط أمتنا عالمياً. مستنيرين بكتاب ربنا جل جلاله وسنة نبينا e المطهرة وسيرته العطرة. عاملين بالحكمة القائلة: (فكر عالمياً.. وتصرف محلياً). مترقبين ساعة النصر، وما هي على العاملين المخلصين ببعيد.

Add a comment

مفهوم الأمة بين الفكرة والواقع

من المفاهيم التي أمست اليوم في حاجة ماسة إلى المراجعة مفهوم (الأُمة).

إن هذا المفهوم من حيث المنزلة الدينية هو فكرة نقدسها، وعقيدة نؤمن بها. يقول ربنا سبحانه بعد ذكره موكباً عظيماً من الأنبياء والصالحين، ابتدأه بموسى وهارون، واختتمه بزكريا وزوجه وعيسى وأمه: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) (الأنبياء:92).

لكننا عندما ننظر إلى الواقع الذي يكتنفنا، نجد مفهوم (الأمة) لا يعدو كونه:

•    فكرة مشرقة في الذهن بحاجة إلى تمثيل.

•    وحلماً جميلاً في الخيال بحاجة إلى تأويل.

لقد جردنا – دون أن نشعر - الفكرة عن واقعها والحلم عن حقيقته، فوقعنا في مفارقة كبيرة يدفع ثمنها الأغلبية من جماهير الأمة لصالح أقلية ترفع شعار (الأُمة) بصورة لا ترى فيها إلا نفسها. بمعنى أنها تطالب الأُمة بحقوقها عليها، ولا تطالب نفسها بالواجبات المترتبة عليها تجاه (الأمة)!

القطرية المفرقة .. لا الأمة الجامعة

والآن.. اسرح ببصرك نحو الأفق هل يرجع إليك بغير أقطار ودويلات تفصل بينها حدود وضعها المستعمر؟ وبإمكان كل فرد ينتسب إلى الأمة أن يكتشف عند الحد الفاصل أنه لا أمة خارج نطاق الذهن والحلم. وأن بقاءه في بلده – لو توفر له الأمن – خير له، من جوانب كثيرة، من عيشه بين إخوانه في تلك الأقطار والدول والدويلات.

وأهل كل بلد من هذه البلدان - عربية كانت أم إسلامية - مشغولون بهمومهم، ولهم أفكارهم، بحيث ينظرون إلى همك الخاص من خلال تلك الهموم، ولا غير، ويريدون أن يخضعوا أفكارك الخاصة بقضيتك التي في بلدك إلى تلك الأفكار، ولا بد. ومن الصعوبة البالغة أن تزحزحهم عن شيء من ذلك. وأظن أن هذا شيء طبيعي ما دامت الحدود تفصل بيننا وتمنع أبناء الأمة من أن يعيشوا معاً ويختلطوا ببعضهم، فيتشاركوا الهموم ويتبادلوا الأفكار.

النتيجة أنك تُجبر على أن تعيش في عزلة نفسية وفكرية تنعكس على علاقاتك ووضعك الاجتماعي الجديد. وكثيراً ما تمارس الصمت والوجوم أو الابتسام والتصنع إزاء ما ترى وتسمع! عند هذه النقطة تماماً يتبادر إلى ذهنك السؤال الخطير: أين الأمة؟

عندذاك تكتشف أن الأمة المقطعة الأوصال لا وجود لها خارج نطاق المفهوم الذهني والحلم الخيالي، وخارج نطاق بعض الأفراد المتميزين الذين يمتلكون طاقة هائلة لتجاوز فلك القطر عبر الحدود نحو فلك الأمة. وهؤلاء لا غيرهم – في رأيي - هم الأمة اليوم.

مع هذا الاكتشاف المؤلم تكتشف شيئاً آخر أكثر إيلاماً، هو أن بعض الجهات تتكلم باسم الأمة، وترفع شعار (الأُمة) – كما أسلفت - بصورة لا ترى فيها إلا نفسها. بمعنى أنها تطالب الأُمة بحقوقها عليها، ولا تطالب نفسها بالواجبات المترتبة عليها تجاه (الأمة)! هذا والأمة في دوامة الركود الفكري لا تدرك هذه المفارقة الأليمة اللئيمة. فما العمل؟ وما الحل؟

فكّر أممياً .. وتصرف محلياً

nq19عندما ننظر إلى الشرع والمبدأ من جهة، وإلى الواقع والمصلحة من جهة، نجد أن الحل الشرعي الواقعي المنصف هو أن نتبع المعادلة التالية: (فكّر عالمياً "أممياً" وتصرف محلياً)، فإن نجاح عالميتك بنجاحك أولاً في محليتك.

إذن.. قضيتي القطرية هي الأولى من الناحية العملية، حتى وإن كانت أولويتها أدنى من الناحية النظرية. وأتعاطى مع قضايا الأمة بعد ذلك بمسلكين محكومين بقيدين:

1. حسب القدرة والطاقة الفائضة بحيث لا أفرط بحق ذوي القربي (أهل بلدي) كما قال سبحانه: (وَالَّذِينَ آَمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (الأنفال:75): فأقدم حق الأقارب على المؤمنين ولو كانوا من المهاجرين المجاهدين. فمن حيث الأصل ليس من الشرع الحكيم، ولا النظر القويم، تقديم قضية قطر إسلامي غير عربي على قضية قطر إسلامي عربي، ولا تقديم قضية قطر عربي على قضية قطري الذي أعيش فيه؛ لأن أهل بلدي أقرب رحماً من أهل البلد العربي الثاني، وأهلي العرب أقرب رحماً من أهلي المسلمين غير العرب. هذا بالنظر إلى عامل الرحم فقط. فإذا أدخلنا عامل المصلحة كان الأمر آكد وأقوم.

2. أن أبادل الموقف بموقف، والدين بالشعور. فمن لم يقف معي في قضيتي لا أتجاوز دائرة الشعور لأقف معه في قضيته وإن كان مسلماً عابداً؛ فإن هذا الإسلام لم يدفعه لأن يقف معي وأنا أخوه المسلم، فليس من حقه أن يطالب إسلامي بما لم يطالب هو به إسلامه قبل ذلك؛ والله تعالى يقول: (وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا) (الأنفال:72). الإيمان وحده لا يصنع قضية ما لم يستتبع نصرة تصدقه وتبنى عليه. فالنصرة إنما هي للقضية وليس لأصل الدين، وبدليل نهاية الآية أيضاً: (وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ). فالميثاق (أي نصرة القضية وليس الدين) من الكافر أقوى من (إيمان) مسلم لم يحمله إيمانه على مشاركة إخوانه في قضيتهم ليتواثق معهم به وينصرهم. وهكذا ترتبت النصرة على القضية (الميثاق ولو من كافر)، لا على أصل الإيمان (الدين).

بذلك أكون واقعياً فأحمل هم (الأمة) فكراً وشعوراً، وأتجاوز ذلك إلى العمل بالشرطين الآنفي الذكر، وأعمل لتغيير الواقع الذي هو تحت طَول يدي لا تفصلني عنه الحدود. وبذلك نتوحد في مشاعرنا ونتفاعل في قضايانا، ونؤدي من ذلك ما نستطيع قياماً بالواجب المفروض بالوسع المقدور.

أولويات التحدي

بعد كل هذا يمكنني أن أحدد أولويات التحدي حين أعرف أن لي قضيتين: قضية خاصة داخل بلدي أقدمها عملاً وتطبيقاً، وقضية عامة على امتداد الأفق الذي تتناثر متفرقة عليه أقطار (الأُمة) قد أقدمها قيمةً وترتيباً.

والآن لننزل هذا الكلام على مورده.

أنا – كعراقي – من الناحية العملية أبذل جهدي لإنقاذ بلدي العراق أولاً، كما يعمل الفلسطيني والسوري – مثلاً - لبلديهما دون أن أطالبهما أن يكونا عراقيين: لا كالعراقي ولا أكثر منه إحساساً وهماً وحملاً لقضيته. كذلك أنا لست فلسطينياً ولا سورياً: لا مثلهم ولا أكثر منهم من باب أولى. إنما نتشارك في الشعور والهم كلٌّ بحسبه، ونتناصر بعد ذلك حسب الموقف والقدرة.

هكذا تتوحد قضايا الأمة وأولوياتها. لأنه عندذاك لن نجد عربياً يصطف مع عدوي كعراقي (وهو إيران) ويريد مني أن أصطف معه ضد عدوه، بل بعضهم يتجاوزني لأهمل قضيتي في سبيل قضيته! ولا نجد مسلماً يصطف مع روسيا ويطمع بنصرة شيشاني له.

ولن نسمع برئيس دولة عربية يزوره رئيس إيران ليصرح من عاصمته أن قضيتهما واحدة، هذا وإيران ذبحتني من الوريد إلى الوريد! لماذا لا يستقبل نتنياهو إذن ويصرح من عاصمته بمثل ما يصرح به مع نجاد؛ ما الفرق؟ ولن نرى عربياً آخر يزور إيران يتلقى منها الأموال، ويصدر بياناً من طهران بمثل بيان الرئيس المذكور؛ لأن (أدب) القضية سيعلمه أدب مراعاة (الأصول). وإلا تمزقت الأمة في قضيتها: شعوراً وهماً، وتطبيقاً وعملاً، بعد تمزقها: أرضاً وحداً وواقعاً، وغزاها العدو في عقر دارها ثقافةً واقتصاداً وسياسةً واجتماعاً، وربما احتلها عسكرياً، وبهتت هويتها وضعف انتماؤها لأوطانها وقومياتها وإسلامها.

هذا هو الذي يحفظ للتحديات أولوياتها، ويحفظ للأمة هوياتها المتنوعة، فليس هناك تحدٍّ واحد، كما أنه ليس من تحد هو الأول بالمطلق دون مراعاة ما سبق. كذلك ليس ثمة من هوية وحيدة تلقف – كعصا موسى - بقية الهويات، بل هي هويات متعددة متساندة.

الملاحظ على (القوميين) خصوصاً العراقيين أنهم أضعفوا انتماءنا الوطني بتركيزهم على العرب خارج حدودهم القطرية؛ فكأن أولوية الاهتمام بالوطن تتناقض مع العروبة. كما أن الملاحظ على (الإسلاميين) أنهم أضعفوا انتماءنا العروبي؛ فكأن العروبة تتناقض مع الإسلام! ولم يكتفوا بهذا حتى أدخلوا إيران ضمن (المنظومة الإسلامية)، وبذلك انتقلوا من المطر إلى المزراب!

بطلان نظرية ( القضية المركزية ) وفشلها

nq20عند هذا الحد نجد أن نظرية (القضية المركزية)، وأن للأمة قضية مركزية واحدة، في حاجة إلى مراجعة تقييماً وتقويماً.

فبوجود الحدود الفاصلة بين أقطار الأمة لا يكون للأمة وجود خارج نطاق الذهن والحلم والأفراد المتميزين، فيكون وجودها معنوياً اعتبارياً لا حقيقياً مؤثراً. وبغياب وجود الأمة الحقيقي المؤثر، لا يمكن أن يكون لها قضية حقيقية حاضرة؛ فالمعلق بالغائب غائب حتى يحضر. إنما لكل قطر قضيته المركزية: فالفلسطينيون لهم قضيتهم، والعراقيون لهم قضيتهم، كذلك الأمر في الشيشان وأفغانستان وسوريا ومصر وليبيا والأحواز والسودان. والمطلوب أن نتفاعل فيما بيننا شعوراً يصنعه الدم ويفرضه الدين، ونتعاون فيما بيننا حسب حسب الموقف المتبادل ثم القدرة الممكنة. ولا قضية تعلو على أُخرى بالنسبة لأهلها. فمن أعطى للآخرين أخذ منهم، ومن أراد الاعتياش والمتاجرة، فمرة يبكي على بابي، وثانية يستجدي على أعتاب عدوي، فلا ينبغي أن يكون له وجود بين أصحاب القضية.

أما القضية المركزية للأمة كلها فلا وجود لها قبل توحيد الأمة وإزالة الحدود الفاصلة بين أقطارها. فإن كان للأمة وجود، وكان أبناء الأمة جادين فيما يقولون فليعملوا على تحقيق أولاً.. وعندها ستولد القضية المركزية للأمة من تلقاء نفسها.

nq21إن أي قطر لا يصلح لأن يكون مركز شد لباقي أقطار الأمة المفرقة. وتوهم ذلك مخالف لسنة الله تعالى في كونه وخلقه. فالكتلة الجاذبة لا بد أن تكون أكبر من مجموع الكتل المجذوبة. فإذا أردت لكتلة أصغر أن تجذب المجموع الأكبر فقد فعلت عبثاً، وكانت النتيجة بعثرة الجميع وتفريقه وشرذمته. فكيف يراد لدويلة صغيرة مثل فلسطين، وقضية صغيرة مثلها، أن تكون مركز الشد وتقوم بهذا العبء الجبار؟! كيف لفلسطين أن تكون قضية مركزية لشعب الشيشان أو تنزانيا أو أندونيسيا؟!

nq22ومن سخريات هذه القضية المركزية أن فلسطين نفسها قد انقسمت على نفسها قسمين: كل قسم تابع لقوة طامعة وعدوة للعرب والمسلمين. فرام الله تابعة لأمريكا، وغزة تابعة لإيران!

لا بد أن تكون القضية المركزية قضية تمس حاجة الجميع، ومن الكبر بحيث تكون قادرة على تدويرهم في فلكها.

إن القضية السنية هي القضية المركزية الجامعة.. إنها بمثابة (العصبية) – حسب تعبير ابن خلدون - التي تمثل مرتكز قوة الأمة، ومحور جذبهم ونواة اجتماعهم. فالسنة هم الأمة، والتحدي الشيعي والإيراني صار يفرض نفسه على واقع الأمة، ويتجاوز حدوده الإقليمية القريبة إلى مديات عالمية. ولقد أخذ الفكر السني يفرض نفسه على أشد المعارضين له في الساحة. وهذا يدل على أمرين: قوته وواقعيته، ثم شعور الجميع بالحاجة إليه، وخواء بقية الأفكار وعجزها عن مواكبة الواقع.

nq23إن العرب هم قطب الأمة الإسلامية.. وثلاثة أرباع العرب من حيث الثقل الديني والفكري والسياسي والاجتماعي في المشرق (الجزيرة، والعراق، والشام). وربعها الآخر في المغرب (مصر). ولا يقوى المغرب على مواجهة الخطر الغربي دون المشرق العربي. ولن تتحرر فلسطين قبل تحرر المشرق العربي. ولن يتحرر المشرق إلا بالفكر السني والقضية السنية.

الفكر السني، والمشروع السني هو الفكر والمشروع الجامع. وما عداه فمفرق مشرذم، والواقع شاهد على أن الفكر القومي والإسلامي والليبرالي غير صالح لتوحيد الأمة.

المعادلة الأمنية لدول المشرق العربي

nq24آن للخريطة العربية أن تنفلق عن مصطلح (المشرق العربي) وتحدد دوله بـ(العراق ودول الخليج واليمن والشام). وما بقي فتصنف ضمن (المغرب العربي). وأنهما عالمان، وإن ارتبطا بوشائج لا يستهان بها، مختلفان من نواح جوهرية يجب إدراكها وبناء العلاقات على أساسها. ومن ذلك اختلاف العالمين في أولويات التحدي الأمني. فالتحدي الأمني القومي لدول المشرق العربي شرقي بالدرجة الأولى، وتحدي الثاني غربي. على أنهما في النهاية يشتركان في تحمل التحديين كل بحسبه.

ويبقى فرق آخر كبير هو أن الأمن المغربي يعتمد على متانة الأمن المشرقي وسلامة دول المشرق أكثر من اعتماد الآخر عليه، رغم أن الثقافة المغربية طغت فوجهت ثقافة الأمة المشرقية وجهة أضرت، ليس بها فقط إنما، بالأمتين معاً.

طغيان الثقافة المغربية .. والمشرق العربي يدفع الثمن غالياً

الثقافة المغربية تعطي الأولوية للتحدي الغربي (أمريكا وأوربا) ومعه إسرائيل. وقد ضخمت من هذا الخطر، وكان لثقل مصر السكاني والفكري والإعلامي، ووجود المطابع منذ عهد نابليون نهاية القرن الثامن عشر.. دوره البالغ في هذا التضخيم. في الوقت نفسه ساهمت تلك الثقافة في التهوين من خطر التحدي الشرقي (الشيعة وإيران) حد اعتباره صديقاً، وفي بعض الأحيان أحد مكونات نسيج الأمة العربية (الشيعة) أو الإسلامية (إيران). وكان لـ(الإخوان المسلمين) وتفرعاتها منذ تأسيس الجماعة الأم في علاقتهم بإيران والشيعة وإنشاءهم (دار التقريب) في القاهرة، دورهم الكبير والخطير في ذلك. يقابلهم في الطرف الآخر السلفيون في تناقضهم الطبيعي مع الشيعة. لكن الفكر السلفي اقتصر - في الغالب في ميدان المواجهة - على العقيدة والفقه، دون الجوانب الأخرى: الاجتماعية والنفسية والتاريخية والسياسية والأمنية. ومع هوان الدين على شعوب المنطقة - بما تخللها من فكر علماني وليبرالي وركون إلى الدنيا - بدا الخطر العقائدي والفقهي على عظمته، الذي يركز عليه الفكر السلفي، أمراً هيناً، بحيث بات السلفيون متشددين في نظر عامة الجمهور.

دخول فلسطين على الخط، ثم رفع إيران الخميني هذه اللافتة، ودخول التومان الإيراني ميدان المنافسة، ورومانسيات الفكر القومي وحماسياته الحالمة.. كل هذا وغيره كان له دوره في إضعاف الثقافة المشرقية وانحراف معادلتها الأمنية في غير صالح دولها.

منطق الجغرافيا والجيوسياسيا

nq25نظرة واحدة إلى جغرافية المشرق العربي، ثم نظرة أُخرى إلى خريطة العراق (البوابة الشرقية للأمة) تكشفان للناظر كل شيء، ونظرة واحدة إلى سياسة المشرق العربي الأمنية تكشف الخلل الكبير في كل شيء!

تابع معي الخريطة من جنوب "بحر العرب" و"مضيق هرمز" والضفاف الشرقية لـ"الخليج العربي" (أو الغربية للأحواز)، مروراً بـ"شط العرب" والبصرة وصولاً إلى شمال العراق.

ماذا ترى؟

حوالي خمسة آلاف كيل من المسافات – أخذاً بالاعتبار تعرجات الأرض على طول السواحل - مكشوفة لإيران، العدو التقليدي الخطير للعرب. ثم ارجع البصر وركز في الخريطة أكثر لترى الإباضية في عمان والحوثية وأشباههم في اليمن، والشيعة في شرقية السعودية، وعبر الضفة الشرقية للخليج (في الأحواز) إلى خانقين شمالي العراق، ثم السليمانية في أقصى شماله تقريباً من الشرق الخاضعة لحزب الاتحاد الموالي لإيران. ثم توغّل الشيعة في مدن العراق وانتشارهم فيها، محاولين من هذا كله تشكيل (هلالهم) باتجاه سوريا ولبنان.. إذا فعلت ذلك ماذا سترى أيضاً؟!

ديالى

بعد ذلك انظر في خريطة العراق نظرة أُخرى مستقلة بعض الشيء عن الخريطة الكبرى لدول المشرق. وركز النظر على ديالى والسهم الأحمر الذي يخترقها من أعلاها من خانقين التي ينتشر فيها الشيعة، نحو سوريا. والسهم الأحمر الآخر الذي يخترقها من أدناها باتجاه بغداد، تجد ما يلي:

  • * تمثل ديالى أقرب الطرق المؤدية إلى العاصمة بغداد من جهة إيران، وذلك عبر منفذي مندلي شمالاً وبدرة (التابعة لمحافظة واسط) جنوباً. إذ ليس بين إيران والعاصمة العراقية أكثر من 60 كم عن طريق ديالى!
  • * وتمثل ديالى أقصر طريق بري من إيران إلى سوريا؛ لهذا يستعمله وزير النقل هادي العامري في نقل الأسلحة وعناصر الحرس الإيراني إلى سوريا عبر العراق. لا سيما وأن مرور إيران إلى سوريا عبر المحافظات الشيعية في الجنوب يصطدم بعقبة الأنبار، التي تساوي مساحتها مساحة الأردن مرة ونصفاً. وهي nq26عقبة حقيقية يصعب تجاوزها، خصوصاً وأنها محافظة سنية بحتة، وليست كمحافظة صلاح الدين التي فيها تجمعات شيعية في بلد والدجيل والدوز يمكن أن تحمي الطريق المختصر من ديالى إلى سوريا. فكيف لو تحولت الأنبار إلى إقليم؟! وهذا أحد أسباب سعي إيران لمنع تكون الأقاليم في العراق.
  • * سيطرة إيران على ديالى يهدد بغداد ودمشق سياسياً وعسكرياً وديمغرافياً!
  • * بالسيطرة على ديالى يكتمل ظهور (الهلال الشيعي)، لمحاصرة الأردن ولبنان ودول الخليج والمنطقة ككل. لا سيما والمؤامرة الإيرانية الشيعية جارية على قدم وساق في اليمن وتتمدد في الكويت والسعودية وغيرها من دول الخليج لإحكام الطوق وتحقيق الحلم الفارسي باحتلال مكة واستعادة الإمبراطورية الفارسية([1]).

النخيب

هناك خاصرة رخوة أخرى لأمن المشرق العربي، تتمثل في قضاء (النخيب) جنوبي الأنبار. الذي تسعى إيران ودولة الشيعة في العراق حثيثاً إلى فصله عن الأنبار وإلحاقه بكربلاء. وهذا يوصل المحافظات الشيعية بالأردن، ويحقق للعدو الشرقي هدفين خطيرين:

1nq27. وصول إيران إلى حدود الأردن، وتطويق الشام من أعلاها وأسفلها.
2. وصول إيران إلى الحدود السعودية من شمالها، وعزل سنة العراق وسنة السعودية عن بعضهما. وبالنظر إلى شيعة اليمن من الجنوب يكتمل تطويق السعودية من شمالها وجنوبها وشرقيها. ولا يبقى لها سوى البحر الأحمر من جهة الغرب. هذا وإيران وإسرائيل مع أريتريا شغالة عليه.

 

المحمودية والمدائن

تمثل المحمودية والمدائن (25 كيل جنوبي بغداد)، اللتان يفصل بينهما نهر دجلة، خاصرتين خطيرتين جداً في معادلة الأمن المشرقي.

تنفتح بغداد من جهاتها الثلاث: الشرقية والشمالية والغربية على محيط سني، تتخلل بعضه جزر شيعية هي عبارة عن أقليات في وسط ذلك المحيط. أما جهتها الجنوبية فتنفتح على المحيط الشيعي متمثلاً بالمحافظات الجنوبية ذات الأغلبية الشيعية. وهذا الانفتاح يمر عبر بوابتين هما: قضاء المحمودية الواقع في الجانب الغربي لنهر دجلة. وقضاء المدائن الواقع في الجانب الشرقي لنهر دجلة الذي يفصل بينها وبين قضاء المحمودية.

nq28لهذا السبب ركز الشيعة من بداية الاحتلال على هاتين المدينتين؛ لأنهما تمثلان القصبة الهوائية لشيعة بغداد باتجاه رئة الجنوب. ومعبر شيعة الجنوب إلى العاصمة بغداد. وإذا كان المخطط الإيراني، الذي ينفذ بأيد شيعية عراقية وغير عراقية، يهدف إلى الاستيلاء على بغداد وجعلها مدينة شيعية خالصة، أو ذات أغلبية شيعية ساحقة، فإن هذا الهدف لن يتم ما لم يكسر الطوق الأمني المحيط ببغداد، خصوصاً جزأه الجنوبي؛ من أجل التواصل مع التكتل الشيعي في الجنوب. وإلا فإن استمرار هذا الطوق القوي على حالته السُنّية يعني أحد أمرين: إما أن يَترك الشيعة بغداد ويذهبوا إلى الجنوب. وهذا يعني نهاية حلمهم في تشييع العراق، ومن ثم الانطلاق إلى دول الجوار. أو أن يكون وجودهم الشيعي داخل بغداد محصوراً من كل الجهات، وكما قال أحد نوابهم: "سيكون شيعة بغداد رهينة بيد الإرهابيين" (يعني السُنّة)؛ ولذلك تحملت هاتان المدينتان في عهد الاحتلال الأمريكي الثقل الأكبر في برنامج الإبادة الجماعية المنظمة، والتغيير الديموغرافي الممنهج([2]).

واقع المعادلة الأمنية لدول المشرق العربي

1. تركزت أنظار شعوب المشرق العربي نحو الخطر الإسرائيلي والخطر الصليبي مولية ظهورها للعدو الأكبر (الشيعة وإيران) وهي تصوب نظرها نحو الغرب قبل أن تلتقي في بؤرة هي فلسطين وتتركز فيها كلياً حتى لا تكاد تغادرها قبل أن ترتفع كليلة نحو الأفق البعيد في أوربا وأمريكا! وقد استهلكت قضية فلسطين دماءً غزيرة وأموالاً طائلة للعرب، وفي مقدمتهم عرب المشرق. عدا إعلامه، وسياسته، وعسكره، وأمنه. وشغلته كثيراً عن بقية قضاياه. فكانت النتيجة أن اجتاحت إيران ومعها جموع الشيعة الأحواز والعراق وسوريا ولبنان واليمن ووصلت شواطئ البحر الأبيض، وفلسطين ما زالت على حالها.

هذا مع ملاحظة أن كيان إسرائيل يبحث عمن يحميه، ويبني حوله الجدران العازلة. ولو ترك وشأنه لما استطاع التقدم كيلاً واحداً خارج جدرانه لعجزه بشرياً واقتصادياً عن الانسياح في الأرض ليحتل بقية العواصم العربية. إن مقولة (أرضك يا إسرائيل من الفرات إلى النيل) ليست أكثر من أسطورة غير قابلة للتحقيق. جرى تضخيمها من قبل أطراف عديدة لصرف وجلب أنظار الجماهير، كل حسب مصلحته وشاكلته. وقد استفاد تجار الحروب والسياسة من الفلسطينيين وغيرهم منها أعظم استفادة. مستغلين ببشاعة منقطعة النظير طيبة الجماهير وحماسها وتدينها وهي تبذل أموالها ودماءها رغبة في الثواب.

2. في كل اجتماع لجامعة الدول العربية يتصدر بيانها الختامي عبارة "فلسطين هي القضية المركزية للأمة العربية"، تحولت إلى ثقافة امتدت فشملت الأمة الإسلامية فكانت في العقل الجمعي لتلك الثقافة قضيتها المركزية أيضاً. ومع أن هذه العبارة فارغة المضمون، باطلة المعنى. فالأمة العربية أو الإسلامية مفهوم ذهني ليس له كيان سياسي واحد حتى تكون له قضية مركزية واحدة، إنما هي كيانات ولكل كيان قضيته المركزية، بحكم حدوده السياسية. لا يمكن في الواقع أن تقنع السني العراقي – مثلاً – بأن استرجاع فلسطين أولى بالنسبة إليه من استرجاع بغداد وديالى وبيجي وتكريت والمحمودي والفلوجة من يد الشيعة وإيران: لا من الناحية الشرعية؛ فرب العالمين لم يكلفني أن أترك بلدي تحتل أرضه وتستحل عرضه وتستبيح دينه وتنهب ماله عصابات الشيعة لأتوجه أولاً إلى فلسطين، ولا العقل يلزمني بذلك. فكيف يمكن أن تكون فلسطين قضية أولى للشيشاني المحتل من قبل روسيا منذ ثلاثمئة سنة والفلسطينيون يضعون يدهم بيد روسيا؟ أو الإندونيسي الغارق في الدنيا ومكاسب السفر والسياحة؟ هذا مع شكي بـ(نظافة) هذه العبارة، وتساؤلي عن سر سكوت أمريكا والغرب وإسرائيل عنها!

النتائج

أخيراً أقول: يبدو أن بعض العرب يتبعون سيرة ذلك الشيخ الذي كان عنده شاعر ينشده قصيدة، فلاحظ الشاعر أن عباءة الشيخ سقط ذيلها في كانون النار القريب منه، فقطع الشاعر إنشاده مخاطباً الشيخ: "عباتك مست النار"! فأجابه الشيخ وهو ما زال تحت تأثير القصيد: "صح لسانك"! فكرر الشاعر: "عباتك مست النار"! فكرر الشيخ جوابه: "صح لسانك"! وهنا وصل اللهب إلى حجر الشيخ فصرخ الشاعر: "النار وصلت شليلك يشيخ"!

هنا فقط تنبه الشيخ. لكن بعد فوات الأوان!


[1]- هذا هو سر البلاء الذي ينهمر على رؤوس أهل ديالى؛ فإيران عملت على تشييع المدن المتاخمة لها فصارت قناطر للعبور إلى العراق إلا ديالى؛ فلا بد من دعس هذه الشوكة السنية وإعادة تشكيلها شيعياً تحضيراً لهضمها في المعدة الإيرانية من أقرب نقطة. وعلى هذا الأساس فإيران جادة في البحث عن وسائل معينة تسيطر بها على هذه المحافظة. لهذا جن جنونها يوم أعلن مجلس محافظة ديالى ذهابه إلى خيار (الإقليم)؛ لأن هذا يجعل المحافظة خارج مرمى المؤامرة. وبهذا يتبين أن رافضي الإقليم شركاء لإيران والشيعة في هذه المؤامرة الخطيرة، وعليهم أن يتحملوا مستقبلاً مسؤولية تواطئهم وحمقهم!

[2]- يمكن مراجعة كتابي (جرائم الإبادة الجماعية المنظمة لأهل السنة في العراق من 2005 - 2008، قضاء المحمودية نموذجاً. وكتابي (غربان الخراب في وادي الرافدين) الباب السابع: جرائم التهجير. الفصل الأول: مدينة المدائن مثالاً.

Add a comment

muqadamao

بسم الله نبدأ.. وعلى بركته نسير.. ولقاه نرجو (وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ)([1]). يحدونا صوت البشير النذير، فنحن على آثاره ماضون، ولنصرته مشمرون، فالميدان رحب، والطريق لاحب؛ والصراط مستقيم، والسعيد من رزق البصيرة والثبات على الحق حتى يأتيه اليقين. ويا رب صل وسلم وبارك على نبينا وقائدنا وهادينا ورائدنا محمد، وعلى آله.. أصحابه وأتباعه أجمعين.
وبعد..
فما أصدق هذه العبارة وأجملَها..

"من لم يكن له مشروع كان ضحية لمشاريع الآخرين"..!

يا لها من حكمة عظيمة! طرقت سمعي قبل بضع سنين. وما فتئت تراودني كلما تأملت حوادث التاريخ، وتقلبت بين صفحات الدعوات، واستنطقت سيَر روادها الناجحين. وما سألت نفسي عن سر التضحيات الجبارة التي بذلتها حركات التحرر والجهاد في القرن المنصرم، ثم احتضن حصيدها الأغيار، وجنى ثمارها سوى الأخيار: إلا وتبادرت إلى ذاكرتي، ورنت بإيقاعها المعهود..

"من لم يكن له مشروع كان ضحية لمشاريع الآخرين"..!

ولم يكن التاريخ هو الشاهد الوحيد، بل الجغرافية والواقع الأليم كان الشاهد الثاني؛ وسحب الزمن علينا - نحن سنة العراق - سلسلته الثقيلة، فكانت (المقاومة العراقية) العظيمة آخر حلقة في سلسلة التضحيات المهدورة؛ لقد بذل فيها أعظم الأثمان، وحققت أعظم الإنجازات فأخرجت المحتل وأحلافه من العراق وعلى رأسه دولتان عظميان هما أمريكا وبريطانيا، لكنها فشلت في أن تمسك الأرض فسلمتها لغيرها، ولم يكن أمامها سوى هذا الخيار. بل عجزت عن أن تحمي نفسها وأفرادها فهم اليوم بين معتقل ومستخْفٍ وشريد!
وتسأل: لماذا؟ وأجيبك: لأنها سارت في الطريق نفسه التي سلكتها أخواتها من قبل، فدخلت المعمعان وخاضت الحرب العوان بلا مشروع ناضج. ولم تكن المقاومة وحدها التي تعمل بلا مشروع، فالعمل السياسي كان بلا مشروع. ومثله العمل الديني والدعوي، والعمل الخيري والإغاثي، وبقية الأعمال والأنشطة الخيرة؛ كلها مبتورة عن نهاياتها، قاصرة عن كمالاتها، فكأنها حبات من الخرز بلا سلك ينظمها، أو حلقات تناثرت بعد أن انقطعت سلسلتها. المصير نفسه كان نهاية ثورات (الربيع العربي). والشيء عينه يجري في سوريا، ومرشح لنهاية مشابهة.
نتائج بائسة لا تتناسب وما يقدمه الأشراف لها من جهد وتضحيات، وكان هناك من يضحي، وآخر يستفيد. بل أصبح من المعتاد أن يكون المضحي هو الضحية! وكنا كالذي يغرس وغيره يجني؛ ولا غرو فإن من يحضر إلى الحصاد ويده خالية من السلة يكون الحصيد من حصة غيره. وتفتش عن الخلل فتقع على أن السلة تنسج دوماً خارج مصنع (المشروع). المشروع إذن هو سبيل الخلاص من هذه المآزق المتكررة. حقاً..

 "من لم يكن له مشروع كان ضحية لمشاريع الآخرين"..!

وهل يعقل أن المجاهدين لم يكن لديهم من مشروع؟ ونقول: توجد مشاريع لكنها ناقصة، وأهم ما ينقصها وجود سيد المشاريع كلها ألا وهو المشروع المدني؛ فالجميع يعمل ولكن إما في مشروع عسكري أو مشروع سياسي. ويفوتهم أن أساس النجاح هو المشروع المدني قبل المبادرة إلى أي مشروع آخر. المشاريع كلها ينبغي أن تنطلق من هذا المشروع، وإلا كانت النهاية كالذي يبني على غير أساس. وهذا هو الذي بدأ به النبي صلى الله عليه وسلم عمله لتحقيق هدفه العالمي، فكان النجاح حليفه في آخر المشوار.

الأوهام القاتلة
    • يتوهم معظم الناس أن المشروع يعني الجهاد بمفهومه العسكري، وهذا هو النفق الذي ابتلعَنا وما زال يبتلعنا منذ زمن بعيد. وهذا الوهم وإن كان أساسه الإيمان بهذه الفريضة العظيمة، ومبناه على أن أمة الإسلام أمة جهاد، لكن يفوت اصحابه أن الجهاد في الإسلام بمعناه العسكري لم يفرض إلا بعد خمسة عشر عاماً من الجهاد والإعداد السلمي المدني. كما يفوتهم أن جهاد الأمة طيلة تاريخها كان ينطلق من جسم دولة لا وجود لها اليوم البتة. وهذه الدولة هي بمثابة المشروع المدني الحاضن للجهد العسكري.
    • ويتوهم آخرون أن العمل السياسي هو االمشروع المطلوب. ونقول فيه ما قلناه آنفاً، فالعمل السياسي في الإسلام – كما سيأتي بيانه لاحقاً - جاء متأخراً في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم. وكلا الجهدين (العسكري والسياسي) لا يشكلان مشروعاً حقيقياً. وإنما هما عبارة عن مشاريع فرعية ساندة ومكملة للمشروع المركزي الكبير، وهو المشروع المدني، ولا يمكن بحال أن يكون أحدهما أو كلاهما بديلاً عنه. (المشروع المدني) بمثابة الجسم القائم، والصدر الحاضن، والقلب النابض، والرأس المفكر. أما العسكرية والسياسة بالنسبة إليه بمنزلة الجناحين. ولا جناح يخفق بلا جسم يقوم به وصدر يحضن وقلب ينبض ورأس يفكر ويوجه ويقود.
    • ويتوهم الكثير من المهتمين بالجهد العسكري وحده، أو السياسي وحده، أنهم ينطلقون من فكر وخطة وإعداد ومنظومة، أليست هذه هي مكونات المشروع المطلوب؟ ويفوتهم أنه ما من مشروع، حتى لو كان إنشاء متجر في سوق، إلا وفيه كل ذلك، لكنه يبقى في حدود التجارة. فالمشروع العسكري وإن تضمن الفكرة والخطة وباقي متطلبات النجاح، لكنه يبقى في نهاية المطاف جهداً عسكرياً يفتقر إلى شمولية المشروع المطلوب. وكذلك الأمر بالنسبة للمشروع السياسي. كما يفوتهم أن الأصل مشروع شمولي تكون القوة أو العمل العسكري سياجاً لحمايته، ويكون العمل السياسي وسيلة للتعبير عنه. ومن دون هذا المشروع الشمولي، الذي نطلق عليه اسم (المشروع المدني) يكون السياح الحامي مبنياً حول فراغ، ووسيلة التعبير تعبّر عن لا شيء.
    • أما تسميتنا للمشروع بـ(المدني) فجاءت تمييزاً له عن (العسكري) وكذلك (السياسي) تبعاً، الذي توهمته كل حركات الجهاد والتحرر أنه الأساس بسبب ذلك القياس الفارق الذي أشرنا إليه آنفاً. وليس كما يتوهمه البعض من أن المقصود به (المدني مقابل الديني)؛ فهذا – والعياذ بالله - باطل ننبذه، وتردٍّ نترفع عنه.

الفكرة والمنهج والبرنامج
إن الفكرة النابعة من المعاناة التي يشهدها الواقع، ومايترتب عليها من منهج علمي وبرنامج عملي هي أساس وعماد كل مشروع. وليست الفكرة شيئاً جامداً، بل يجب أن تتغير ويطرأ عليها التعديل باستمرار، مع الحفاظ على جوهرها، تكيفاً مع الواقع المتغير واستجابة لتحدياته المتغيرة.
يفترض في الناظر إلى الواقع منذ قرن مضى، أن يلحظ أن التحدي الذي واجهته الأمة، متفرقة وما زالت كذلك، قد تغير من غزو خارجي غربي سافر الهوية، إلى غزو داخلي شرقي ملتبس الهوية. وقد اجتمع علينا العدُوّان معاً عن سابق قصد وتآمر منظم، يستعمل أحدهما الآخر لخدمة أغراضه وتحقيق أهدافه. فلا بد من تعديل أو تغيير الفكرة القديمة، ووضع منهج متكامل بناءً على الفكرة المعدلة يلبي هذا التغير، ويتكيف معه. لكن هذا المنهج بصورته المتكاملة، فضلاً عن البرنامج الذي ينطلق منه وينبني عليه، ما زال غائباً مفقوداً، إلا من أفكار مشتتة مبتورة لا يجمع بينها جامع، ولا من أحد يسد ثغراتها ويكمل نقصها.
المشروع المدني هو الحلْقة المفقودة في سلسلة الجهود، واللبنة التي ظل يفتقدها بنيانها الكبير. وأول المشروع الفكرة والمنهج الموضوع.
هكذا وضعَنا هذا الوعي العميق بحقيقة التحدي وطبيعة الاستجابة المطلوبة أمام المسؤولية الدينية والتاريخية، فقمنا بوضع هذا المشروع بقسميه: النظري، وهو "المنهج")، والعملي، وهو "البرنامج".
جاء (المنهج) في اثنتي عشرة فقرة أساسية، قابلة للتعديل والتكميل، هي:

1- المشروع المدني

2- التعريف بالمؤسسة

3- ركائز التحصين

4- فقه الهوية

5- التجديد والإبداع

6- الإيمان والتنمية الإيمانية

7- المرأة في مشروعنا

8- نظرات في القيادة

9- نظرات في السياسة

10- نظرات في المال والسياسة المالية

11- علوم أساسية في منهاجنا التغييري (النفس والاجتماع والتاريخ)

12- موقفنا من العروبة

أما (البرنامج) ففيه بيان لكيفية تحويل (المنهج) إلى خطة عمل تنفذ في الميدان. وقد وكلت وضعه إلى مختص في علم الإدارة والتنمية البشرية.

وقد عرضنا هذا (المشروع) بقسميه (المنهج والبرنامج) على عشرات المهتمين والعاملين على إنقاذ الأمة، والأساتذة والمتخصصين فنال إعجابهم وموافقتهم، وتقبل إضافاتهم ونقدهم فخرج على هذه الصورة المُرْضية، التي لا نرى أنها كاملة، ولن تكون كذلك؛ فنحن نؤمن أن سر نجاح كل فكرة يكمن في أن تبقى منفتحة النهايات؛ كي تظل قابلة للإضافة والحذف والتطوير.
وهذا معنى تقييدنا المنهج بوصف (الأمثل) فهو (الأمثل) مقارنة بغيره، وليس (المثالي) أو الأفضل مطلقاً. وهذه النظرة هي التي تحافظ على مرونته وبقائه منفتحاً على النقد البناء، وتحفظ له مرونته، وتزوده بقابلية التطور على الدوام. وهذه خصيصةمهمة جداً من خصائصه، من دونها يفقد المنهج حيويته وقدرته على التغيير والاستمرار.
أطلقنا على (المشروع) اسم (الطريق إلى بغداد) استنباطاً من الهدف الكبير للمشروع، واستبشاراً وتفاؤلاً بتحقيق هذا الهدف العظيم، الذي يمثل إنجازه العلامة البارزة على نجاحه بإذن الله، وبداية (الطريق إلى قم)، الذي هو النصف المتمم للطريق؛ فنحن لسنا طارئين على منطق الجغرافيا، ولا متطفلين على حركة التاريخ، والصراع الأبدي بين هضبة فارس ووادي الرافدين.

الأربعاء
17/8/1434
26/6/2013

[1]- (العنكبوت:6).

Add a comment

استراتيجية الحل الجذري

للمشكلة التاريخية مع الشيعة وإيران

 

العراق مطبخ التشيع..

فلا غرابة في أن يكون ما ينتجه هذا المطبخ أنضج من ناتج غيره من المطابخ. ولا عجب في أن تكون قد سلفت من هذه الجهة رؤية استباقية لكثير من الأمور المفصلية كان الناس ينكرونها ثم أثبتت الأيام معروفها. عسى أن يكون ذلك شفيعاً لأن ينظر أهل السنة إلى الحل الذي نقدمه هنا بصورة أكثر اهتماماً وجدية.

 

مشكلة الطائفية واتجاهات الحل

لا يبدأ الطبيب بتوصيف العلاج (الحل) قبل دراسة الحالة المرضية (المشكلة). دراسة المشكلة تتقدم التفكير بحلها. وهذا مما اتفق عليه العقلاء حتى إن ثقافتنا الشعبية تنتقد من (يحضر العطبة "الضماد" قبل الفشخة "الجرح"). ويعبر آينشتاين عن هذا تعبيراً واضحاً دقيقاً فيقول: (إذا كان لدى ساعة لحل مشكلة سأقضى خمساً وخمسين دقيقة للتفكير فى المشكلة وخمس دقائق للتفكير فى حلها).

هل درس أصحاب الفكر الوطني من القوميين والاسلاميين والليبراليين المشكلة من طرفيها: الشيعي والسني؟ أم بادروا فوضعوا الحل قبل ذلك؟ هل درسوا الحالة قبل توصيف العلاج؟ أم وصفوا العلاج بناء على أعراض سطحية كالمضمد؟

الصراع الديني - أو الطائفية كما يسميه البعض - هو المشكلة التي على محورها تدور رحى الحرب بين السنة والشيعة. وإذا كان هذا حقاً، فهل الحل يكون بالاتجاه أولاً إلى علاج الطائفية، أي العمل على إزالتها من بين الطرفين المحتربين قبل إزالة أسبابها؟ يرى هذا الرأي اليوم جمهور المنتسبين إلى السنة. وهي رؤية سطحية لا تغوص في عمق المشكلة.

إن الفكر السني له رؤية تقوم على التسلسل العلمي في حل المشكلة: بدراستها أولاً. ثم بوضع الحل لها بعد ذلك.

 

مشكلة الشيعة

التشيع مفهوم له معنيان متشابكان حد الامتزاج والذوبان التام، هما:

1. دين الشيعة: ويقوم على العقيدة الشيعية.

2. الشخصية الشيعية: ويقوم على شبكة من العقد النفسية.

ولا يكمل مفهومنا وفهمنا للتشيع ما لم نستحضر هذين المعنيين. كما لا تتم معالجتنا للتشيع ما لم نتوجه بالعلاج إلى هذين المرضين كليهما، وفي وقت واحد.

إن الطائفية التي نحن بصددها:

1. نابعة من العقيدة كجزء لا يتجزأ من الدين.

2. ونابعة من العقدة، وجذورها تمتد عميقاً في نسيج الشخصية الشيعية بحيث تحولت إلى عقدة جمعية تحكم نظرة الشيعة إلى السنة وتوجه جميع تصرفاتهم نحوهم.

لهذا مهما أحسن السنة إلى الشيعة يظل الشيعة يتصرفون تجاه السنة طبقاً لدافع الطائفية؛ وذلك لسببين: الأول ديني عقائدي. والثاني: نفسي عقدوي.

أما الأول فإن من صميم عقيدة الشيعة، هذا الرابوع الخطير:

1. تكفير السنة 2. سفك دمائهم 3. إباحة أموالهم 4. استباحة أعراضهم.

وكل ذلك واجب في دين الشيعة وجوباً تواطأ عليه علماؤهم إجماعاً، وشاع لدى عوامهم فلا يجهله أحد منهم إطلاقاً، إلا النادر الذي لا حكم له.

وأما الثاني فإن الشيعة في كل بلد مهما أحسن إليهم السنة يظلون يشعرون بأن السنة ظالمون لهم شعوراً جارفاً تنفجر له عيونهم عند ذكر أول حروف (المظلومية) التي طبعت عليها نفوسهم وأشربت في قلوبهم. الظلم عند الشيعة فكرة ذهنية مجردة لا حركة فعلية مجسمة، والمظلومية عندهم شعور غائر في أعماق النفس لا رد فعل على تصرف صادر ضدهم من قبل الغير.

على هذه العقيدة وهذه العقدة انبنت طائفية الشيعة. العقيدة والعقدة هي العلة، والطائفية هي العرض الحتمي لهذه العلة. وسؤالي للأطباء: هل يمكن علاج العرض قبل زوال علته؟ وسؤالي لعلماء الدين والنفس والاجتماع: هل يمكن علاج هذه الطائفية قبل إزالة علتها المركبة: العقيدة الدينية والعقدة الجمعية؟

هل يمكن تحقيق هذه الإزالة؟ والسؤال الأهم: كيف؟ ومتى؟

هل أنت معي في أن علاج الطائفية الشيعية مع وجود العلة المانعة شيء بعيد المنال؟ إذن لا يصلح أن يكون ذلك هدفاً أولوياً نسعى إلى تحقيقه قبل اقتلاع جذوره. فالقول بأن الخلاص من الطائفية بعلاجها بناء على أنها هي المشكلة، قول سطحي لا يقوم على جهد من البحث والتحليل والاستنتاج العلمي. وهو قول من لا يدري ما يقول، ولا يتصوره.

تزداد السطحية جلاءً حين تكتشف أن العلاج الذي يقدمه هؤلاء مواعظ ونصائح، ثم أقوال يرشوهم بها شيعة لا يتجاوز أثرها تراقيهم طبقاً إلى لعبتهم المعتادة (تعدد أدوار ووحدة هدف). بعدها يطالبون أبناء السنة بالكف عن الطائفية المضادة فيغضوا الطرف ويخيطوا الفم عن ماكنة السحق الشيعية التي امتدت من بلوشستان حتى أقصى الشام، ودار هلالها بخنجره ليمسح اليمن والبحرين حتى أطراف نجد وأعماق الحجاز!

 

مشكلة السنة

إذا كانت مشكلة الشيعة في طائفيتهم، فمشكلة السنة في وطنيتهم.

ومشكلة العراق وأمثاله من الأقطار المبتلاة بالشيعة في التخادم القائم بين الطائفية الشيعية والوطنية السنية، وعدم وضع حل على هذا الأساس!

لم تكن مشكلة الشيعة في ظل الدولة الوطنية (1921-2003) في طائفية السنة. وليست هذه هي مشكلتنا - نحن السنة - بل مشكلتنا في وطنيتنا. لو كنا طائفيين ما سقط العراق بيد الشيعة في سنة 2003.

وطنية السنة هي التي سمحت للشيعة بالتمدد لينتشروا في العاصمة بغداد وفي الميناء البصرة حتى وصلت نسبتهم في الأولى إلى 35%، وفي الثانية قريباً من 65% في سنة 2003، بعد أن كانت لا تتجاوز 5% في كلتا المدينتين سنة 1921! وهذا مجرد مثال.

ووطنية السنة هي التي سمحت للشيعة بأن يتمددوا في كل دوائر الدولة بلا استثناء، منطلقة من نسب صفرية أو تقرب من الصفر عند بدء الدولة الوطنية سنة 1921 إلى نسب متفوقة بعد ذلك. ففي الجيش كانت نسبتهم 0% سنة 1921. لكن بعد ثمانين سنة وصلت النسبة في الدوائر العسكرية والمدنية والأمنية والحزبية في العراق إلى أكثر من 60%!

أما سبب ضعف هذه النسبة عند بدء تأسيس الدولة فعدم وجود كفاءات شيعية يمكنها شغل الوظائف المنوطة بها؛ لقد كان الشيعة يحرّمون الدراسة في الجامعات العثمانية: عسكرية ومدنية، فليس لهم من تحصيل دراسي سوى العلوم الدينية في حوزاتهم المعروفة. وهذه بعيدة جداً عن قيادة الحياة. وقد عمل الملك فيصل الأول بشتى السبل لردم هذه الهوة تجنباً لتذمر الشيعة واتهامهم الدولة بالانحياز الطائفي. وكان متعجلاً جداً.

يقول توفيق السويدي[1] في كتابه (وجوه عراقية): (ومن أسباب ضعف فيصل اعتقاده بصحة بعض الأقوال: أن الجعفريين مغموطو الحقوق. واذا فرض أنه موجود – الاعتقاد - فإنه لم يوفق لمعالجته بالطريق المعقول. إذ كان يريد الطفرة ليوصل العناصر الجعفرية إلى الحكم بدون اشتراط كفاءة. وقد كان عمله هذا مناقضا لمبادئه التي بشر بها في احترام القانون والعدل المتكافئ بين الرعية. وقد أقدم علـى تنفيذ نظريته فلم تزد من شأنه بل زادت في النقمة عليه)[2].

واتبع الملك فيصل لذلك طرقاً غاية في التخلف منها أن رجلاً شيعياً يعمل (روزخزوناً) في حسينية ببغداد اسمه (ملا شكر) منح صلاحية تزويد أي شاب شيعي بورقة تشهد له بأنه تخرج على يده لكي تعتمد كوثيقة تؤهله لدخول كلية الحقوق، ثم بعد التخرج يرسل في بعثة للتخصص[3]. بمثل هذه الأساليب المتخلفة تسلق الشيعة دوائر الدولة كما يتسلق النمل جثة عنكبوت جريح حتى قضوا عليها. ألم أقل لكم إن الظلم والمظلومية عند الشيعة فكرة ذهنية وشعور نفسي لا رصيد له من الواقع يستند إليه!

وتأمل كيف أن طائفية الشيعة في ظل الوطنية السنية الساذَجة بعد سنة 2003 هي التي أقصت أبناء السنة وسحقتهم حتى تحولت هذه دوائر الدولة إلى يد الشيعة بنسب تقرب من الكلية. وحولت بغداد والمدن المختلطة إلى مدن شبه شيعية. ولو كان الشيعة وطنيين كالسنة ما حصل هذا في بضع سنين. ولو كان السنة طائفيين كالشيعة لتمكنوا من فعل مثل هذا بالشيعة على أتم وجه بين سنتي 1921 و2003؛ فثمانية عقود ونيف تكفي وزيادة لذلك.

 

 

الحل

 

تجربة اليهود المصريين

اليهودية المصرية التي قاساها موسى (عليه السلام) لم ينفع معها التعليم والوعظ؛ لأن مجال هذا العلاج هو العقل. بينما اليهودي المصري يعاني من خلل شامل يجتاح أصل النسيج النفسي للشخصية الجمعية. ومجال النفس غير مجال العقل، وإن تداخلا فيما بينهما.

أرى أن مصطلح (شخصية العبد) هو العنوان المعبر بدقة عن تلك الشخصية اليهودية. وقد بلغ انحراف هذه الشخصية درجة من التعقيد بحيث لم يعد ينفع معها كل العلاجات المعتادة مع البشر! فكان العلاج الناجع شيئاً آخر غير مألوف في تاريخ الأنبياء عليهم السلام والمصلحين. ألا وهو التيه في الصحراء أربعين سنة. وفي الصحراء تحققت أربعة أمور هي العناصر الجوهرية المكونة للدواء:

1. عزل اليهود عن الآخرين لتطويق وباء الشخصية اليهودية (شخصية العبد).

2. إتاحة الفرصة للزمن أن يأخذ مجراه في قرض جيل العبيد.

3. إتاحة الفرصة أمام الأنبياء عليهم السلام لتعليم الشعب اليهودي وتربيته على مفاهيم الحرية بكل معانيها: الدينية والاجتماعية.

4. إتاحة الفرصة لعوامل البيئة (الصحراء الممتدة بلا حدود) لتأخذ دورها في تغيير (شخصية العبد) إلى شخصية أُخرى هي (شخصية الحر).  

هكذا تم تحرير اليهودي: عقيدة وعقدة. وليس عقيدة فقط.

استند العلاج إذن على مبدأين: التطويق والاختراق.

 

الاستفادة من تجربة اليهود المصريين في علاج الشيعة

إن تطويق الشيعة وعزلهم في إقليم، ثم المباشرة بتطبيق العلاج الرباني عليهم بشقيه: الديني والاجتماعي (النفس جمعي)؛ لتحريرهم من العقيدة والعقدة أولاً.. هو عنصر أساسي من عناصر العلاج والحل الجذري لمشكلة الطائفية الشيعية.

إن تحرير الشيعة يعني أمرين:

1. تحرير الشيعة من عقيدة التشيع.

2. تحرير الشيعة من عقد التشيع.

عملياً يتحقق الحل عبر مرحلتين:

1. المرحلة الأولى: التطويق: وهي مرحلة التعامل مع المشكلة تمهيداً لعلاجها واجتثاثها.

2. المرحلة الثانية: الاختراق: وهي مرحلة الدخول في آلية العلاج الفعلي.

 

1. مرحلة التطويق

الطائفية الشيعية أشد فتكاً بالسنة من الأمراض المعدية الخطيرة. والأطباء مجمعون على شيء اسمه (الحجر الصحي) حيال هذا النوع من الأمراض، وهو عزل المريض بها عن الأصحاء فلا يختلطون بهم إلا وفق إجراءات وقائية صارمة. وإذا كان المتثاقف الغربي أو الشرقي يتهمنا بالطائفية والتخلف فليحتفظ بأخلاقه لنفسه، وليسأل هذه النفس أولاً: لماذا لم يجدوا حلاً لليهود إلا بعزلهم في حارات وأحياء عرفت بـ(الجيتو)، محاطة بأسوار وأسيجة عالية لتعزيز العزل؟ وقد كان ذلك بأمر من البابا بولس الرابع في منتصف القرن السادس عشر (تحديداً سنة 1555م). ثم لم يتحملوهم حتى أجلوهم إلى فلسطين بدايات القرن العشرين!

والشيعة أخطر وأكثر من اليهود أضعافاً مضاعفة.

يكون الحل في الوقت الراهن بالتعامل مع الطائفية الشيعية، وذلك بتطويقها ودفع ضررها. وهذا لا يتم إلا بالعزل بأي صورة من الصور.

يتم تطويق الطائفية الشيعية وعزلها عبر خطوتين:

1. عزل الشيعة عن الحكم

2. عزل الشيعة عن السنة:

أ. بإقليم في حال التمكين

ب. أو بالتقسيم في حال الضعف. استعداداً للتمكين والتقدم نحو نظام الأقاليم.

 

2. مرحلة الاختراق

وتتم مرحلة اختراق المشكلة الشيعية عبر خطوتين أيضاً:

1. تحرير الشيعة من التشيع: عقيدة وعقدة

2. تفكيك إيران

بهذا نصل إلى الحل الجذري الذي يضمن لنا عدم ظهورها مرة أخرى.

 

ملخص الحل

1. عزل الشيعة عن الحكم: لا يمكن البدء بأي حل مع الشيعة إلا في بلد يحكمه السنة. فإن كان البلد محكوماً بالشيعة فتكون البداية من العمل على إخراج السلطة من يد الشيعة وإرجاعها إلى صاحبها الشرعي. وإلى أن يتم استرجاع الحق فلا علاج للطائفية الشيعية إلا بالطائفية المضادة، والله تعالى يقول: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) (البقرة:194).

2. الفدرالية، أو عزل الشيعة عن السنة: العزل الشيعي المنشود يمكن أن يتم اليوم بطريقة حضارية، وهي تحديد إقامتهم في فدراليات أو أقاليم خاصة بهم. والأقلمة نظام سياسي معمول به فيما يقرب من نصف العالم، مثل أمريكا وكندا وبريطانيا وأستراليا وبلجيكا والهند والإمارات. ولكل بلد فدراليته الخاصة به. فتكون لنا فدراليات تناسب وضعنا.

وإلى المعارضين ممن يطمح إلى تكوين دولة وطنية أو قومية أو إسلامية نقول: الفدرالية لا تعني تقسيم الوطن إنما تقاسم الحقوق. وهذه الدول وأمثالها شاهد على قصور نظرة الرافضين للفدرالية، وعدم معرفتهم بماهيتها، وإعراضهم عن رؤية حقيقتها الواقعية. من أراد أن يقيم دولة على أي مقاس: وطني أو قومي أو إسلامي، فالفدرالية لا تتعارض معها، بل تدعمها وتحفظها.

3. تحرير الشيعة: الدول المبتلاة بالشيعة قسمان: قسم واقع تحت نير الحكم الشيعي كالعراق وسوريا ولبنان، وهذه عليها بالعمل أولاً على أن تخرج حكم البلد من يد الشيعة إلى يدها. وهذا الهدف قد يسبق إقامة الفدرالية أو يتأخر عنها حسب الفرصة المتاحة. فإن تم استرجاع الحكم، أو كان البلد من الأصل يحكمه السنة، فعلى أهله إنشاء إقليم فدرالي للشيعة بما يتناسب والهدف الاستراتيجي، وهو حل المشكلة الشيعية.

بعد ذلك يكون البدء بمشروع تحرير الشيعة. وفي رأيي أن هذا الهدف ممكن بنسبة جيدة إذا قامت على تنفيذه دولة سنية جادة، كما فعل صلاح الدين الأيوبي بمصر. ولدينا أفكار استراتيجية تفصيلية تخدم تحقيقه. هنا يصبح القول بـ(علاج الطائفية) ممكناً بدرجة تستحق الاهتمام والتجربة. ومن تبقى من الشيعة مصراً على شيعيته مع ادعائه الإسلام فيُلزم بمستحقات هذا الادعاء طبقاً لدعواه. وكيفية الإلزام فتترك إلى حينها.

4. تفكيك إيران إلى عدة دول. ووضع العوائق الحقيقية الأبدية في طريق التئامها مرة أُخرى.

أما أن يكون (علاج الطائفية) بالمواعظ والنصائح وتبويس اللحى فهذه سذاجة، لن تزيد الحالة إلا سوءاً، والوضع إلا تدهوراً.

وإلى أن يتم تفعيل ما يكفي من خطوات الحل، فلا علاج للطائفية إلا بالطائفية المضادة: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) (البقرة:194). ولا عزاء للوطنيين الحالمين، ولا للمتطرفين الساذَجين.

 

 

 

المرحلة الأولى : التطويق

 

الخطوة الأولى : عزل الشيعة عن الحكم

 

هل الشيعي يصلح لحكم بلد متعدد الطوائف ؟

قلنا آنفاً: لا يمكن البدء بأي حل مع الشيعة إلا في بلد يحكمه السنة. فإن كان البلد محكوماً بالشيعة فتكون البداية من العمل على إخراج السلطة من يد الشيعة، وإرجاعها إلى صاحب الحق الشرعي. وإلى أن يتم استرجاع الحق فلا علاج للطائفية الشيعية إلا بالطائفية المضادة، والله تعالى يقول: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) (البقرة:194).

يستند هذا التقرير، الغريب على الثقافة العربية السائدة، إلى سببين جوهريين: أحدهما سياسي اجتماعي يتعلق بقواعد السلم الأهلي. والآخر شرعي يتعلق بأصول الشريعة..

 

1. الشخصية الشيعية وإدارة الحكم

الشيعي - بطبعه - مخلوق إقصائي إلى آخر حد.

وهذا الطبع الخطير مشرعن بالفتوى الدينية. وإذا اجتمع الطبع إلى الدين تمت البلوى واستعصى العلاج. لم يكن هذا التقرير لدينا وليد الاحتلال وما اقترفته الشيعة من جرائم بحق مواطنيهم لم يقترفها المغول من قبل ولا الأمريكان من بعد، وأمام شاشات الفضاء، والكاميرات والعيون والشجر والحجر. بل كان رؤية واضحة من قبل عشرين سنة من ذلك، استندت إلى عقيدة القوم وتاريخهم وسلوكهم الذي يحسر عن نفسه كلما سنحت لهم فرصة: خاصة أو عامة (الحركة الغوغائية سنة 1991 مثلاً). ولك أن تسأل: لماذا يتصرف الشيعي هكذا؟

 

عقدة الشعور بالأقلوية

الشيعة قوم لا يحسنون حكم شعوبهم، ولا التعامل السليم مع جيرانهم. وهذا يعود إلى سبب جوهري متأصل في الشخصية الشيعية ألا وهو عقدة (الأقلوية) النابعة من عقدة (الشعور بالنقص)، التي هي أهم الخصائص المكونة للشخصية الجمعية الفارسية.

ليست هذه العقدة وليدة ظرف مؤقت أو حدث طارئ، وإنما تكونت وتغلغلت في النسيج النفسي الجمعي للشخصية الفارسية وترسخت فيه عبر آلاف السنين حتى صارت جزءاً لا يتجزأ منه. أما كيف فإن دراسة الوضع (الجيوسياسي) المحيط بالفرس يجيب عنه. إنه العامل الرئيس وراء تكوين هذه العقدة الراسخة المميزة للشعب الفارسي وكل من خالطهم وتأثر بهم. وانتقلت بالحث والعدوى إلى الشيعة (وكثير منهم أدعياء فرس) حتى صارت جزءاً لا يتجزأ من النسيج النفسي للشخصية الشيعية.

هذه العقدة تجعل من صاحبها ذا شخصية خائفة متوجسة من الآخر، تتوهم على الدوام أن الآخر يتربص بها الشر ويريد إيقاع الأذى بها وإقصاءها وإبادتها (ﭙـارانويا)؛ فتبادر إلى مهاجمته قبل أن يهاجمها كما يخيل لها وهمها، الذي هو حلقة في في سلسلة من التوهمات والعمليات النفسية الشاذة، التي تؤدي بالشيعي إلى أن يكون عدوانياً غادراً مخرباً، وفي الوقت نفسه حزيناً كئيباً متألماً يشعر بالمظلومية والحنين إلى البكاء واللطم، مع رغبة جارفة بالانتقام من الآخر والثأر منه بطريقة سادية بشعة، والسعي بكل ما يستطيع لإزاحته ونفيه من الوجود المشترك أو الحياة نفسها.

فإذا تسلمت هذه الطائفة مقاليد الحكم في أي بلد متعدد المكونات عملت كل ما بوسعها لتفجير وإخراج ما في حاوية تلك النفسية المريضة المعقدة من دمامل وقيح وصديد، وعلى أسوأ ما يطوف في الخيال من صور للشر والفساد والتخريب. وهو ما حصل لعرب الأحواز، ولسنة إيران ولبنان والعراق وسوريا والبحرين واليمن، وظهرت بوادره في شرقية السعودية والكويت.

هناك أمر مهم للغاية.. وهو أن (الأقلوية) عقدة؛ فلا تتعلق – بحكم طبيعة العقدة - بكون الشيعة أغلبية أم أقلية في البلد. العقدة مرض نفسي غائر في أعماق النفس، يوجه لاشعورياً سلوك صاحبها وإن لم يكن له مبرر في الواقع، كالرجل الذي لديه (رهاب/فوبيا) من الصراصر أو الأماكن العالية أو المغلقة، فإنه يظل في حالة خوف منها ويهرب من مواجهتها مهما كانت الأدلة على عدم وجود ضرر منها. وما دعاوى الشيعة اللحوح في أنهم غالبية نفوس العراق – مثلاً – سوى تعبير معكوس عن هذا الشعور. كالخائف في الظلام من الأشباح يرفع صوته عالياً ليعيد لنفسه بعض الاطمئنان المفقود. وهو نوع من (الاستعراض) يعبر عن خواء لا عن امتلاء، تماماً كالطبل كلما كان أكثر فراغاً كان أشد ضجيجاً.

إن هذا يفسر لنا ويكشف عن السر الكامن وراء كون إيران دولة عدوانية بطبيعتها، تثير الحروب من حولها، وتنشر الخراب وتعتدي على جيرانها، ملتمسة شتى المبررات لفعل ذلك. وتعكس هذا العدوان على الطوائف الأخرى المكونة للدولة مع أن الشيعة يشكلون أغلبية السكان فيها.

إن الحاكم الإيراني يعاني من (عقدة الأقلوية).

قارن ذلك بحاكم أصغر دولة عربية (البحرين مثلاً) لترى الفارق في علاقة هذا الحاكم بالطوائف الأخرى المكونة للدولة. ولك أن تنظر إلى تركيا - مثلاً – وتقارن أيضاً، من حيث أن تركيا تقارب إيران في المساحة وعدد السكان والتنوع الديمغرافي، وتعرف الفرق في تعامل حكومتها مع شعوبها في الداخل والدول الأخرى في الخارج.

 

قانون اجتماسياسي ( Sociopolitical ) مهم

من هنا يبرز لنا قانون يتعلق بالاجتماع والسياسة، لا أراه حاضراً حتى الآن في قاموس السياسة أو الاجتماع. هو أن الطوائف المصابة بـ(عقدة الأقلوية) لا تصلح للحكم، ولا يصح تمكينها من السلطة لا على أساس الديمقراطية ولا غيرها، وإن كانت تمثل غالبية المجتمع؛ لأنها ستوقع الظلم بالأقليات التي تحت سيطرتها بصورة شاذة تهدف إلى محوها وتذويبها ونفيها من الوجود. وإيران والعراق وسوريا ولبنان واليمن وما يجري فيها اليوم من ظلم وخراب وانتقام وتعطيل لمناشط الحياة شاهد على ما أقول. ودليل على أن أسوأ حل في هذه البلدان هو الحل الديمقراطي. إن الديمقراطية وإن اقتربت من الصواب فيما يتعلق بحكم الأغلبية، لكنها بقيت قاصرة من حيث أن هذا ممكن حين تكون الأغلبية سليمة من (عقدة الأقلوية)، وإلا كانت أسوأ الحلول، كما أسلفت. لقد كانت الديمقراطية بتقريرها لحكم الأغلبية سطحية في نظرتها، كمية في معيارها. وما قررناه هنا يتجاوز السطح إلى العمق في نظرته، والكمية إلى النوعية في معياره.

 

2. الحكم الشرعي لخضوع السنة لحكم الشيعة

أما الحكم الشرعي لخضوع السنة لحكم الشيعة فيتبين جلياً بما يلي:

أ. يقول تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) (النساء:59). فإن لم يكن (ولي الأمر) منا لا تجوز طاعته والخضوع لأمره وحكمه. والشيعة ليسوا منا ولا نحن منهم. ولا هم يَعدون أنفسهم منا ولا يعدوننا منهم.

بل هم أشد منا في هذه المسألة؛ إذ يحرمون أن يحكمهم سني ولو كان هو أبا بكر الصديق t نفسه. ويبذلون كل الجهود لخلعه، أو إثارة الفتن والقلاقل في وجهه. ليس هذا فحسب، بل إن الشيعة في أي بلد يعملون بكل وسيلة لتخريب البلد الذي يسكنونه بما فيه من بشر وحجر تحت ظل هذا الحاكم الذي ليس من شيعتهم. ولا خلاف بينهم في ذلك قط؛ إذ شرعن علماؤهم لهم كل ذلك بالروايات المختلقة والفتاوى الجاهزة التي تواطأوا عليها دون نكير أو مخالف. وكتبهم حافلة بما ذكرت من هذا الأمر الخطير، الذي لو تبنته في بلد عصابة مكونة من عشرة أفراد لأشغلوا دوائر الأمن وأشاعوا الرعب بين جمهور الناس. فكيف إذا كان هذا عقيدة وعبادة يتقرب بها إلى الله ملايين الشيعة في كل قطر يستوطنونه؟!

ب. الأمر الآخر هو أن الشيعي إذا حكم السنة سعى إلى تبديل دينهم، وابتغى كل الوسائل إلى الوصول لهذه الغاية مهما كانت وحشية وإجرامية وخارجة على القانون. وما حياة المسلم إذا سُلِب دينه! والله تعالى يقول: (وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ) (البقرة:191).

وعلى أصحاب التنظير (الوطني) أن يعلموا جيداً أن هذه القضية من طرفيها: السني والشيعي مبنية كلياً على الدين؛ فلا يمكن علاجها بالترضية وتقريب أحد الدينين إلى الآخر للالتقاء في وسط الطريق. إن الدين بذاته وطبيعته يأبى ذلك. لا حل - والحالة هذه – إلا بتبديل أحد الدينين. وبهذا يتبين سذاجة ذوي الحلول السياسية والترضوية؛ فالمشكلة ليست سياسية حتى تستجيب للحلول السياسية. ولا عشائرية حتى تحل بالترضية والتعويض بالمال ونحوه. ومن حاول ذلك كان كمن يبغي علاج مشكلة صحية بنظرية هندسية، أو يريد حل مسألة هندسية بوصفة طبية!

هل عرفتم الآن مدى سذاجة الفكر الوطني في بلد خليط من الشيعة وغيرهم، وتخلفه وجنايته على الطرفين؟

 

 

المرحلة الأولى : التطويق

الخطوة الثانية : عزل الشيعة عن السنة

 

ذكرنا سابقاً أن الطائفية لا علاج لها إلا بتغيير إحدى الطائفتين وتذويبها في الطائفة الأخرى؛ لأن الطائفية حالة قائمة على الدين. وبينا أن الحل السياسي القائم على الدمج والتعايش فاشل مع الشيعة بسبب رابوع (العقدة والعقيدة والمرجعية والولاء لإيران). ووصلنا إلى أن الحل يكمن في الاعتراف بوجود المشكلة الطائفية كحقيقة ما دامت موجودة كواقع، ومن ثَم يكون التعامل مع المشكلة بتطويقها ودفع ضررها، لا العلاج لها بمعنى محوها وإزالتها ما دامت الطائفة موجودة، هو الحل المتاح واقعياً حتى يتم تغيير الطائفة وقطع مادتها. المشكلة في الطائفة، أما الطائفية فناتج عنها. وما عداه فتسكين مؤقت، أو حقنة مخدرة للسنة ريثما يتم تقطيعهم وتذويبهم لصالح الجسد الشيعي.    

التعامل وليس العلاج، هذا هو توجه الحل في خطوته الأولى: (التطويق)، إزاء الطائفية الشيعية.

وكانت استراتيجية الحل الكامل التي وضعناها تعتمد على أسس أربعة، وهي:

1. عزل الشيعة عن الحكم.

2. عزل الشيعة عن السنة (بإقليم وإلا فالتقسيم "بالنسبة لوضع مشابه لوضع سنة العراق").

3. تحرير الشيعة.

4. تفكيك إيران.

وهذا أوان الكلام عن (الأقلمة) كأحد أسس الحل الجذرية للمشكلة الطائفية.

 

عزل الشيعة عن السنة

سألنا سابقاً: (هل الشيعي يصلح لحكم بلد متعدد الطوائف؟)، وبينا الأسباب الموضوعية لعدم صلاحية الشخصية الشيعية للحكم. إن هذه الشخصية تعاني من جملة علل أهمها (عقدة الشعور بالأقلوية)، وهي عقدة ترافق الشيعة حتى في البلدان التي لهم الأغلبية العددية فيها؛ لأنها جزء لا يتجزأ من الشخصية؛ فهي عقدة. والعقدة تفاعل لاشعوري يحكم تصرف صاحبه، علم أم لم يعلم. والغالب عليه عدم العلم. ولعل هذا يلقي الضوء على فهم قوله تعالى عن صنف مريض من البشر، مفسد لكنه يتوهم أنه مصلح: (فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ) (البقرة:12). هكذا هم الشيعة، وكذلك الفرس، مرضى مفسدون في الأرض ولا يشعرون. فكيف ينتهون عن الفساد وهم يرونه صلاحاً وإصلاحاً؟! مع استثاء قلة قليلة منهم لا أثر لها في عملية الإفساد التي يتبناها الجمهور.

لا يكفي عزل الشيعة عن الحكم، إلا بعزلهم عن المجتمع؛ فليس للطوائف المصابة بعقدة الشعور بـ(الأقلوية) من علاج، والتاريخ شاهد على هذه الحقيقة؛ فالعدوانية صفة وسلوك مرافق للفرس منذ آلاف السنين، وللشيعة منذ أن وجدوا بعد ذلك؛ لهذا أقول: على كل دولة فيها نسبة معتبرة من الشيعة أن تبادر قبل كل شيء فتعزلهم عن بقية مكونات المجتمع بإقليم، في طريقها إلى استكمال بقية الخطوات.

"الأقلمة أفضل معادلة سياسية ممكنة لحل الخلاف الثقافي والاقتصادي. بما في ذلك الخلافات الدينية والعرقية، والتباين الاجتماعي. فحين تكون الدولة ذات مكونات تختلف في لغتها وهويتها الثقافية، فإن ذلك يؤدي تلقائياً إلى حدوث توترات مختلفة يمكن أن تقود إلى التجزئة والتقسيم بين هذه المكونات ما لم تحكم بالقوة. والشعوب التي تقاد بالقوة يشيع فيها الظلم ويكثر الاضطراب، ومصيرها التفتت والانقسام".

"والإسلام يعطي حرية واسعة في أمور السياسة، ولا يحصر الأمر في نظام واحد أو شكل واحد. فالأخذ بنظام (الأقلمة) يجنبنا تلك تداعيات للحلول المتعجلة غير المدروسة. وهو أقرب إلى النظام السياسي التي اتبعته الإمبراطورية الإسلامية في عامة عهودها".

"وعندما يفهم المعارضون أن نظام الأقاليم لا علاقة له بالتقسيم سيدركون أن ذلك لا يتناقض مع المشروع القومي ولا المشروع الإسلامي، بل يخدمها أعظم خدمة. وسيحيص العرب ويحيصون ولا يجدون حلاً لأزماتهم إلا بالأقاليم، ودون ذلك مزيد من الأزمات التي ستنتهي بالتجزئة والتشرذم والتقسيم.

 

الأقلمة نظام حضاري وخيار استراتيجي

إن أقلمة الدولة تجعل كل مكون مشاركاً للمكون الآخر في الخير، ومسؤولاً عما يحصل لذاته من شر. فتتفاهم مكوناتها المختلفة وتتعايش وتتقارب فيما بينها. فتستقر الدولة وتنمو وتتطور. وهذا أرقى وضع سياسي يمكن أن تصل إليه دولة. هذا مع وحدة الكيان السياسي وقوته. وهكذا لن يقف نظام الأقاليم عائقاً أمام تكوين أي نظام سياسي: وطنياً كان أم قومياً أم إسلامياً. وبالنسبة للمشكلة الشيعية فإن هذا يوفر أفضل الأجواء لعلاجها، خصوصاً في ظل نظام إسلامي رشيد. فمن ناحية تمكننا الأقلمة من عزل الشيعة في منطقة خاصة بهم، لا يختلطون بالسنة، ولا يمارسون بث سمومهم بين صفوفهم، ولا يمنحون فرصة للتآمر عليهم بالاختلاط بهم. وفي الوقت نفسه يمنحنا الفرصة والوقت الكفيل بوضع استراتيجية تغييرية بسقوف زمنية مناسبة. ثم لكل حادث حديث.

وبهذا يتبين أن نظام الأقاليم نظام حضاري، وخيار استراتيجي، وحل متطور يناسب الجميع. وليس هو مطلب آني للخروج من أزمة، ينتهي مفعولها بانتهائها".

قلت هذا الكلام الموضوع بين علامتين ("")، وعقبت عليه عام 2014 قائلاً: "هذا مع علمنا أن الزمن ربما يكون قد فات، وتجاوز الإقليم إلى التقسيم".

وفي مثل حالنا نحن سنة العراق، إن عجزنا عن استرجاع الحكم من يد الشيعة، أو إقامة إقليم مؤقت ريثما نتعافى فيه، فلا أقل من الانفصال عنهم بدولة، ثم لكل حادث حديث ضمن مسار الحل الرباعي المذكور آنفاً؛ فالمرضى بوباء مُعدٍ خطير لا علاج لهم دون العزل، ثم من بعد تنفذ جميع خطوات العلاج.

 

 

المرحلة الثانية : الاختراق

الخطوة الثالثة : تحرير الشيعة

قلنا سابقاً: إن تحرير الشيعة يعني أمرين:

1. تحرير الشيعة من عقيدة التشيع.

2. تحرير الشيعة من عقد التشيع.

من هذا المنطلق فإننا – في المشروع السني وفكره - لا نعني بـ(تسنين الشيعة) معناه الأحادي وهو تحريرهم من عقيدة التشيع، إنما بمعناه الشمولي المزدوج الذي يعني تحرير الشيعة وتسنينهم: عقيدة وعقدة.

 

معالم مهمة في طريق تحرير الشيعة من التشيع : عقدة وعقيدة

بداية لا بد من التنويه بأن العمل لـ(تحرير الشيعة) لم يأت وقته بعد. وإنما أذكره هنا لأن البحث في الموضوع الأكبر يستدعيه وهو (الخطة الاستراتيجية للتعامل مع المشكلة الطائفية الشيعية). وسأجعله على شكل معالم رئيسة في خطة استراتيجية توضع لاحقاً عند استحقاقها المرحلي إن شاء الله تعالى.

 

1. أدب الدعوة أم خطاب المواجهة ؟

تزهد الشخصية الشيعية في كل خطاب ليّن، وتنفر من دواعي التقريب وتحتقر أصحابه، ولا تستجيب لغير الخطاب الاستعلائي القوي.

هذه حقيقة نفسية جمعية.

إنهذا يتطلب أن يكون خطاب المواجهة، لا أدب الدعوة، هو اللغة والأسلوب المتعين مع الشيعة، اليوم وغداً، وكل زمان ومكان.

فإذا أضفت إلى ذلك أن حرباً ضروساً تدور اليوم بين الشيعة والسنة، أراد لها الشيعة أن تكون حرباً استئصالية عامة لجميع السنة، شاملة لكل مناحي حياتهم بلا رحمة ولا هوادة. تأكد ذلك الخطاب خطاً ثابتاً في سياسة التعامل مع الشيعة. ومن المعروف أن للدعوة لغتها وأساليبها التي تميل بالنفس إلى التهدئة واللين. بينما نحن إزاء خصم نحن بأمس الحاجة الدائمة إلى اليقظة والشد والتعبئة النفسية ضده.

 

2. التسنين الفردي أم الجمعي ؟

أفلحت الدعوة على مدى العقود التي سبقت الاحتلال في هداية عشرات الألوف، وربما مئاتها، من الشيعة. لكن الشيء الذي لا ينتبه إليه كثيراً، هو أن هذا العمل بقي في دائرة التأثير الفردي، دون أن يتمكن من كسر المنظومة الجمعية للشيعة: فلم تهزم مؤسسة دينية لهم، ولم تتسنن مدينة أو قرية شيعية، فضلاً عن دولة. العكس هو الذي حصل. ودونكم العراق والأحواز والسعودية ولبنان وسوريا واليمن ونايجيريا أمثلةً واضحة الدلالة. في العراق خلال ثمانية عقود (1921 - 2003) تشيعت مدينة البصرة، وهي ميناء العراق الوحيد. وارتفعت نسبة الشيعة في العاصمة بغداد، من (5% - 35%). كما ارتفعت نسبة الشيعة في مدينة تلّعْفرَ (الواقعة بين الموصل وسوريا) من (0% - 40%). وطالت نسب أخرى الحلة وديالى وغيرها من مدن العراق. ومن حيث الحقيقة فإن النسبة الأقل للشيعة كانت أقوى تأثيراً وأثراً من النسبة الأكثر للسنة.

الشيعة يتقدمون جمعياً وإن تقهقروا فردياً، بخلاف السنة فإنهم يتقهقرون جمعياً وإن تقدموا فردياً. بل إن هذا التقدم ربما زاد وضعهم سوءاً من حيث أنه يعطي مؤشراً وهمياً إلى أنهم يتفوقون على الشيعة، دون أن يعوا أن هذا التقدم – في الحقيقة - لا يغني عنهم من التشيع الزاحف شيئاً ذا بال. ولا يدركوا أن الإسلام ليس دعوة سائبة، وإنما هو دعوة ضاربة تؤسس لكيان ودولة تلتقي فيها الدعوة والسياسة ولا ينفصلان عن بعضهما بحال. إن الدعوة إلى التسنين الفردي عمل يعاني من غيبوبة الوعي، فهو في حاجة إلى منبه شديد كي يصل إلى أهدافه المنتجة، وإلا فهو خير مشتت وحق مضيَّع.

 

3. صعوبة عملية تحرير الشيعة

ليس تحرير الشيعة من العقيدة والعقدة هدفاً سهلاً. وربما لا يتحقق بنسبة كافية، وهذا وارد جداً. وسبق لي أن تكلمت عن ذلك في أواخر كتابي (التشيع عقدة نفسية لا عقيدة دينية)، وذكرت الاحتمالات التي تحتف بهذا الهدف. وربطت بين الحالة الشيعية والحالة اليهودية من حيثيتين: الأولى: موانع الإيمان الخمسة التي حالت دون إسلام اليهود، والتي ذكرتْها الآيات (75-80) من (سورة البقرة) ومجملها: (تحريف الوحي، التقية، عدم تدبر الكتاب، اتخاذ الدين حرفة، الأمان من عذاب الآخرة). وهي موجودة جميعاً عند الشيعة. والثانية: إعادة انتشار اليهود وإخراجهم من جزيرة العرب. وهذا يفتح أمامنا آفاقاً واسعة وأشكالاً متعددة من الحلول لا تقتصر على التسنين العقائدي والمجهود الدعوي فقط. وبينت هناك أن الشيعة أكثر إدراكاً لتلك الآفاق، واستخداماً للأساليب والقوانين الجماعية في التغيير من أهل السنة. وأن هذا هو سر النجاح المطرد للشيعة على حساب تقهقر أهل السنة.

على أنني لا أستبعد النجاح في الوصول إلى هذا الهدف بنسبة تستحق الاهتمام، إذا وضعنا حينها خطة ريادية فاعلة، تعتمد أوامر الشرع التي ميعها الترضويون، وضوابطه التي غفل عنها الجاهلون، وضيّق نطاقها المتنطعون. وتستند إلى الحلول التي أشار إليها القرآن الكريم، وتستفيد من تجربة النبي العظيم e، وتستلهم تجارب التاريخ في إخفاقاتها ونجاحاتها. وتقوم على معطيات العلوم الحديثة في النفس والاجتماع والسياسة والجغرافيا، وكل العلوم المطلوبة. وتحترم الزمن والظروف والموازنات الخارجية والداخلية. أما تفاصيل الخطة فترجأ إلى ذلك الحين، وهو قادم إن شاء الله.

وعلى هذا ينبغي أن يكون العمل في بقية بلاد العرب المبتلاة بسرطان الشيعة. وذلك قبيل أو مع العمل على تفتيت إيران وتقسيمها إلى دول، ووضع الحواجز الفاعلة دون عودتها إلى حكم الفرس في دولة إيرانية مرة أخرى. وبذلك نكون قد أنهينا خطر الشيعة والتشيع بإذن الله تعالى.. وإلى الأبد.

 

4. خطة مستقبلية شاملة

إن تحرير الشيعة من عقيدة التشيع تقف عقد التشيع حائلاً في سبيله. ومن يتغير منهم: فردياً أو جمعياً تكون عقده سبباً في إفساد المجتمع وخلخلته، وربما تدميره وقلبه. وأرى أن شبيهاً بهذا حصل إبان الفتح الإسلامي. إذ تغلغلت العنصرية في ثوب الدين والمساواة وطلب العلم، وغيرها من المبادئوالمناشط، حتى تحولت إلى شعوبية اتخذت شكل الظاهرة الاجتماعية التي اجتاحت المجتمع.

لهذا تتطلب خطة التحرير أن تكون ذات محور مزدوج بخطين: خط يراعي العقيدة، وخط يراعي العقدة. وهو ما انبنى عليه العلاج الرباني ليهود المصريين من خلال عملية التيه.

بعد تحرير بغداد بإذن الله، وإعادتها إلى حظيرة أهل السنة، ثم إعادة الشيعة إلى مناطقهم الأصلية، في ظل إقليم ذي تشريعات مناسبة تخدم الهدف الأبعد، وتخليص عاصمة العراق وبقية المدن السنية منهم.. يكون التوجه إلى الخطوة اللاحقة وهي وضع خطة ريادية فاعلة تهدف إلى (تسنين الشيعة) وأسلمتهم من جديد: عقيدة وعقدة. في هذه المرحلة فقط – لا قبلها - يكون هذا الهدف ذا جدوى، ويعبر عن وعي حقيقي بالدين والسياسة.

 

 

 

المرحلة الثانية : الاختراق

الخطوة الرابعة والأخيرة : تفكيك إيران

 

أيسر الخطوات

nq29في رأيي أن أيسر الخطوات الأربع هي تفكيك إيران إلى خمس دول على الأقل، هي: الأحواز، والبلوش، والكرد، والأذر، والفرس، وإن بدت على خلاف ذلك! غني عن القول أن (أيسر) لا يلزم منه كون الهدف يسيراً، وإنما هو يسير مقارنة بغيره.

يتصور العرب أن إيران دولة قوية متماسكة، بينما هي أبعد ما تكون عن التماسك. والرئيس العراقي صدام حسين استعجل القطاف فركز على العمل العسكري، وكان الأصوب أن يسبق العمل العسكري عمل أمني وفكري وسياسي واقتصادي، ويكون القتال جهداً احتياطياً قد لا نحتاجه، أو هو خاتمة المطاف لضرب البناء الخاوي الموشك على التداعي. قد يقال: إن إيران أعجلته عن ذلك. وأقول: صحيح، ولكن هل كان في وارده خطة طويلة الأمد لتفكيك إيران؟ بل هل في باله هذا الهدف أصلاً؟ لا أظن!

انظر إلى الفرس كيف يعتمدون النفس الطويل، ونخر العدو من الداخل، على العكس من العرب الذين يمتازون بالعجلة، والتركيز على القوة العسكرية. الفرس يركزون على (المناعة) فيضربونها، والعرب يركزون على (المنعة) فيعتمدونها. وعقلية مثل عقلية الفارق عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) أظنها نادرة بيننا على مدار التاريخ. لقد كان منزعجاً من التوسع في الفتوحات، والتوغل في بلاد فارس. لكن مجايليه كانوا يلحون عليه، فرضخ مكرها أو مسايراً لهم. وأرى أن هذا كان خطأ ستراتيجياً وقع فيه العرب إذ اجتاحوا تلك البلاد في غضون سنوات معدودات. نعم استوعبوا فارس عسكرياً، لكنهم ضاقوا بها ثقافياً. وكان لهذا آثاره الضارة في الفكر والدين والأمن والسياسة. بدأت من مقتل عمر نفسه، ثم ظهور الفكر الشعوبي، وحركة الوضع في الحديث، وعلم الكلام وتأويل الصفات، والقول بخلق القرآن، وسلسلة طويلة من المضار ما زلنا نعاني منها حتى اللحظة. وكان الصحيح هو التريث والتغلغل شيئاً فشيئاً. فكما أن تثبيت حركة الفتح في حاجة إلى حامية عسكرية، فهو في حاجة أشد إلى (حامية ثقافية) واستيعاب ديني واجتماعي حقيقي لا مظهري. وهذه قضية فكرية تاريخية لا تنال من عظمة ذلك الجيل الدينية والحضارية.

 

ضعف المرتكز القومي لدولة إيران أساس استراتيجية تفكيكها

النظر إلى الجغرافيا ضرورة من ضرورات السياسة. فماذا تقول جغرافية إيران؟

تتكون دولة إيران من أكثر من خمس عناصر قومية أهمها: الفرس، الكرد، الأذر، العرب، البلوش، التركمان. وعند مقارنة نسبة الفرس إلى النسبة الكلية لبقية القوميات يظهر الخلل في مرتكز الدولة الذي يقوم عليه بناؤها، ويتبين أن إيران دولة مصطنعة؛ فالفرس يشكلون أقلية قد لا تصل إلى 35% من مجموع السكان. وحسب الأرقام الرسمية يشكل الفرس 51%! وهي نسبة غير حقيقية، المقصود منها إعطاء فكرة وهمية عن أن الفرس هم أغلبية السكان فلهم الحق في حكم الدولة. ومن عرف مدى تمكن خليقة الكذب عند الفرس تيقن من بطلان هذه النسبة، وعرف أيضاً أن نسبة الفرس أقل من ذلك بكثير؛ فلو كانت النسبة تعينهم لما اكتفوا بهذا الرقم المفضوح. هذا وفي الفرس سنة، وهذا يعيننا كثيراً في مشروع التفكيك.

شيء آخر هو أن الفرس لا يكاد يكون لهم امتداد خارج حدود إيران، بخلاف بقية القوميات. وهذا عامل ضعف آخر يكشف عن اصطناعية الكيان السياسي للدولة. أضف إلى ذلك عوامل أخرى مهمة منها العامل الاقتصادي. يكفي أن تعلم أن النفط الإيراني أكثر من 90% منه في الأحواز، وأنابيب التصدير عبر الخليج العربي تمر من خلالها!

 

القوميات الإيرانية جاهزة للانفصال

تعيش الشعوب الإيرانية حالة مأساوية من الاضطهاد العرقي والثقافي والاقتصدي، وتعاني من الظلم بشتى أنواعه وأشكاله. وهي تتململ وتثور في كل مرة للخلاص من قبضة الفرس الظالمة. لقد ثار العرب في الأحواز مرات منذ الاحتلال الفارسي لها سنة 1924 وحتى اليوم، وكذلك الكرد غربي إيران، الذين نجحوا سنة 1946 في إقامة دولة لهم باسم (جمهورية مهاباد). وشهد العام نفسه محاولات جادة من الأذريين لإيجاد جمهورية مستقلة شمالي إيران. والبلوش أيضاً، وهم الآن في حالة حرب مع دولة فارس.

اعتماد مبدأ (الهجوم خير وسيلة للدفاع) يستلزم ضرورة التحرك الجاد لنصرة هذه الشعوب للخلاص من القبضة الفارسية، وسيفكك الكيان المصطنع لهذه الدولة الشيطانية. بدلاً من لزوم حالة الدفاع والاكتفاء بتلقي الضربات.

وسيرى العالم لأول مرة زوال دولة إيران من الخريطة، وبروز خمس دول جديدة على أنقاضها.

إن الأمن العربي مهدد بالدرجة الأولى والأكبر: خارجياً من إيران، وداخلياً من الشيعة. وهذه الخطة الرباعية كفيلة بعون الله بخفض الخطر الفارسي والشيعي كليهما إلى درجة يمكن السيطرة عليه تماماً.

بعد التفكيك هناك خطوات لاحقة لا بد منها، ولكل حادث حديث. مثلاً: الخريطة الجغرافية تبين أن العراق وأفغانستان كل واحد منهما هو الحزام الأمني للآخر. وبهما يكون الفرس بين فكي كماشة؛ وهذا يستلزم علاقات بينية متينة وإجراءات أمنية وسياسية وغيرها تكفل بقاء الفرس تحت دائرة النظر والسيطرة. هل أدركنا الآن لم استدرجت إيران حمير الأمريكان لإسقاط كابل وبغداد قبل التحرك الأخير لإقامة إمبراطوريتها المنشودة!

إن هذه الخطوة التاريخية لضرب الفرس في عقر دارهم وكيانهم، مع الاستفادة من كل تجارب التاريخ، ومعطيات العلم في النفس والاجتماع والأمن والسياسة والعسكرية، وعدم تعجل القطاف.. باتت ضرورة للخلاص من الصداع المزمن لشعوب المنطقة. كما أنه سيقطع الطريق على التآمر الغربي ضد هذه الشعوب، ومشروعه القائم أصلاً على التحالف مع التآمر الشرقي. إن إزالة إيران من الخريطة كفيل بالأمرين معاً.

لا يفتّـنَّ في عضدك أن هذا العمل غير مسبوق تاريخياً؛ فليس ذلك من شرط حركة التاريخ. إن الأخطار الكبيرة في حاجة إلى استراتيجيات عظيمة. والاستراتيجيات العظيمة في حاجة إلى أفكار بمستوى حجمها، وقادة على قدر التحدي. ونحن لها إن شاء الله.  

 

 


[1]- توفيق السويدي ولد سنة 1891. سياسي عراقي تولى منصب رئاسة الوزراء في العهد الملكي في العراق في أربع حكومات في السنوات 1929، 1930، 1946، 1950. توفي سنة 1968.

[2]- الشيعة والدولة القومية في العراق 1914-1990، ص360/الهامش، حسن العلوي، دار الثقافة للطباعة والنشر، إيران – قم.

[3]- الرسالة العراقية في السياسة والدين والاجتماع، ص93، معروف الرصافي، منشورات الجمل، الطبعة الأولى، بغداد 2007.

Add a comment

التعريف بالمؤسسة

( التيار السني في العراق )

 

لا بد للمشروع.. أي مشروع، من جهة حاضنة تؤسسه وتبنيه، وترعاه وتنميه، وتشرف عليه وتطوره وتغير فيه. وهنا مفترق طريقين؛ فمشروع يبحث أصحابه عن جهة من خارجهم تقوم به: دولة أو مانح أو ما شابه ذلك. وهذا لن يستمر طويلاً لأنه عرضة لمزاج تلك الجهة. ومشروع ينبثق عن الجهة التي وضعته وأسسته، مرتكزها المادي والمعنوي ذاتي، منها وفيها وإليها.

من هنا انبثقت الحاجة لإنشاء المؤسسة الحاضنة للمشروع، على أن تكون ذاتية داخلية، لا غيرية خارجية. وذلك على وجه الضرورة التي لا تقبل المساومة البتة. فكانت مؤسسة (التيار السني في العراق) هي الحاضنة لمشروع (الطريق إلى بغداد). وهو الاسم الذي اخترناه علماً على المشروع السني في العراق. فبغداد هي المثابة التي عندها ومنها يعلن الانتصار بعون الله الجبار جل في علاه.

 

الاسم : التيار السني في العراق

مؤسستنا ليست حزباً أو جماعة أو هيئة أو أي كيان آخر محدود بفئة معينة من أهل السنة، إنما هي تيار جامع وشامل لكل أهل السنة في العراق، لا سيما العرب منهم؛ وذلك لوقوع الحيف الأكبر عليهم، وتعرضهم للتهميش والتذويب أكثر من غيرهم. لكننا لم نقيد الاسم بالعرب فقط حتى نفتح المجال أمام أهل السنة من الأعراق الأُخرى الراغبين بالانضمام إلينا أو التحالف معنا تحت مظلة (السنة)؛ لذلك أطلقنا عليه هذا الاسم (التيار السني في العراق). كما أن في الاسم إشارة إلى أن التيار السني ينبغي أن يكون حيثما تعرض أهل السنة إلى الخطر في أي قطر، وليس في العراق فحسب، فنحن تيار من تيارات السنة محله العراق، ولسنا التيار السني الوحيد.

 

تيار سني في كل قطر

طموحنا أن تتأسس (تيارات سنية) تنتشر في كل قطر عربي وإسلامي فيه وجود شيعي لمواجهة هذا الطارئ الغريب على نسيج الأمة، الخطير على وجودها. لا سيما في المشرق العربي (الآسيوي) الذي يضم (الأحواز ودول الخليج العربي واليمن والعراق والشام). إن قضية هذا الشطر العربي - بالدرجة الأولى - شرقية لا غربية. والقضية السنية هي قضية الحاضر والمستقبل في هذا العالم الكبير الذي يمثل في وزنه المعنوي والواقعي ثلاثة أرباع الأمة.

القضية السنية هي القضية الوحيدة الرابطة بين شطري العالم العربي؛ فالمغرب العربي (الإفريقي) لا يمكنه وحده مواجهة التحدي الغربي دون المشرق العربي. إن التحدي الغربي (أمريكا وأوربا وروسيا) مرتبط بالتحدي الشرقي (الشيعة وإيران). ولا يمكن لدول المشرق أن تؤدي دورها في إعانة دول المغرب العربي ضد الغرب قبل حسم معركتها مع الشرق. وكذلك فلسطين ستظل تحت الاحتلال الإسرائيلي ما دام المشرق مشغولاً بتلك المعركة.

القضية السنية هي القضية الجامعة التي تربط بين القضايا الثلاث: قضية المشرق العربي وقضية المغرب العربي وقضية فلسطين. وفي غيابها عن ذاكرة الأمة غاب الرابط الجامع فتشرذمت وتفرقت في قضاياها؛ فأمسى لكل قطر قضيته المنفصلة عن قضية القطر الآخر، وغزيت دول المشرق في عقر دارها غزواً واحتلت احتلالاً أشد وأنكى من احتلال الاستعمار الغربي فيما سبق.

التيارات السنية في كل قطر أصبحت ضرورة حتى في فلسطين. لن تتحرر فلسطين ما دام المشرق العربي يرزح تحت نير الاستحلال الشرقي. وشتان بين احتلال واستحلال!

 

الهوية

مؤسسة ربانية([1]) سنية عراقية، اتخذت من مواجهة الخطر الشيعي والخطر الإيراني قضية لها، تتعامل معها طبقاً لمعطيات الواقع، ومقررات الوحي بضوابطه الأصولية. ومشروعها رباني يتبنى قضية عراقية بهوية سنية.

 

- رباني: يرجع إلى الوحي الإلهي طبقاً للضوابط الأصولية.

- سني: يقتفي نهج الصحابة رضي الله عنهم والذين اتبعوهم بإحسان، من جهة. ومتبنياً (الهوية السنية) من جهة ثانية؛ فلا بد من تبني (الهوية السنية) في هذه المرحلة في بلد مثل العراق تحكمه طائفة متطرفة ذات هوية شيعية اجتثاثية تسحق السنة في غياب هويتهم السنية، التي من دونها لا يمكن إيقاف عملية السحق والإلغاء.

- عراقي: له قضيته وخصوصيته العراقية التي ينطلق منها. ويتعامل مع قضايا الأمة في مختلف أقطارها على هذا الأساس فيرفض أي قضية أو مشروع يلغي القضية العراقية السنية، أو لا يعطيها استحقاقها المستمد من خصوصيتها. ويدرك أن لكل قطر قضيته وخصوصيته، التي تقتضي تكييف المشروع عند التعامل مع تلك القضايا، ونقل التجربة الخاصة إلى البيئة العامة.

 

المشكلة

خطر الشيعة وإيران، وضعف الوعي السني به في الداخل والخارج. وهذه المشكلة ذات طبيعة تاريخية وليست آنية.

 

الرؤية

رفع الظلم عن أهل السنة في العراق والدول التي يتهددها الخطر الشيعي والإيراني. والحفاظ على هويتهم السنية وحماية دينهم ومصالحهم العليا.

 

الأهداف ( المرحلية والبعيدة )

1. تمكين أهل السنة من حكم مناطقهم، وتقرير مصيرهم بأنفسهم.

2. استعادة الهوية السنية لبغداد.

3. عزل الشيعة عن السنة: سياسياً بإقليم (خيار ستراتيجي).. وإلا فجغرافياً بالتقسيم (خيار مرحلي يرتبط بظرفه).

4. استعادة حكم العراق من يد الشيعة.

5. العمل على تحرير الشيعة من التشيع: عقيدة وعقدة.

6. تفكيك إيران.

7. لكل حادث ومرحلة حديث ضمن ضوابط الشرع ومتطلبات المصلحة الشرعية وقيود الواقع.

حتى ينقل الإنسان قدمه ليخطو إلى الأمام يحتاج أن تكون القدم الثانية قد استقرت ثابتة، وإلا تزحلق وسقط. فالتفكير بتسنين الشيعة أولاً حالة عبثية ما لم نفكر بديئة بمنع الاختراق الشيعي لمناطق السنة وهيمنتهم عليها وسيطرتهم على شؤونها وتحكمهم بمسيرها ومصيرها بتحقيق الفقرات (1-4) أعلاه. ثم بعد ذلك ننتقل إلى مرحلة العمل على تسنين العراق، وذلك وفق خطة حكيمة محكمة طويلة الأمد. واضعين في الحسبان أن لدينا رديفاً احتياطياً، وبديلاً آخر في الوقت نفسه، في حال تعثر أو فشل مشروع التسنين، ألا وهو عزل الشيعة عن السنة؛ فإن هذه الآلية تؤدي دوراً مزدوجاً يمثل في وقت واحد الخطة والخطة البديلة. إن العزل يهيئ لنا بيئة مناسبة لتحرير الشيعة من عُقَدهم وعقائدهم، كما تم لبني إسرائيل في تيههم معزولين في الصحراء. ناظرين في الوقت نفسه إلى الاحتمال الآخر. وهو وإن كان - في رأيي - ضعيف الحصول متى ما استثمرنا توفر تلك البيئة في سبيل التغيير المنشود، لكنه محتمل لا يمكن نفيه كلياً. كما أن من المقطوع به أن النجاح قيمة نسبية تعتمد الكمية في تقريرها. إذن هناك دوماً نسبة متخلفة تستعصي على التغيير.

إن العزل يهيئ لنا الأرضية المناسبة للتعامل مع مخلفات النجاح التي استعصت على التغيير، ومع احتمال الفشل بمعنى عدم اكتساب النجاح النسبة المطلوبة لتقريره. وفي هذه الحالة نكون قد ضمنا عزل الشر وحجره في مكانه، ريثما نغير وسائل التغيير طبقاً لما تتطلبه الظاهرة التي تواجهنا. وهنا أقول: لكل حادث حديث.

هذا مع التنويه بأن جميع محاولات التعايش أو التقريب أثبت التاريخ والأحداث والتجارب القديمة والحديثة فشلها الذريع وبامتياز. واستحالة التقريب أو التعايش لا تقتصر على الدين فقط، بل تتجاوزه إلى السياسة والاجتماع واستحالة التقريب أو التعايش بين الشعبين المختلفين: السني والشيعي. إلا في حالة واحدة فقط هي: تحول الشيعة إلى سنة، أو العكس. ومع الخطة التي وضعت نكون قد انتقلنا بفكرة فشل التقريب من مجالها العلمي التنظيري السكوني إلى ميدانها الاجتماعي الجغرافي المتحرك. ولا بد في نهاية المطاف من العمل بجد على تفكيك إيران ووضع العراقيل الاستراتيجية الفاعلة أمام عودتها دولة واحدة.

 

فكر عالمياً .. وتصرف محلياً

من أجل تحقيق التوازن بين الفكرة (هوية ورؤية وهدفاً) من جهة والواقع من جهة ثانية، نتبع القاعدة الربانية التالية: "فكّر عالمياً، وتصرف محلياً". والتي تعني على قدر نجاحك محلياً يكون نجاحك عالمياً، فيكون البدء بالبلد، وتحديداً من الإقليم السني، هو المنطلق لتأسيس مشروع على مستوى الأمة: العربية والإسلامية، آخذين بنظر الاعتبار الأقرب فالأقرب.

 

المشروع

كيف السبيل إلى تحقيق أهدافنا؟

بمؤسسة ناظمة، ذات مشروع محدد أساسه (المشروع المدني)، الذي جرى التعريف به في الفقرة الاولى للمنهج.

والمشروع في أصله يقوم على ثلاث دعامات:

1. الهوية: بداية

2. الهدف: نهاية

3. المحور الواصل بين الهوية والهدف ويتكون من خطين متلازمين:

أ. الخطة المرسومة

ب. البرامج المعمولة

 

مراحل المشروع

عملياً يمر المشروع بثلاث مراحل باتجاه بغداد:

 

1. مرحلة التحصين

أي تحصين السنة في داخل العراق وخارجه خصوصاً، وتوعية العراقيين عموماً بجميع طوائفهم وأديانهم وأعراقهم بالخطر الشيعي والإيراني، ودفعهم باتجاه مواجهته أولاً، والتمسك بحقوقهم ثانياً. وهي المرحلة التي يتم فيها نشر الفكرة، وترسيخ الهوية، وتأهيل القادة. وهي مرحلة بناء (النواة الصلبة).

 

2. مرحلة التكوين

وهي المرحلة التي ينتقل المشروع فيها من (الفكرة) إلى (العمل الاجتماعي) الذي يلتحم به الجمهور بالقيادة من خلال التفاعل الإيجابي مع حاجاته وهمومه وقضاياه. وهي مرحلة بناء (البؤرة الجاذبة). وفيها نسعى لتحقيق شيئين:

أ. القاعدة القائدة

ب. الحاضنة الجماهيرية الساندة

وهي المرحلة التي يكتمل فيها بناء (الجسم المدني)، الذي منه - لا من سواه ولا قبله - ينبثق الجناحان: السياسي والعسكري.

 

3. مرحلة التمكين

وهي المرحلة التي يتم الانتقال فيها من (العمل الاجتماعي) إلى (العمل السياسي) المحمي بالقوة. أي مرحلة انبثاق الجناحين: السياسي والعسكري من الجسم المدني. وهذا هو الذي يؤهل المؤسسة لقيادة السنة باتجاه بغداد. وهي مرحلة بناء (الكتلة الغالبة).

 

معادلة توحيد القوى

النواة الصلبة nq2 البؤرة الجاذبة nq2 الكتلة الغالبة

 

المتبادر إلى ذهن معظم الناس أن العمل لتحقيق الهدف يبدأ من وحدة القوى العاملة على الساحة. وهو ليس أكثر من تصور ذهني سطحي جميل. أما على صعيد الواقع فإن هذا التصور خطأ ستراتيجي خطير يجعل من يؤمن به يراوح في مكانه، وتكون نهايته الإحباط فاليأس فالقعود.

"القوى المتكافئة مثصارعة"..

قانون من قوانين الاجتماع تدل عليه كل التجارب التاريخية والراهنة؛ فما اجتمعت القوى المتقاربة في حجمها إلا بقوة جامعة من خارجها. فإن ما بين القوى المتكافئة من أسباب الخلاف والاختلاف ما يكفي لمنع التوحد والائتلاف. وهذه القوة الجامعة ينبغي أن تكون من الفاعلية والتأثير بحيث تتمكن من ضم شتات تلك القوى تحت جناحها: رغبة ورهبة.

إذن.. العمل على توحيد القوى المتكافئة دون وجود تلك القوة الجامعة سعي وراء هدف مستحيل التحقق. والهدف المستحيل ليس بهدف.

بهذا يتبين أن..

"توحيد القوى نتيجة وليست مقدمة".

فما العمل؟ أو ما الحل؟

الحل يكمن في أن تنمو إحدى القوى ذاتياً حتى تتحول إلى ما نسميه (الكتلة الغالبة). وذلك وفق الخطوات التالية التي تمثلها المراحل الثلاثة للمشروع المذكورة آنفاً:

أ. النواة الصُّلْبة : المتمثلة في مرحلة (التحصين)، والقائمة على: شيئين: إبراز الهوية، وإعداد القادة.

ب. البؤرة الجاذبة : المتمثلة في مرحلة (التكوين)، والقائمة على العمل المجتمعي. وصولاً إلى شيئين: تكوين القاعدة القائدة.. والحاضنة الجماهيرية الساندة.

جـ. الكتلة الغالبة : وفيها يبرز (التيار السني) على الساحة بجناحه السياسي المحمي بجناحه العسكري. لقيادة أهل السنة نحو أهدافهم.

معادلة توحيد القوى إذن تسير وفق المعادلة التالية:

 

 

nq1

 

ينبغي أن تنمو القوة الجامعة نمواً ذاتياً طبيعياً، بحيث تنطلق - بعد التوكل على الله – من نفسها، لا من الاعتماد أساساً على جهة من خارجها؛ لأن الاعتماد في أساس القوة على الخارج يجعل القوة الجامعة تابعة لتلك الجهة، منفذة لرؤيتها وإيحاءاتها وأوامرها ومشروعها. فتكون (عميلة) لها، حسب المصطلح السياسي الحديث؛ عن وعي وقصد مسبق، أو عن غير وعي، فالنتيجة واحدة.

لا بأس بالتعاطي مع القوى الخارجية واستثمار العلاقة معها للبناء والتكوين الداخلي، والنمو الطبيعي حسب المكنة الذاتية، لا النمو السريع القائم أساساً على دعم القوى الخارجية. والحذر الحذر من (المال السياسي) فإنه الخطر عينه!

 

من مميزات مشروعنا

  • * يعيد للأمة هويتها: لأنه رباني يمتاز بالثبات في العقيدة والأصول والقطعيات، وبالمرونة في المواقف والفروع والظنيات. بين مشاريع إسلامية معاصرة: إما مائعة أو لينة في عقيدتها ومبادئها، وإما جامدة أو متشددة في سياستها ومواقفها.
  • * يمنح قضيتنا استحقاقها: لأنه عراقي ينطلق من خصوصيته العراقية، التي أهم عناصرها أن قضيتنا المركزية في العراق شرقية لا غربية، وعدونا الأول شرقي لا غربي؛ فالعراق يمتاز بأنه يعاني من خطرين كبيرين: أحدهما خارجي وهو إيران، والآخر داخلي وهو الشيعة. هذا هو محور مشكلتنا وأصل قضيتنا. ثم من بعد نعطي لكل عدو موقعه حول المحور، وليس في مركزه.
  • * منفتح النهايات: يقبل النقد والإضافة والتعديل على طول الزمان والمكان، ويتصف بالمرونة التي تمكنه من التكيف مع المتغيرات. وبهذا نضمن له الاستمرار، والتطور الدائم، ومواجهة التحديات بعيداً عن الجمود والتحجر، الذي هو العلة المقعدة لكل المشاريع والجماعات.

 

موقفنا من الآخرين في الداخل والخارج

مشروعنا يتفاعل ويتعامل مع كل المشاريع، والجهات الأخرى: دينية وغير دينية، مسلمة وغير مسلمة، ويتعاون مع أصحابها على البر والتقوى؛ ما توفرت ثلاثة شروط هي: أن لا يتعارض ذلك مع منهجيته الربانية، أو قضيته السنية، أو خصوصيته العراقية. يقول تعالى: (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (المائدة:2).

 

موقفنا من العروبة

نرى أن العروبة أحد عناصر المشروع. وهذا يتضح بما يلي:

  • * حب المرء قومه والتعلق بهم فطرة احترمها الإسلام، واستثمرها في سبيل تقوية الروابط وصلة الأرحام فقال تعالى: (وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (الأنفال:75). وتأسيساً على هذه الرابطة تنشأ الدول.
  • * من حق العربي أن يعتز بقومه وينتمي إليهم ويخصهم بصلته ويقف معهم بنصرته. وذلك من حق الكردي أيضاً، والتركي والفارسي، وغيرهم.
  • * شيء واحد محذور عقلاً ومحظور شرعاً، هو أن لا يخرجك حبك لقومك عن الحق والعدل، ولا يدخلك في باطل أو ظلم.
  • * عروبتنا ليست عرقية عنصرية، بل فطرية إنسانية شرعية. تقوم على أساس أن الناس سواسية في أصل الخلقة، وفي نقطة الشروع. وعلى أساس أن من أحب العرب فهو منهم روحاً ووشيجة. بل المجال أمامه مفتوح لأن يكون خيراً من عربي هو دونه في مقياس التقوى والعمل.
  • * اختار الله تعالى العرب لتنزل الرسالة الخاتمة، فكانوا حملتها الأولين إلى الأمم، ثم شاركتهم بقية الشعوب في حمل الرسالة، وأحبتهم وتعاونت معهم، إلا منافقي الفرس وشيعتهم؛ وذلك لكرههم في الحقيقة لدينهم. لأجل هذا كان كره جنس العرب من النفاق، وحبهم من الإيمان.
  • * إن عدونا الشعوبي بشقيه الإيراني والشيعي يعادينا كعرب وليس كمسلمين فقط.
  • * إن العراق مهدد في هويته وانتمائه العربي.
  • * في آخر الكتاب تفصيل عن موقفنا تجاه الكرد والقضية الكردية، وباقي القوميات.

 

 

 


[1]- لم نصف مؤسستنا بـ(الإسلامية) وأبدلنا بها صفة (ربانية) لثلاثة أسباب:

الأول: الأضرار المرافقة للفظ من حيث توهم كثيرين من أتباعه قدسية ما وصف به مثل (جماعة إسلامية، حزب إسلامي) فيكون فوق النقد. ومن حيث ارتباطه في الذاكرة الشعبية بإساءات جلبها أولئك الأتباع؛ فصار جمهور الناس ينفرون من لفظ (الإسلامي) لا سيما في العراق.

الثاني: ورود كلمة (رباني) في الوحي الإلهي (الكتاب والسنة) عكس (الإسلامي).

الثالث: اقترانها حيث وردت في النص الإلهي ببيان مهمة الرباني ووظيفته في الحياة، وهي أربعة مهام:

1. دراسة الكتاب وتعليمه: (كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ) (آل عمران:79).

2. تحكيم شرع الله: (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ) (المائدة:44).

3. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: (لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ) (المائدة:63).

4. القتال في سبيل الله: (وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ) (آل عمران:146).

وهذه (النصية مع الوظيفة) ميزة لصفة (الرباني والربانية) لا تملكها صفة (الإسلامي والإسلامية). فكيف وقد صارت مصحوبة بمفاسد لا يستهان بها!

على أن في الأمر سعة، ولكن هذا خيارنا.


Add a comment
primi sui motori con e-max.it